اقتصاد
الاقتصاد الأزرق.. رافعة استراتيجية للتنمية المستدامة في المغرب
16/06/2025 - 10:06
مراد كراخي
يعد الاقتصاد الأزرق أحد المفاهيم الحديثة التي تركز على الاستغلال المستدام للموارد البحرية، بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية، والحفاظ على النظم البيئية البحرية، وتحقيق التوازن بين النمو والبيئة. وبالنظر إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، بواجهتيه البحريتين، يبرز الاقتصاد الأزرق كرافعة محورية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية.
ويتمتع المغرب بإمكانات بحرية هائلة، حيث تسهم المناطق الساحلية بأكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي ومناصب الشغل، وفقا لمعطيات صادرة عن البنك الدولي. وتوفر سواحله الغنية بالموارد فرصا كبيرة لخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وفي هذا السياق، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال الجلسة الافتتاحية لقمة "إفريقيا من أجل المحيط" التي انعقدت هذا الأسبوع، بالالتزام "القوي والواضح" لصاحب الجلالة الملك محمد السادس لتطوير اقتصاد أزرق إفريقي.
وقد ترأست الجلسة إلى جانب ماكرون، صاحبة السمو الملكي الأميرة للا حسناء، ممثلة جلالة الملك، التي تلت الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في القمة. وأكد الرئيس الفرنسي أن "كلمات جلالة الملك كانت قوية وواضحة بشأن الاستراتيجية الواجب اعتمادها، وهي استراتيجية نتقاسمها معا".
إمكانات واعدة
يرى الخبير الاقتصادي عمر الكتاني أن المغرب يتوفر على مؤهلات استراتيجية تؤهله للريادة في الاقتصاد الأزرق، بفضل موقعه الجغرافي، وغنى شريطه الساحلي الذي يفوق 3500 كيلومتر، وتنوع موارده البحرية، لا سيما الأسماك السطحية مثل السردين.
وأوضح الكتاني، في تصريح لـSNRTnews، أن المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتيسير وصول الدول غير الساحلية إلى المحيطات تعزز موقع المملكة كفاعل إقليمي بارز في هذا المجال.
وأضاف أن المغرب بدأ يبرز حضوره في مجال الطاقة البحرية، بعد تسجيل مؤشرات واعدة بشأن وجود مخزونات مهمة من الغاز الطبيعي قبالة سواحله.
وسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمشروع الربط الكهربائي البحري بين المغرب والمملكة المتحدة، الذي يتم عبر خطوط لنقل التيار عالي الجهد تحت سطح البحر من جنوب المغرب إلى بريطانيا.
وأكد أن إنشاء موانئ جديدة، مثل ميناء الداخلة الأطلسي، سيساهم في تعزيز الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، من خلال تسهيل الربط التجاري بين إفريقيا والعالم.
وعلى المستوى السياحي، دعا الكتاني إلى إطلاق خطوط بحرية تربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، مما من شأنه تنشيط الحركة الاقتصادية في المناطق الساحلية، ودعم جهود التنمية المحلية.
رهانات استراتيجية
من جهته، أكد الأكاديمي والمحلل الاقتصادي محمد جدري أن الاقتصاد الأزرق يعد أحد الرهانات الاستراتيجية الكبرى للمغرب، نظرا لارتباطه الحيوي بالبحر ومجالاته المتعددة مثل الصيد البحري، وتربية الأحياء البحرية، وصناعة السفن، والنقل البحري التجاري والسياحي، والطاقة البحرية، إضافة إلى المعادن في قاع البحر.
وفي تصريحه لـSNRTnews، شدد جدري على أهمية اعتماد مقاربة شمولية لتطوير هذا القطاع، لا تقتصر على الصيد فقط، بل تشمل تطوير موانئ استراتيجية كميناء الناظور والداخلة و"طنجة المتوسط"، لتحويل المغرب إلى منصة لوجستية عالمية.
وأشار إلى إمكانيات التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال، بشرط تعزيز البنية التحتية البحرية وتطوير الصناعات المرتبطة بها. وأبرز أن المغرب يراهن على تحقيق تقدم في صناعة السفن، لا سيما في مشروع ميناء الداخلة، ما يؤشر على مستقبل واعد في هذا القطاع.
وفي الشق السياحي، دعا إلى استغلال النقل البحري السياحي الداخلي والخارجي، من خلال خطوط بحرية تربط مختلف المدن الساحلية، لتعزيز دينامية السياحة البحرية.
وأكد جدري ضرورة النهوض بقطاع تربية الأحياء البحرية، الذي لا يزال يواجه تحديات تتطلب تكوين رأسمال بشري مؤهل، قادر على مواكبة تطور هذا المجال الحيوي وخلق فرص عمل جديدة لفائدة الشباب.
وشدد المتحدث ذاته على أهمية تعزيز استكشاف واستغلال المعادن في قاع المحيط الأطلسي، لما لها من قيمة استراتيجية موازية للموارد الأخرى.
تحديات وتوصيات
سلط تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الضوء على أهمية الاقتصاد الأزرق كرافعة جديدة للنمو في ظل التغيرات المناخية واستنزاف الموارد البرية، داعيًا إلى تبني رؤية وطنية شاملة ومستدامة، تستند إلى العدالة الاجتماعية، وتستثمر في المؤهلات البحرية المتنوعة التي تمتلكها المملكة.
واعتبر التقرير أن الاقتصاد الأزرق يجب أن يشكل أحد ركائز النموذج التنموي الجديد، عبر الاستخدام المستدام للموارد البحرية، والتوجه نحو قطاعات واعدة مثل السياحة الساحلية، والنقل البحري، وتحلية المياه، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية.
وأكد على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية البحرية، وتثمين الرأسمال البشري من خلال التعليم والتكوين المهني والبحث العلمي المتخصص.
وفي المقابل، حذر التقرير من التهديدات البيئية المتزايدة التي تواجه السواحل والأنظمة الإيكولوجية البحرية، مشددًا على أهمية بلورة سياسات مندمجة توازن بين التنمية البيئية والاقتصادية.
وأوصى المجلس بإرساء حكامة فعالة مبنية على التنسيق بين مختلف الفاعلين، إلى جانب وضع خارطة طريق وطنية لتفعيل استراتيجية الاقتصاد الأزرق، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، واستثمار الموقع الاستراتيجي للمملكة لتوسيع الشراكات متعددة الأطراف.
مقالات ذات صلة
عالم
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد