سياسة
منصف السليمي : لدى ألمانيا نقص في إدراك أهمية المغرب والأزمة ليست مفاجئة
02/06/2021 - 14:32
إيمان بن اشو | إكرام زايد
حولت الأزمة الديبلوماسية بين المغرب وبرلين الأنظار إلى صحافي تونسي، خبير في القضايا المغاربية، إذ تحول منصف السليمي، الذي يعرف المغرب جيدا، والمقيم منذ سنوات في ألمانيا، إلى قلم مختص في تحليل العلاقات بين المغرب العربي وأوروبا. درس السليمي في المغرب وأقام في المغرب لمدة 20 عاما، كما اشتغل بمكتب جريدة "الشرق الأوسط" في الرباط كمراسل في المغرب العربي، ثم انتقل للعيش والعمل في شبكة « دوتشي فيله » الألمانية، ما منح الرجل خبرة في معرفة وقراءة الحياة السياسية في البلدين. في هذا الحوار يتحدث السليمي، لـSNRTnews عن وجهة نظره في الأزمة الديبلوماسية بين الرباط وبرلين، كما يتحدث عن الفرق بين مغرب اليوم، ومغرب التسعينات، الذي عاش فيه، وكيف يرى التحول في السياسة الخارجية للرباط.
بحكم أنك درست واشتغلت لسنوات في المغرب ثم انتقلت للعيش في ألمانيا، هل يمكن القول بأنك مطلع بعمق على قضايا البلدين؟
بالفعل قضيت فترة طويلة من حياتي في المغرب سواء فترة الدراسة بالجامعة، أو فيما بعد في العمل كصحفي هناك لفترة طويلة. غادرت المغرب منذ أزيد من ستة عشر عاما، انتقلت فيها إلى دبي، ثم أمضيت في ألمانيا أكثر من خمسة عشر عاما. وأعتقد أنه بطبيعة الحال بحكم العيش في ألمانيا فإنني متابع عن قرب لتطورات الأمور هنا.
بالنسبة للمغرب، أعتقد أن خبرتي الصحفية تشكلت هناك في المدرسة الأكاديمية والإعلامية المغربية، لكن أضفت إليها خبرة أخرى في أوروبا والعالم العربي. ويمكن القول إن إلمامي بالشأن المغربي يظل إلى حد ما مرتبطا بمتابعتي للوضع هناك وللتوجهات التي يسير عليها المغرب.
لا أستطيع أن أحكم على نفسي بأنني ملم بما يجري وإنما الناس يحكمون عل هذا. وأتلقى تفاعلا كثيرا سواء في مداخلاتي عبر قنوات التلفزيون المختلفة أو عندما أكتب مقالات تحليلية. في الكثير من الحالات ألاحظ أن المغرب، خلال السنوات الأخيرة، شهد تحولات وتغيرات سريعة.
هناك أجيال تغيرت على مستوى صنع القرار، على مستوى دور النخب المؤثرة، وعلى مستوى دور وسائل الإعلام. وهذا يجعل الأمر يحتاج إلى متابعة أدق. ولذلك أنا في الكثير من الأحيان عندما أتابع الوضع بالمغرب، أعتمد على فهمي لخلفيات الأمور وفهمي لميكانيزمات تفكير العقل السياسي المغربي ومن خلالها أحاول تحليل المعطيات المستجدة.
هنالك معطى يثير صعوبة لدى المراقب من خارج المغرب لما يجري في المغرب ولسياسة المغرب الخارجية، وهو أنه في تمثيلياته الدبلوماسية في الخارج، وهنا أتحدث عن أوروبا بشكل عام، تلاحظ أن هناك فجوة بين الأداء الدبلوماسي هنا في أوروبا والنخب التي تمثل المغرب في الخارج من ناحية، وبين التطور الذي يحدث في الداخل أو خطاب النخب أو رؤية صانع القرار السياسي نفسه.
وأحيانا تبدو أنها ليست بنفس الإيقاع، الذي تسير عليه الأمور بسرعة وتتطور عليه بسرعة في واقع المغرب، مما يجعلني أعتمد في كثير من الأحيان على علاقاتي الشخصية وتواصلي مع أصدقاء وشخصيات عديدة في المغرب لفهم خلفيات الأمور وخلفيات المواقف وهذا يساعد طبعا على بلورة الرأي.
كيف ترى التوتر الذي حصل بين المغرب وألمانيا؟
في بداية الأمر، بدت المسألة وكأنها مفاجئة لكثير من المراقبين هنا في ألمانيا، ووسائل الإعلام كثيرة بدت وكأنها مصدومة، ففي شهر مارس عندما ظهرت تلك الرسالة، التي تشير أن وزارة الخارجية المغربية تدعو لتجميد الاتصالات مع السفارة الألمانية في الرباط. وبعض المؤسسات الألمانية المشتغلة في المغرب، بدا الأمر مثيرا للحيرة هنا في ألمانيا بداية، وهي الحيرة التي انعكست على محتوى وسائل إعلام عديدة، وعبرت عنها وحتى بعض النخب والأوساط السياسية الألمانية والذين لديهم متابعة للشأن المغربي والمغاربي، بدا وكأن هنالك حيرة ومفاجأة بما حدث والبعض أعرب عن استغرابه. والبعض قال إن الأمر غير مسبوق، لكن مع مرور الوقت بدأت تتضح لكثير منهم ماهي خلفيات الخطوة المغربية.
شخصيا أتابع العلاقات بين المغرب وألمانيا، ليس فقط منذ وجودي في ألمانيا، بل من قبل، إذ كانت ألمانيا واحدا من المواضيع التي اهتممت بها منذ فترة طويلة.
لم يكن بالنسبة لي التوتر الذي حدث في العلاقة بين المغرب وألمانيا، مفاجئا، ليس فقط بسبب التطورات التي حدثت في الفترة الأخيرة والمتعلقة بانزعاج المغرب من مواقف ألمانيا بشأن ملف الصحراء وبشأن ملفات أخرى ذات صلة بالمنطقة مثل الملف الليبي أو قضايا التعاون في ما يتعلق بالجانب الأمني، وإنما كان لدي انطباع منذ فترة طويلة وتحدثت فيه في مناسبات سابقة لم تكن على نطاق واسع، كنت أرى أن هناك فجوة بين ألمانيا والمغرب رغم أن العلاقات دافئة تاريخيا ولا يوجد فيها نزاع أو خلافات، بل بالعكس تاريخيا، هناك رصيد ثري من التواصل والتعاون سواء الاقتصادي أو الاستراتيجي. لكن حدثت فجوة منذ سنوات طويلة.
أعتقد أن ألمانيا لديها نقص في إدراك أهمية دور المغرب، سواء على المستوى الإقليمي مغاربيا أو على مستوى القارة الإفريقية، التحول الكبير الذي حدث في دور المغرب على مستوى القارة الإفريقية أعتقد أنه لم يتم التقاطه بالشكل الكافي في ألمانيا، أو ربما أن ألمانيا راهنت على علاقتها مع ليبيا وتضررت هذه العلاقات بسبب الأزمة منذ سقوط نظام القذافي.
أيضا رمت ألمانيا بثقلها في التحول الذي وقع في تونس بعد الثورة وحاولت دعم التجربة التونسية. ألمانيا لها علاقات متشابكة ولها حجم كبير من الناحية الاقتصادية، سواء في الطاقة أوبيع السلاح مع الجزائر.
بالمقابل فإن المغرب، ورغم أهمية الاستثمارات الألمانية والتعاون الألماني المغربي، إلا أن تلك العلاقة لم ترتق في الأهمية عند الألمان على المستوى الاستراتيجي، والقضايا التي تهم منطقة المغرب العربي أو الإفريقي.
في مقال تحليلي لي سابق أشرت إلى أن بعض النخب الألمانية ترى أن المغرب بات يتصرف بنوع من الاعتداد بالنفس أكثر من أي وقت، وأعتقد من زاوية أخرى، أن إحدى الرسائل التي أراد المغرب أن يوصلها من خلال خطوته إزاء السفارة الألمانية في المغرب وصولا إلى دعوة سفيرته زهور العلوي إلى التشاور في الرباط، كانت مؤشرات تدل على أن المغرب يريد أن يلفت انتباه ألمانيا إلى أنها لا تعامل المغرب بالشكل الذي يراه لائقا بدوره ومكانته.
ولذلك، هنا يفهم، أنه خلال السنوات الأخيرة حدث تحول في دور المغرب على صعيد القارة الإفريقية. اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، معطى استراتيجي جدا في المنطقة.
وأعتقد أن رد الألمان كان ردا سلبيا أولا، لأنه جاء في فترة إدارة الرئيس ترامب، والسياسة الخارجية الألمانية انبنت في فترة ترامب على معاكسة سياسته، لأن ألمانيا بقيت تركز على اعتبارها حاملة لواء القيم الغربية الديموقراطية وحقوق الإنسان في مواجهة الرئيس ترامب وإدارته الذي كان في نظر السياسة الألمانية يفرط في هذه القيم لفائدة المصالح، ولو على حساب قضايا حقوق الإنسان والقيم الديموقراطية.
ولذلك كان نوع من رد الفعل الألماني العام، لأن هذا الأمر شمل العديد من السياسات التي اتخذها الرئيس السابق ترامب في المنطقة العربية والعالم وكانت ألمانيا تتخذ منها مسافة أو تنتقدها صراحة.
وعندما جاءت الخطوة الألمانية بالدعوة لاجتماع في مجلس الأمن، بدت وكأنها خطوة غير مسبوقة في الدور الألماني إزاء النزاع الموجود منذ سنوات طويلة، ولم يسبق لألمانيا أن لعبت هكذا دور.
بالنسبة للمغرب اعتبر تلك الخطوة موجهة ضد مصالحه، ولذلك أعتقد أنه كان من المهم جدا ومن الطبيعي أن يحاول الجانب المغربي أن يستفسر الألمان لماذا قمتم بذلك، وماهي حساباتكم وماذا تريدون؟
أعتقد أن هذه الخطوة كانت ربما هي القطرة التي أفاضت الكأس، ولذلك باعتقادي أن الخطوات الدبلوماسية التي اتخذها المغرب أدت، إلى حد ما، مفعولها، من خلال إحداث نوع من الرجة والهزة لدى دوائر سياسية وإعلامية في ألمانيا، لكن بطبيعة الألمان، ليسوا من الذين يتسرعون في قراراتهم بل يتريثون كثيرا، ولذلك لم تصدر إلى الآن إشارات على مراجعات وجهات النظر الألمانية إزاء القضايا التي يعتبرها المغرب مضرة بمصالحه الوطنية أو الاستراتيجية ولكن قد تكون هناك نقاشات داخل دوائر معينة.
أعتقد ان هناك بعض العوامل التي تجعل مثل هكذا رد فعل ألماني يتأخر لأسباب منها هي أن: ألمانيا تستعد لتنظيم الانتخابات في شهر شتنبر المقبل، وأصلا فترة ميركل هي في نهايتها ووزارة الخارجية التي يقودها الآن الاشتراكي هايكو ماس، من المرجح جدا أن تؤول في المرحلة المقبلة لحزب الخضر وهناك من يرشحه حتى لقيادة الحكومة ولكن المرجح على الأقل أن تكون وزارة الخارجية بأيديهم.
بألمانيا نحن في مرحلة انتقالية، اعتقد أنه لا أحد يجرؤ على اتخاذ موقف تصعيدي أكثر مع المغرب ولا بالمقابل إحداث تغييرات جوهرية في الموقف في موضوع مثل الصحراء.
عموما السياسة الخارجية الألمانية تبنى بنوع من التوافق بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة ويتم إقرارها على مستوى "البندستاغ" وفيها نوع من الاستمرارية، حتى لو تغيرت الحكومة يتعين انتظار بضع أشهر لنرى كيف ستكون البصمة الجديدة لمن سيتولى رئاسة الدبلوماسية الألمانية، لنرى هل سيحدث التحول أم لا؟
هل لدى ألمانيا مطامع اقتصادية معينة تتعلق بالمعادن أو القطار السريع أو غيرها؟
عموما، لا توجد دولة تتحرك دبلوماسيتها بدون أن تكون لديها أجندة مصالح، سواء اقتصادية أو أمنية أو استراتيجية أو غيرها، بالتأكيد لألمانيا مصالح ومطامح مثل ما لديها مصالح في الطاقة وبيع السلاح في الجزائر، وكذلك مصالح في الطاقة بليبيا ومستقبلا حول إعادة بناء البلد، لدى ألمانيا مصالح ذات طابع أمني واقتصادي في القارة الإفريقية .. بالتأكيد في علاقتها مع المغرب أكيد تكون لديها مصالح معينة، لكن لا أستطيع تعيين بدقة عما إذا كانت هنالك انتظارات معينة للجانب الألماني.
ما هو معلن لدى الألمان حتى إبان الأزمة التي وقعت مع المغرب، هو أن مسؤولين ألمان عديدون يتحدثون عن موضوع الطاقات المتجددة أي الطاقات غير الملوثة للبيئة ويرون بان المغرب أفضل بلد في القارة الإفريقية يمكن إقامة تعاون معه سواء في طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية.
لكن في الكواليس ربما تكون هناك أشياء أخرى بين ألمانيا والمغرب لم يتم تسريبها أو الكشف عنها ربما هي مفاوضات سرية حول صفقات معينة، لا أستطيع الجزم بذلك.
أعتقد أن الألمان على امتداد سنوات طويلة، من خلال ما لاحظته شخصيا ومنذ فترة طويلة، كانت محاولات دخولهم إلى السوق المغربي في مجالات عديدة، أحيانا يواجهون صعوبات ويقولون إن لوبيات اقتصادية أخرى لديها نفوذ أكثر وتعرقل دخولهم للسوق المغربي، ولذلك قد يكون هنالك سعي ألماني للبحث عن موقع قدم في السوق المغربية. خصوصا إذا علمنا أن المغرب حاليا هو القاعدة الأساسية التي يمكن الارتكاز عليها في التوجه نحو أعماق القارة الإفريقية وغربها ووسطها وجنوبها. وبالتالي فإنه ومن هذه الزاوية وربما على المدى الاستراتيجي يكون المغرب في سلم اهتمامات ألمانيا. لكن هذا لم يترجم بشكل واضح أو ترجم بطريقة لم تكن موفقة، مما أدى إلى خلل في العلاقة مع المغرب.
أعتقد بالفعل أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء أحدث ارتباكا في أوروبا بأكملها، وأظهر وجود خلاف ألماني فرنسي إزاء هذا الملف القديم، والذي ربما كانت تلك الخلافات مسكوتا عنها أو طي الكتمان وظهرت بشكل واضح.
فرنسا من الواضح أنها تدعم حلا يرتكز على فكرة الحكم الذاتي الموسع التي طرحها المغرب، وبالتالي رحبت بالخطوة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة الأمريكية. ألمانيا لا تزال متمسكة بتنظيم الاستفتاء وحل على أساس الأمم المتحدة، وهي (ألمانيا) لا تزال على الموقف الكلاسيكي في ما يتعلق بالصحراء.
ألمانيا كانت متأرجحة في هذا الملف، في وقت ما، بين الحل الواقعي لمشكل الصحراء وهو صيغة من صيغ الحكم الذاتي أو نوع من الصيغ الفيديرالية، وكان من بين الأطروحات التي طرحت في التسعينيات، إبان زيارة المستشار الأسبق هلموت كول الذي استقبل من طرف الملك الراحل الحسن الثاني وجرى الحديث حينها حول إمكانية الاستفادة من التجربة الألمانية الفيدرالية في تنظيم أقاليم المغرب.
خصوصا أن نظام اللامركزية الجهوية بدأت تبرز في المغرب في تلك الفترة، لكن هذه الفكرة لم تتطور كثيرا أو على الأقل لم تحدث استمرارية في الحديث بين الألمان والمغاربة.
على مستوى دوائر صنع القرار، هنالك فئات سياسية وإعلامية من ألمانيا تتعاطى مع هذه الفكرة، فمن خلال حواراتي مع عدد من السياسيين والمؤسسات السياسية ألمانية، من بينها السفير الألماني في المغرب الدكتور غوتس شميث كان قد تحدث عن أن الحكم الذاتي حل واقعي لتسوية الملف.
لكن وقع خلل ما، حيث لم تقع استمرارية في الحوار المغربي الألماني، فحتى عندما عين الرئيس الألماني الأسبق هورس كولر كمبعوث أممي في الصحراء، أعتقد أن تلك التجربة لم يجر الحديث عنها ولم يتم تقييمها بشكل واضح، فعندما استقال سنة 2019 لأسباب صحية كما قيل حينها ولكن قد تكون هناك خفايا لم يتم تداولها في الإعلام حول الأسباب الحقيقية لاستقالته.. فربما تكون في تلك الفترة قد وقعت خلافات بينه وبين المغرب ولا يعلمها كثيرون لأنه معروف أن الرجل كان متحمسا جدا لحل المسألة ولم يكن الحل واضحا.
فرنسا وألمانيا ليستا متفقتين حول هذا الموضوع وأعتقد أن هذه النقطة قد تكون من النقاط الخلافية التي ستلقي بظلالها على الاتحاد الأوروبي.
أعتقد أن الدور التاريخي الذي لعبته ألمانيا سواء باستضافتها لمؤتمر الكونغو سنة 1884 والذي جرى فيه تقسيم القارة الإفريقية بين القوى الاستعمارية، ثم فيما بعد الدور التاريخي الذي لعبته إسبانيا في ما يتعلق باستعمارها للصحراء ولشمال المغرب. والتركة التي تركها الاستعمار الأوربي في شمال إفريقيا بشكل عام، أعتقد أن هناك مسؤولية تاريخية لأوروبا إزاء هذا الموضوع وكان يتعين على الأوروبيين أن يكونوا أكثر حرصا على السعي لإيجاد حل.
أعتقد أن الخلل الاستراتيجي الذي وقع بسبب الخلافات داخل منطقة المغرب العربي وبالأساس بين المغرب والجزائر، فالعديد من الدول الأوروبية انخرطت في سياسة أحادية تعتمد على الاستفادة من العلاقات بشكل منفرد مع كل دولة على حدة وبالتالي محاولة كسب أقصى ما يمكن من المصالح إلى درجة أن الأدوار الأوروبية تحولت إلى لعب دور في تعميق الخلافات بين المغرب والجزائر وفي تقسيم منطقة المغرب العربي وتمزيقها وبالتالي أًصبح يبدو وكأن السياسة الأوربية منبنية على حالة اللامغرب عربي أو بالأحرى الاعتماد على انقسامه أو حتى تقسيمه للاستفادة منه قدر الإمكان. وهذا في رأيي خطأ فادح استراتيجي يرتكبه الأوروبيون. لأنه يضر بمصالحهم نفسها، كما يفتح الباب للدول المغاربية للبحث عن تحالفات وشركاء آخرين. وهنالك الآن قوى عالمية وإقليمية صاعدة تلعب دورا متزايدا في شمال إفريقيا منها روسيا والصين وحتى تركيا، بالإضافة إلى التحول الذي وقع في المنظور الاستراتيجي الأمريكي والذي لم يعد يعط أولوية للتنسيق مع الأوروبيين وبات يبني مصالحه بشكل منفرد.
حتى في ظل الإدارة الحالية والأمر ليس مرتبطا بإدارة ترامب، حتى مع الديموقراطيين أعتقد أن الأمريكيين لديهم اعتبارات مختلفة عما كانت عليه السياسية التقليدية في العلاقات الأطلسية بين الولايات المتحدة وأوروبا. لذلك فالأوروبيون من مصلحتهم أن يساهموا في إيجاد حل لمشكلة الصحراء وفي تحسين العلاقة بين المغرب والجزائر وليس اللعب على تعميق التناقضات.
وبالتالي إذا وجد حل ما في ملف الصحراء سواء عن طريق الحكم الذاتي أو غيره من الصيغ التوافقية فيتعين على الأوروبيين التفكير في كيفية تسهيل الحل. لأن فيه استقرار أكثر للمنطقة وحماية للاندماج المغاربي ككل بينما فكرة الانفصال تنبني على التقسيم وحفر الخنادق وبناء الجدران بين البلدان، وتقسيمها وهذا سيكون فيه خطر استراتيجي على المنطقة المغاربية.
لطالما تأثر الأوربيين بسياسات ومصالح بعض الدول ومن بينها إسبانيا، في نظرتهم لهذا المشكل ويفترض أن يفكر الأوروبيون بنظرة جديدة.
وماذا عن العلاقات بين ألمانيا والمغرب؟
برأيي ما يربط ألمانيا والمغرب أكبر بكثير من الأمور الخلافية بين البلدين، أعتقد أن هناك فجوة واختلالا في العلاقة يحتاج لترميم وإعادة النظر. لكن ليس من مصلحة البلدين الاستمرار في أي شكل من أشكال الأزمة، وإعادة بناء علاقات قويمة وذات بعد استراتيجي. أعتقد أن المغرب بحاجة إلى التفكير في الموضوع على مستويات عديدة، برأيي أن حضور المغرب في ألمانيا ضعيف على مستوى الحوارات التي تجري داخل الدوائر السياسية والإعلامية والمجتمع المدني في ألمانيا أعتقد أن المغرب لم يستثمر كثيرا في هذا الموضوع. للمغرب جالية مهمة نشيطة جدا ولكن قضايا اهتماماتها والقضايا التي تطرح في الفضاء المتعلق بالجالية أغلبها تركز على قضايا مثل الاندماج او علاقات اقتصادية بينما الأمور أعقد من ذلك. يفترض ان يتم التفكير في التحولات التي تجري في المجتمع الألماني ومستقبل العلاقة بين ألمانيا والمغرب وبين ألمانيا والمنطقة المغاربية وألمانيا وإفريقيا.
طبعا هناك قضايا أخرى للمغرب فيها دور تاريخي مثل حوار الأديان والتعايش والعلاقة الخاصة باليهود، بإمكان المغرب الاستثمار فيها والاشتغال عليها على المدى الاستراتيجي. هناك نقطة أخرى ذات أهمية، التفكير في إعادة بناء جسور التواصل على مستويات صنع القرار بطريقة فيها نفس جديد.
ألا ترى أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء أحرج أوروبا بكاملها، خاصة إسبانيا، كما خلق نوعا من اللاتناغم في « المحرك » الألماني الفرنسي؟
تقليديا العلاقة بين إسبانيا وألمانيا هي علاقات قوية جدا على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي، وألمانيا على امتداد عقود عندما يتعلق الأمر بالمغرب أو شمال إفريقيا تضع في عين الاعتبار أنها لا تريد إزعاج فرنسا لأن لديها معها علاقات مكثفة وعلاقات قوية أقوى من علاقاتها مع إسبانيا.
لكن منذ سنوات عديدة حدث تحول في التوجهات الألمانية نحو الخارج، وهي إعطاء دور أكبر للسياسة الخارجية والدفاعية والأمنية في الخارج، وبالتالي بدأت سياسة ألمانيا تفرز تنافسا أو تضادا مع فرنسا بفعل حساباتها الجديدة في شمال إفريقيا. وباتت إسبانيا تقدم نفسها كشريك لألمانيا في عدد من السياسات في منطقة المغرب العربي، وأعتقد أنه في هذا السياق ربما يساهم الإسبان في التأثير على سياسة ألمانيا إزاء بلد مثل المغرب بحكم الحساسية التاريخية والعلاقات التاريخية بين المغرب وإسبانيا . ومن ناحية أخرى هناك إطار للتنسيق والتعاون بين ألمانيا وإسبانيا وهو الاتحاد الأوروبي، وحاليا على مستوى المؤسسات العليا في الاتحاد الأوربي هنالك عمل مشترك بين إسبانيا وألمانيا. أيضا على مستوى المحكمة الأوربية يوجد فيها ملفات مثيرة للخلافات مع المغرب، على غرار ملف الصيد البحري وملف الصحراء.
في العقود الأخيرة ساهمت ألمانيا بشكل كبير في نهضة إسبانيا، وذلك بعد منتصف السبعينات، وتحديدا بعد سقوط نظام فرانكو. إذ لعبت الاستثمارات الألمانية دورا كبيرا في نهضة إسبانيا.
تحاول إسبانيا اليوم، جر ألمانيا لبعض الأجندات المرتبطة بالمصالح الإسبانية، وبعض القضايا التي تجعل البلدين يلتقيان في نقطة ملف الصحراء. البلدان اتخذا قرارا متقاربا بشأن قرار إدارة ترامب في ما يتعلق بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.
ألمانيا ليس لها ماضي تكتنفه الحساسية مع المغرب ولا ماضي استعماري مباشر مع المغرب، لذلك من الخطأ تصور أن ألمانيا هي إسبانيا وإسبانيا هي ألمانيا، هناك تمايز كبير بينهما.. إٍسبانيا قبل سنة كانت في نزاع شديد مع ألمانيا بسبب زيارة رئيس إقليم كاتالونيا السابق كارلس بودجمون الذي يسعى للاستقلال عن إسبانيا، ورفضت ألمانيا تسليمه لمدريد.
الحسابات ببين البلدين فيها نزاعات وخلافات خصوصا أن الحكومة الاشتراكية اليسارية في إسبانيا لا تسير في نفس الاتجاه مع حزب ميركل المسيحي الديمقراطي، بقدر ما هي قريبة من وزير الخارجية باعتباره من الحزب الاشتراكي الذي تربطه علاقات متينة مع الحزب الاشتراكي الاسباني الحاكم في إسبانيا.
هذه مصالح قومية للدول، ويوجد بينها تنسيق وتقاطع وتفاهم، وتتفاوت في النظرة لمختلف الملفات، لكن ألمانيا تختلف في حساباتها الاستراتيجة إزاء المغرب عن حسابات إسبانيا، لكنهما يتقاطعان ربما تاريخيا وحاليا في بعض الملفات، لكن ذلك لا يعني التماهي بينهما.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة