فن وثقافة
من الفرجة إلى سؤال الأدب .. المانغا بعيون الناقد معتصم
23/12/2025 - 16:08
خولة ازنيزني
بين “ون بيس” و”قاتل الشياطين”، و”ناروتو”، و”المحقق كونان”، و”هجوم العمالقة”، تشكلت لدى أجيال من المغاربة علاقة خاصة مع المانغا اليابانية والأنمي الآسيوي، تجاوزت حدود الترفيه البسيط لتسهم في تشكيل ملامح مشهد ثقافي جديد، يطرح اليوم أسئلة متزايدة حول القراءة، والإبداع، وحدود النقد الأدبي في زمن الصورة.
وساهمت المسلسلات اليابانية المدبلجة إلى اللغة العربية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في ترسيخ شعبية هذا الفن بالمغرب، كما في باقي الدول العربية، حيث ارتبطت ذاكرة الطفولة والمراهقة بأعمال أصبحت جزءا من الوجدان الجماعي. هذا الحضور المتنامي للمانغا والأنمي، الذي تجاوز الفرجة إلى التأثير في الذائقة والخيال الجماعي، يتوقف عنده الناقد الأدبي محمد معتصم في حديث لـSNRTnews، مسلطا الضوء على دلالاته الثقافية وأسئلته النقدية في سياق التحولات التي يعرفها تلقي الأدب والفن اليوم.
من الشغف إلى الإبداع
يعتبر الناقد محمد معتصم أن المانغا ليست مجرد موضة عابرة، بل دلالة على دخول مرحلة زمنية مختلفة، بأدوات معرفية جديدة”، فرضتها الثورة العلمية والانتقال إلى المجال الرقمي.
يرى أنها مرحلة أفرزت أشكالا جديدة من الأدب والإبداع، تستحق اهتماما نقديا حقيقيا، في مستوياتها الثلاثة: المخطوط، والرسوم المصورة، وأعمال التحريك بتقنيات ثنائية وثلاثية الأبعاد.
هذا الحضور القوي للمانغا لم يقتصر على الاستهلاك، بل حفز أحلام عدد كبير من الشباب المغاربة في ولوج هذا العالم كمبدعين ورسامين، حيث بات هواة هذا الفن يشاركون في لقاءات ومسابقات داخل المدارس والجامعات، لإبراز مواهبهم في الرسم وابتكار القصص المصورة.
كما يعرف هذا النوع من الكتب إقبالا متزايدا في معارض الكتاب والأنشطة الثقافية الموجهة للشباب.
في المقابل، يشدد معتصم على أن شعبية “المانغا” تظل مرتبطة بمدى توفرها، إذ لا تزال تعاني من صعوبة الاقتناء وندرتها داخل المكتبات المغربية، فضلا عن ارتفاع أثمنتها مقارنة بالكتاب التقليدي، وهو ما يحد من انتشارها الواسع رغم الاهتمام المتزايد بها.
ويشير الناقد إلى أن ما يميز الأعمال اليابانية اليوم هو الجودة العالية في الرسم، وتنوع المواضيع، وتماسك القصة والإخراج والتحريك، مبرزا أن هذا المجال لم يعد مجرد إنتاج فني، بل أضحى رافدا اقتصاديا أساسيا لليابان، التي تنتج حوالي المئات من أعمال الأنمي سنويا، ضمن صناعة تشغل "جيشا" من العاملين بمختلف تخصصاتهم. ورغم دخول دول مثل الصين وكوريا الجنوبية على خط المنافسة، إلا أن اليابان لا تزال تتربع على عرش هذا المجال عالميا.
كيف بدأ الاهتمام النقدي؟
يروي محمد معتصم أن أول احتكاك فعلي له بالمانغا كان حين توصله بنسخة من أول مانغا عربية أرسلها له أحد الناشرين، وهو ما أثار فضوله النقدي ودفعه إلى البحث في مفهوم المانغا: هل نحن أمام فن جديد؟ أم شكل سردي مختلف يعيد ترتيب العلاقة بين النص والصورة؟
ويشرح أن العمل الذي اطلع عليه بدا أقرب إلى رواية شبه تقليدية، تعتمد على الحوار والكتابة، ما جعله يتعامل معه كعمل سردي في المقام الأول. ومن هنا انطلق في استكشاف هذا العالم، متوقفا عند أصل الكلمة التي تنقسم إلى “مان” و”غا”، وهي مرتبطة أساسا باليابان، لكنها سرعان ما انتشرت في مختلف دول العالم، مع اختلاف السياقات الثقافية وأساليب التلقي.
المانغا: كتابة بالصورة
من منظور نقدي، يؤكد معتصم أن “رواية المانغا” تعد نوعا من الكتابة الفنية والأدبية، تكتب من اليمين إلى اليسار، وتشكل في الغالب مرحلة سابقة عن النص النهائي أو السيناريو، الذي تبنى عليه الرسوم المصورة. وتتكون المانغا من سلسلة رسوم تحكي أحداث قصة قد تكون رومانسية، أو بوليسية، أو تاريخية، أو خيالية.
ومن أبرز خصائصها اعتمادها على الأبيض والأسود، مع جعل الصورة أساس السرد بدل النص، حيث تجسد الأحداث عبر التعابير وحركات الجسد وملامح الوجوه، التي تستلهم الخصائص اليابانية في رسم العيون والشعر، مع فسحة واسعة للاختلاف والإبداع. كما توجد مانغا ملونة، غير أن أثمنتها تكون عادة أعلى.
لماذا يقبل عليها القارئ المعاصر؟
يفسر معتصم الإقبال المتزايد على المانغا بكون الإنسان المعاصر لم يعد يفضل، في كثير من الأحيان، القراءة الطويلة التي تتطلب تركيزا عاليا، في مقابل هيمنة الصورة التي أصبحت وسيلة التعبير الأكثر حضورا في زمن الشاشات والهواتف الذكية. فالمانغا، بحسبه، تخاطب البصر أكثر من اللسان، وتحرك المشاعر، وتمنح القارئ فرصة الخيال والهروب من الواقع، أو التعبير عنه بطريقة خفيفة دون حدة”.
كما أن جمهور المانغا متنوع جدا، لا يقتصر على فئة عمرية محددة، بل يشمل أطفالا وشبابا، وأحيانا كهولاً، لأنها تعتمد على قلة الكلام، وعلى خطاب بصري وإنساني، يوظف علامات ودلالات تعبيرية تعكس الغضب أو الدهشة أو الفرح، بلغة فصيحة مبسطة، وقريبة من الحس الإنساني المشترك.
ضعف التلقي النقدي
رغم هذا الانتشار، يرى محمد معتصم أن التلقي النقدي للمانغا في العالم العربي، والمغرب خصوصا، لا يزال ضعيفا، وأن الاهتمام الأكاديمي بالدراسة والتحليل والنقد يظل محدودا وغير متداول بالقدر الكافي. ويعبر عن رغبته في رؤية مانغا مغربية مكتوبة باللغة العربية، وبشخصيات وأبطال عرب، بدل الاكتفاء باستنساخ الأسماء والخصائص اليابانية، كما يفعل عدد قليل من المبدعين العرب اليوم.
ويخلص إلى أن المانغا تمثل مرآة لتحول عميق في طرق التلقي والتعبير، وتحولا ثقافيا يفرض على النقاد والباحثين إعادة التفكير في مفهوم الأدب ذاته، وحدوده، وأدوات قراءته في زمن الصورة.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
فن و ثقافة
تكنولوجيا
تكنولوجيا