اقتصاد
هل ينجح المغرب في تطوير صناعة "الدرونات" الفلاحية؟
09/06/2026 - 18:57
وئام فراج
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي في القطاع الفلاحي، يبرز سؤال تصنيع الطائرات دون طيار "الدرون" محليا كأحد الرهانات التكنولوجية الواعدة في المغرب، ليس فقط لتقليص الكلفة، بل أيضا لبناء سيادة تقنية قادرة على دعم فلاحة أكثر استدامة ونجاعة. فهل يواكب المغرب هذا التحول؟
يرى الخبير في الهندسة والعلوم الزراعية والأستاذ بالكلية متعددة التخصصات بجامعة محمد الأول بالناظور، كمال أبركاني، أن انخراط المغرب في تصنيع الدرونات الفلاحية "أمر ممكن وواقعي"، بالنظر إلى توفر كفاءات وطنية وشباب مؤهل قادر على تطوير هذه التكنولوجيا، خاصة في ظل تزايد الطلب عليها داخل القطاع الزراعي.
مبادرات محدودة
وأكد أن هذا التوجه يمكن أن يتعزز عبر شراكات دولية، تتيح استقطاب استثمارات أجنبية، وتوفير حاضنة لمشاريع مغربية ناشئة، بما يمهد لتحول المملكة إلى فاعل إقليمي في هذا المجال.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن استعمال الدرونات في الفلاحة بالمغرب ما يزال يعتمد بشكل كبير على معدات مستوردة، حيث تُستخدم هذه التقنيات في رش المبيدات، ومراقبة المحاصيل، وتحليل صحة التربة.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت أيضا بروز شركات مغربية تقدم خدمات تشغيل وصيانة هذه الطائرات، ما يعكس توسع السوق الوطنية واعتماد الفلاحين بشكل متزايد على الحلول الرقمية لتحسين المردودية.
وفي مقابل هذا الاعتماد على الاستيراد، بدأت ملامح توجه نحو التصنيع المحلي تظهر تدريجيا، من خلال مبادرات تقودها شركات ناشئة ومقاولات مغربية، تعلن تطوير طائرات دون طيار محلية، إضافة إلى مشاريع أخرى تم عرضها في تظاهرات مهنية مثل المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، حيث تم تقديم نماذج أولية لدرونات فلاحية مغربية موجهة لأعمال الرش والمراقبة. و"تعكس هذه المبادرات بداية انتقال المغرب من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج، ولو في نطاق محدود".
ورغم هذه التحديات، تؤكد الدينامية التي يعرفها السوق، إلى جانب التطور التكنولوجي المتسارع، أن المغرب يملك مقومات حقيقية للانتقال التدريجي نحو إنتاج الدرونات محليا، وفق أبركاني، خاصة إذا ما تم تأطير هذا التوجه ضمن رؤية استراتيجية واضحة.
الرقمنة الزراعية
أما على مستوى الاستخدام، يؤكد الخبير في الهندسة الزراعية أن الدرونات أصبحت أداة مركزية في ما يُعرف بالرقمنة الزراعية، حيث تتيح تشخيصا دقيقا للحالة الصحية للمحاصيل، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل، سواء من حيث السقي أو التسميد أو المعالجة. كما تُستخدم في عمليات الرش، ما يسمح باستهداف دقيق يقلل من هدر الموارد، ويوفر الوقت والجهد على الفلاحين.
وتُظهر الأبحاث الزراعية، يضيف أبركاني، أن لهذه التكنولوجيا تأثيرا إيجابيا ملموسا على مردودية الإنتاج وجودته، إلى جانب دورها في ترشيد استعمال المياه والأسمدة والأدوية. فعوض معالجة مساحات واسعة بشكل عشوائي، تمكن الدرونات من التدخل في مناطق محددة فقط، بناء على معطيات دقيقة، ما يحد من الاستعمال المفرط للمواد الكيماوية ويقلل من أثرها البيئي.
ولا يقتصر تأثير الدرونات على الجانب الإنتاجي، بل يمتد أيضا إلى البعد البيئي، حيث تساهم في تقليص الانبعاثات الكربونية، وتقليل التلوث الناتج عن العمليات الفلاحية التقليدية، ما يجعلها أداة داعمة لتحقيق أهداف الاستدامة والحياد الكربوني، حسب الخبير الزراعي.
تحدي الكلفة والولوج
في المقابل، يرى أن تعميم هذه التكنولوجيا ما يزال يواجه تحديات، خاصة بالنسبة للفلاحين الصغار والمتوسطين، بسبب ارتفاع الكلفة وصعوبة الولوج إليها. ويطرح، في هذا السياق، فكرة "التجميع الزراعي الرقمي" كحل واعد، يتيح تقاسم هذه الموارد بين الفلاحين، ويشجع على اعتمادها بشكل أوسع.
كما يشدد على أهمية التكوين في هذا المجال، مبرزا أن المغرب يتوفر اليوم على مؤسسات جامعية ومراكز بحث ومعاهد تكوين تشتغل في مجال الرقمنة، إلى جانب جيل من الشباب المتحدر من أوساط فلاحية، القادر على استيعاب هذه التقنيات وتوظيفها ميدانيا.
وخلص أبركاني إلى أن الرقمنة الزراعية، بما فيها تكنولوجيا "الدرونات"، تمثل أحد المفاتيح الأساسية لمواجهة تحديات التغيرات المناخية والجفاف، التي باتت تفرض نفسها بقوة على القطاع الفلاحي.
غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينا بإعداد خريطة طريق وطنية واضحة، تقوم على التحسيس والتكوين والتحفيز، بما يضمن إدماج جميع الفاعلين، ويحول التكنولوجيا من خيار مكلف إلى أداة يومية في خدمة الفلاح المغربي.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
تكنولوجيا
تكنولوجيا