فن وثقافة
أفلام الأوسكار: "هامنت" لكلوي تشاو.. شكسبير وشيء من تاركوفسكي
21/02/2026 - 18:13
محمد باكريم
في البدء كان هناك شيء من التردد. ليس للكتابة حول الفيلم الجديد للمخرجة الصينية -الأمريكية، كلوي تشاو، بل تردد حول مشاهدة الفيلم أصلا. خاصة بعد اطلاعي على ملخص الفيلم الذي لم يثر لدي اهتمام بل تساؤل حول ماذا عساها أن تضيف إلى موضوع استهلكته السينما العالمية ومخافة أيضا أن يؤثر ذلك على الصدى الطيب الذي خلفة فيلمها الرائع "نوماد لاند".
ذلك التشريح السينمائي الهادئ والعميق لأمريكا المهمشين، أمريكا الرحل الجدد ضحيا المنظومة الرأسمالية المالية. فيلم طبعه الأداء البليغ لفرانسيس ماكدورماند والتي سبق أن اكتشفتها مع فيلم "فاركو" للإخوان كوين.
وبعد وصول الفيلم إلى اللائحة القصيرة لجوائز الأوسكار تجاوزت ترددي وشاهدت الفيلم في سياق مقاربة مقارنة مع منافسيه الآخرين. ولم أندم على ذلك: كانت المشاهدة ممتعة ومحفزة.
وطرحت على نفسي سؤال من أية زاوية اقترب من الفيلم. وأنا بصدد مشاهدته تولدت لدي مجموعة من الملاحظات ستشكل مدخل لقراءة ممكنة:
- إن وليام الشاب كان مضطهدا من طرف الأب ومهمشا بشكل عام في عائلته ومحيطه (أنظر مشهد الغداء العائلي) : هل الإبداع يمر عبر "القتل" الرمزي للأب؟
- حضور الطبيعة (الغابة، الأعشاب، الريح...) عبر عيون المرأة (أنييس التي ستصبح زوجته)
- وتباعا لذلك الأداء الكبير للممثلة دجيسي بيكلي
- تأطير سينمائي للمكان وللشخصيات بتوظيف "الفضاء السلبي" أي تلك الفراغات في اللقطة التي تحيل إلى شيء ما غير مادي (روحي) يطغى على الأجواء.
وتأسيسا على هذه الملاحظات طرحت فرضية لقراءة تركيبية للفيلم ألخصها كالتالي: "هامنت" فيلم شكسبيري المعنى...وتاركوفسكاوي المبنى.
نعم يبدو لي "هامنت" لا يتطرق لمرحلة جوهرية من حياة وليلم شكسبير...بل الفيلم كنص يشتغل كتراجيديا شكسبيرية من خمسة فصول (وتيرة النمو، النضج، الانكسار، التيه، ثم التطهير) متمحورة حول ثنائية "الفقد" و"الغياب".
ويحضر- أو بالأحرى استحضر كمتلق- إحالات إلى تاركوفسكي، حيث تصوّر تشاو طبيعة منطقة "وارويكشاير" ليس كإعادة بناء تاريخي "أنيق"، بل كنظام بيئي عضوي. الغابة هي مملكة "أنييس" (زوجة شكسبير)، مكان للعلاجات والقوى الأرضية العميقة. تماماً كما عند تاركوفسكي، يبدو صوت الريح في أوراق الشجر أو ملمس لحاء الشجر انعكاساً للحالة الداخلية للشخصيات وهي تواجه الحداد.
إنه برنامج قراءة طموح سأكتفي بمقاربة نقطتين تبدوان لي مفيدة في أفق توسيع دائرة التفكير.
تتعلق الأولى بمساءلة تجليات التراجيديا الشكسبيرية في فيلم "هامنت". ولعل أقواها هي البنية الخماسية التي أشرت اليها أعلاه (وتيرة النمو، النضج، الانكسار، التيه، ثم التطهير). في "هامنت"، الفصول الخمسة لا تبدو مجرد تقسيم زمني، بل هي رحلة نفسية تبدأ من حضور العائلة وتنتهي بـ خلود الغياب من خلال الفن (مسرحية هاملت).
وقد اشتغل تركيب هذا التطور على ثنائية "الحضور والغياب". الفيلم يلعب بذكاء على مفارقة موجعة:
1. غياب الأب (وليام) في لندن بحثاً عن المجد بينما الحياة الحقيقية تحدث في سترات فورد.
2. ثم غياب الابن (هامنت) الذي يترك فراغاً لا يمكن ملؤه إلا بالكلمات / بالإبداع.
هذا "التبادل" بين الغيابين هو محرك الكتابة التراجيدية في العمل. يحضر الفقد كمحرك للتغيير. تعلمنا التراجيديا الكلاسيكية أن هناك دائماً "خطأ تراجيدي" أو قدر محتوم. هنا، الفقد ليس نهاية المطاف، بل هو القوة التي تعيد صياغة "وليام شكسبير" من أب مكلوم إلى أعظم كاتب في التاريخ، وكأن الفيلم يقول إن "هاملت" هي مجرد رسالة حب متأخرة لابن غائب عندما أقول إن كتابة الفيلم " شكسبيرية"، فالقصد هو أن "الطبيعة" و"القدر" و"الأشباح" (بالمعنى المجازي وهي حاضرة في مسرحيات شكسبير) تشارك في الحوار. في الفيلم، نجد أن الصمت والمكان (البيت، الحقول، مسرح لندن) يتحدثون بلغة توازي قوة الحوار المنطوق.
النقطة الثانية التي استوقفتني هو المشهد الختامي (حيث يلتقي الجميع إن صح التعبير في افق لحظة الكلايماكس). طوال الفيلم، كان هناك شرخ صامت بين "آنييس" التي تعيش الفقد في "ستراتفورد" بين الجدران والذكريات، وبين "وليام" الذي بدا وكأنه هرب إلى لندن والى عائلته الجديدة، الفرقة المسرحية. في تلك اللحظة، وهي تندمج مع العرض متجاهلة بقية الحضور تدرك آنييس أن وليام لم يهرب، بل كان يبني ضريحاً من الكلمات. رؤيتها لابنها "يُبعث" حياً من خلال الاسم والفعل الدرامي شكلت اعترافاً من الأب بأن جرحها هو جرحه أيضاً.
هذا المشهد القوي دراميا ليس مجرد نهاية لفيلم، بل نهاية لرحلة عذاب نفسية طويلة. لحظة "التصالح مع الذات" و "تتويج للحظة الحداد"، تعبير سينمائي بليغ عن الجوهر التطهيري الذي قامت عليه التراجيديا الكلاسيكية. هذا "التتويج" البصري سمح لآنييس بأن تضع ثقل حزنها أخيراً، لأنها رأت أن ابنها لن يُنسى.
وقد نجحت المخرجة كلويه جاو في توصيل هذا الإحساس والشعور سينمائيا. لم تحتاج لخطابات طويلة لتشرح هذا التصالح. نظرة العين، وتغيّر ملامح الوجه من الألم الحاد إلى "السكينة الموجعة"، كانت كافية. السينما هنا جعلت "الحداد" فعلاً مرئياً ومحسوساً، وليس مجرد مفهوم ذهني. اعتمادا على حركات الكاميرا (سلم اللقطات المتنوع والتركيب الملائم) إضافة الى أداء الممثلة جيسي باكلي. حيث يوظف الوجه كـ"خريطة للألم". باكلي لديها قدرة فريدة على نقل المشاعر المتناقضة دون نطق كلمة واحدة.
في مشهد العرض المسرحي كان وجهها هو "المسرح الحقيقي". هي لا تمثل الحزن، بل "تتلبسه"، مما جعل المشاهد يصدق أنها هي التي فقدت قطعة من روحها، وليس مجرد مؤدية لنص.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة