رياضة
رياضيون بشهادات عليا… قصص مغاربة كسروا الصورة النمطية للاعب المحلي
31/05/2026 - 11:51
رضى زروق
اختار عدد من الرياضيات والرياضيين المغاربة، خلال السنوات الأخيرة، كسر الصورة النمطية المرتبطة باللاعب المغربي، والتي ظلت لسنوات طويلة تقدمه باعتباره شخصا محدود المستوى التعليمي والثقافي، غادر مقاعد الدراسة مبكرا، وراهن بكل شيء على حلم الشهرة والمجد.
هذه الصورة لم تأت من فراغ، بل ارتبطت لسنوات بواقع ملموس داخل كرة القدم الوطنية والرياضة المغربية عموما، حيث كان عدد كبير من اللاعبين يكتفون بمستويات دراسية متواضعة، أو يضطرون إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة بسبب ضغط التداريب والتنقلات والمباريات، في وقت لم تكن فيه مراكز التكوين والأندية توفر أي مواكبة حقيقية تساعد الرياضي على التوفيق بين الدراسة والممارسة.
ويكاد يجمع عدد من المتتبعين للشأن الرياضي الوطني على أن محدودية المستوى التعليمي لدى جزء مهم من اللاعبين، خصوصا في فترات سابقة، كانت تنعكس أحيانا حتى على طريقة تواصلهم مع وسائل الإعلام أو قدرتهم على التعبير بشكل واضح ودقيق، وهو ما كان يفتح الباب أمام التأويلات وسوء الفهم، بل ويضر أحيانا بصورة اللاعب نفسه.
ولا تقف تبعات هذا الأمر عند حدود التواصل فقط، بل تمتد أيضا إلى ما بعد نهاية المسار الرياضي، حيث يجد عدد من اللاعبين صعوبات كبيرة في ولوج مجال التدريب أو التسيير الرياضي، بسبب ضعف تكوينهم الأكاديمي وعدم قدرتهم على مجاراة الدورات التكوينية والامتحانات النظرية التي تفرضها الاتحادات القارية والدولية.
لكن في المقابل، اختارت أسماء مغربية عديدة السير عكس التيار، ونجحت في بناء مسارات رياضية ودراسية متوازية، بل إن بعض الرياضيين المغاربة تمكنوا من الحصول على شهادات عليا في تخصصات دقيقة ومعقدة، فيما قرر آخرون استكمال دراستهم بعد الاعتزال، من أجل فتح آفاق مهنية جديدة.
عبد القادر لشهب.. من الملاعب إلى السلك الدبلوماسي
يبقى اسم الراحل عبد القادر لشهب من أبرز النماذج التي جسدت هذا التحول الاستثنائي. فاللاعب السابق لمولودية وجدة والوداد الرياضي لم يكتف بمساره الرياضي، بل واصل دراسته في مجال القانون، قبل أن يحصل على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية بمدينة جنيف السويسرية.
وانتقل لشهب بعد ذلك إلى العمل الدبلوماسي، حيث مثل المغرب داخل وزارة الخارجية بسويسرا، قبل أن يتم تعيينه مديرا لديوان الوزير الأول الأسبق عبد اللطيف الفيلالي سنة 1994، ثم سفيرا للمغرب في كندا سنة 1998، قبل أن يصبح سفيرا للمملكة لدى اليابان سنة 2003، ثم روسيا سنة 2008.
وتكشف تجربة لشهب، الذي توفي قبل سنتين، كيف يمكن للرياضة أن تكون نقطة انطلاق نحو مسارات أكاديمية ومهنية رفيعة، وليس مجرد محطة تنتهي بانتهاء المشوار داخل الملاعب.
الحمراوي.. الاقتصاد والتسيير بعد نهاية المشوار
من الأسماء الأخرى التي نجحت في الجمع بين الرياضة والتكوين الأكاديمي، النجم السابق للرجاء الرياضي عبد الرحيم الحمراوي.
فالنجم الذي عرف بمراوغاته، والذي أنهى مسيرته الرياضية سنة 1994، كان يتوفر على دبلوم في الاقتصاد، وهو ما مكنه من الاندماج داخل شركة استغلال الموانئ "لوديب" التي كانت تحتضن الرجاء في تلك الفترة.
وحافظ الحمراوي على مساره المهني داخل المؤسسة، قبل أن يصبح مديرا للموارد البشرية داخل الوكالة الوطنية للموانئ، إلى جانب اشتغاله في فترات متقطعة داخل الرجاء في مهام تقنية وإدارية مختلفة، من بينها إدارة ملعب تيسيما والعمل منسقا تقنيا رفقة فتحي جمال.
عبد العظيم خضروف.. من الملاعب إلى تدقيق الحسابات
من بين الأسماء التي تقدم نموذجا واضحا لصعوبة التوفيق بين الدراسة وكرة القدم، اللاعب السابق للوداد والرجاء، عبد العظيم خضروف.
خضروف، الذي يشغل حاليا مهمة مساعد مدرب المغرب التطواني، حصل على شهادة الماستر في التدبير وتدقيق الحسابات من أحد المعاهد العليا المتخصصة في التسيير بمدينة مراكش، إلى جانب متابعته لدراسة اللغة الإنجليزية على مستويات متقدمة.
وأكد خضروف، في تصريحات لـSNRTnews، أن التوفيق بين الدراسة والممارسة الاحترافية ليس أمرا سهلا، بل يحتاج إلى تضحيات كبيرة وصبر طويل.
وأوضح أن إصراره على استكمال دراسته دفعه إلى التوقف عن ممارسة كرة القدم لمدة عامين بعد حصوله على شهادة الباكالوريا سنة 2002، من أجل الولوج إلى الجامعة، قبل أن يعود لاحقا إلى الملاعب ويحاول التوفيق بين المسارين.
وقال خضروف إنه كان يجد نفسه أحيانا منشغلا من التاسعة صباحا إلى التاسعة أو العاشرة ليلا، ما بين الدراسة والتداريب والمباريات، مضيفا أنه اختار التخصص في مجال التسيير وتدقيق الحسابات، رغم تفوقه الكبير في المواد العلمية وقدرته على ولوج تخصصات علمية دقيقة.
كما وجه رسالة إلى الأطفال والشباب المغاربة، شدد فيها على ضرورة وضع الدراسة في المرتبة الأولى، معتبرا أن النجاح الرياضي يجب أن يكون مدعوما بقاعدة أكاديمية وثقافية تساعد اللاعب حتى بعد نهاية مساره داخل الملاعب.
وأشار خضروف إلى أن مراكز التكوين والأكاديميات الحديثة أصبحت أكثر وعيا بأهمية هذا الجانب، من خلال توفير برامج تجمع بين الدراسة والممارسة الرياضية، وهو أمر لم يكن متوفرا في فترات سابقة.
سلمى بوكرش.. كرة القدم والطب
في كرة القدم النسوية، تبرز تجربة اللاعبة الدولية سلمى بوكرش كواحدة من أبرز النماذج المغربية الحديثة.
فاللاعبة الحالية لنادي الفتح الرياضي والسابقة للوداد، تمكنت سنة 2024 من الحصول على شهادة الدكتوراه في الطب العام من كلية الطب والصيدلة التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بالتوازي مع مسارها الرياضي.
وأكدت بوكرش، في تصريحات سابقة لـSNRTnews، أن النجاح في الجمع بين الدراسة وكرة القدم لم يكن ممكنا دون الصبر والعمل الجاد والدعم العائلي.
وقالت: "أدين بنجاحي للصبر والعمل الجاد والدعم اللامحدود من أسرتي. بدونهم، ما كنت لأتمكن من الموازنة بين كرة القدم والدراسة".
من فنون الحرب إلى الطب والهندسة والتسيير
لا تقتصر هذه النماذج على كرة القدم فقط، بل تمتد إلى رياضات أخرى. فأشرف أوشن، بطل العالم السابق في الكاراتي، عرف بتخصصه في مجال التدبير الرياضي إلى جانب مساره كرياضي محترف، شأنه شأن البطلة البارالمبية سناء بنهمة، التي حرصت بدورها على بناء مسار دراسي ومهني مواز.
كما تعد البطلة المغربية في التايكواندو أميمة البوشتي من الأسماء التي تمثل الجيل الجديد من الرياضيين الذين يستفيدون من مواكبة أكاديمية وتكوينية متطورة.
ويبرز أيضا اسم مصطفى بهليوي، اللاعب السابق لفريق الرجاء الرياضي، الذي غير مساره بعد إصابة أجبرته على الاعتزال، ليتجه نحو دراسة الطب العام والطب الرياضي، ثم الحصول على ماستر في التدبير الرياضي، قبل أن يشتغل طبيبا ومستشارا في الطب الرياضي.
كما تمكن النجم السابق لحسنية أكادير هشام العلولي من الجمع بين مساره الرياضي والدراسي، لينتقل لاحقا إلى مجال التدبير والتسيير الرياضي والمقاولاتي، قبل أن يصبح مديرا للمركب الكبير بمدينة أكادير.
لماذا كان التوفيق بين الرياضة والدراسة صعبا؟
يؤكد عدد من المختصين أن المشكلة الأساسية كانت دائما مرتبطة بعامل الوقت. فالرياضي المحترف يجد نفسه مطالبا بالتوفيق بين التداريب اليومية والتنقلات والمباريات ومتطلبات الاستشفاء البدني، وبين الدراسة والامتحانات والحضور الجامعي، وهو ما كان يدفع عددا كبيرا من الرياضيين إلى التضحية بالمسار الأكاديمي.
كما أن البيئة الاجتماعية نفسها كانت تشجع أحيانا على ترك الدراسة مبكرا، خاصة عندما يبدأ اللاعب في جني الأموال أو الاقتراب من الاحتراف، إلى جانب الوضع الاجتماعي الهش لمعظم العائلات التي ينحدر منها الرياضيون.
غير أن الوضع تغير نسبيا خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور أكاديميات ومراكز تكوين حديثة، على غرار أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تفرض على اللاعبين متابعة الدراسة بالتوازي مع التكوين الرياضي.
وباتت الأندية والاتحادات أكثر وعيا بأن اللاعب المتعلم يكون أكثر قدرة على التواصل، واستيعاب التعليمات التكتيكية، والتأقلم مع الاحتراف الخارجي، وحتى تدبير مساره المالي والمهني بعد الاعتزال.
نجوم عالميون كسروا القاعدة أيضا
لم يقتصر هذا النموذج على المغرب فقط، بل عرف العالم الرياضي أسماء بارزة نجحت في الجمع بين التألق الرياضي والتفوق الأكاديمي.
فالإسباني خوان ماتا، اللاعب السابق لتشيلسي ومانشستر يونايتد، حصل على تكوين جامعي في التسويق وعلوم الرياضة، بينما تابع البلجيكي روميلو لوكاكو دراسته في مجالات التواصل واللغات، ويتحدث عدة لغات بطلاقة.
أما الإيطالي جورجيو كيليني فحصل على شهادة الماستر في إدارة الأعمال، في حين يعد البرازيلي سقراط من أشهر اللاعبين الذين جمعوا بين كرة القدم ودراسة الطب، ثم احتراف هذه المهنة بعد اعتزال الكرة.
وفي رياضات أخرى، تمكنت لاعبة التنس الأمريكية فينوس ويليامز من متابعة دراستها في مجال إدارة الأعمال، بينما عرف السباح الأمريكي مايكل فيلبس باهتمامه بالتكوين النفسي والذهني إلى جانب مساره الرياضي.
جيل جديد يغير العقليات
وتعكس هذه النماذج تحولا تدريجيا في نظرة المجتمع المغربي إلى العلاقة بين الرياضة والتعليم. فبعدما كان اللاعب أو الرياضي يجد نفسه مضطرا للاختيار بين الحلم الرياضي والمسار الدراسي، أصبح الجيل الجديد أكثر وعيا بإمكانية النجاح في المجالين معا، خصوصا مع تطور البنيات الرياضية والأكاديميات ووسائل المواكبة.
كما أن التجارب القاسية التي عاشها عدد من اللاعبين بعد الاعتزال، بسبب غياب تكوين أكاديمي أو مهني، إلى جانب توجيه سليم وفعال ، جعلت الأجيال الجديدة أكثر اقتناعا بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن المستقبل الرياضي قد ينتهي في أي لحظة بسبب إصابة أو تراجع في المستوى.
وفي النهاية، تبدو الرسالة التي يحملها هؤلاء الرياضيون المغاربة واضحة، فالنجاح داخل الملاعب لا يتعارض بالضرورة مع النجاح داخل قاعات الدراسة، بل إن الاثنين يمكن أن يشكلا معا طريقا أكثر توازنا واستقرارا.
مقالات ذات صلة
رياضة