مجتمع
مدارس الريادة.. البنك الدولي كيف يقيّم التجربة بالمغرب
27/05/2026 - 17:09
وئام فراج
سلط البنك الدولي الضوء على تجربة برنامج "مدارس الريادة" الذي أطلقه المغرب سنة 2023 ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2022-2026، بهدف معالجة أزمة التعلمات الأساسية داخل المدرسة العمومية، مشيرا إلى أن هذه المقاربة المعتمدة قادرة على إحداث تحول ملموس في جودة التعلمات.
كشفت نتائج التقييم الأولي الذي أنجزه مختبر J-PAL، وهو مختبر بحثي عالمي متخصص في تقييم السياسات العمومية ومحاربة الفقر اعتمادا على التجارب الميدانية والبيانات التجريبية، أن تلاميذ "مدارس الريادة" حققوا أداءً أفضل من 82 في المائة من أقرانهم في المدارس المماثلة، خصوصا في مجالات القراءة والكتابة والرياضيات، وذلك بعد سنة واحدة فقط من التطبيق، وفق ما أورده البنك الدولي.
الفهم والقراءة
وتشير المؤسسة المالية الدولية، في مقال تقييمي تم نشره على موقعها الرسمي، إلى أن "نحو 60 في المائة من التلاميذ في سن العاشرة لم يكونوا قادرين سنة 2023 على قراءة نص بسيط وفهمه"، ما دفع إلى اعتماد مقاربة جديدة تركز على الكفايات الأساسية، خصوصا في القراءة والكتابة والحساب، باعتبارها مدخلا رئيسيا لتحسين المسار الدراسي للتلاميذ والحد من الهدر المدرسي.
وانطلق برنامج "مدارس الريادة" خلال الموسم الدراسي 2023-2024 بشكل تجريبي شمل 626 مدرسة ابتدائية عمومية، غير أن نتائجه الأولية شجعت على تسريع وتيرة تعميمه، ليصل خلال موسم 2025-2026 إلى 4626 مدرسة، أي ما يمثل أكثر من نصف المدارس الابتدائية العمومية بالمملكة.
ويستفيد من هذا البرنامج أكثر من مليوني تلميذ، بمشاركة حوالي 75 ألف أستاذ و960 مفتشا، ما يعكس حجمه الكبير ورهانه الاستراتيجي داخل منظومة التعليم، وفق معطيات البنك الدولي.
التدريس وفق المستوى المناسب
أوضح البنك أن البرنامج يعتمد على منهجيات تدريس حديثة قائمة على ما يسمى "التدريس وفق المستوى المناسب" (Teaching at the Right Level)، حيث يتم تصنيف التلاميذ بناءً على مستواهم الفعلي في التعلم، وليس فقط حسب سنهم أو مستواهم الدراسي الرسمي.
وتتيح هذه المقاربة معالجة التعثرات بشكل دقيق، عبر مجموعات تعلم متقاربة المستوى، ما يساعد على تحسين اكتساب المهارات الأساسية.
كما يتضمن البرنامج تخصيص فترة دعم مكثف في بداية كل موسم دراسي، تمتد لشهر كامل، تركز على اللغات والرياضيات، قبل الانتقال إلى المقررات الدراسية العادية. وتستمر عملية الدعم والتقويم طيلة السنة، من خلال تتبع منتظم لتقدم التلاميذ وتقديم حصص إضافية للمتعثرين.
المدرس في صلب الإصلاح
لا يقتصر الإصلاح على المناهج والبرامج، بل يضع المدرس في قلب العملية التربوية. فقد تم، وفق المؤسسة المالية الدولية، تعزيز التكوين المستمر للأساتذة، وتزويدهم بأدوات بيداغوجية تساعدهم على تقييم مستوى التلاميذ بشكل أدق، إلى جانب مواكبة ميدانية من طرف المفتشين.
ويهدف هذا التوجه إلى تمكين المدرس من التفاعل بشكل أفضل مع الفوارق داخل الفصل، بدل اعتماد مقاربة موحدة قد لا تستجيب لحاجيات جميع التلاميذ.
بموازاة ذلك، شمل البرنامج تحسين الظروف المادية داخل المؤسسات التعليمية، من خلال تحديث البنية التحتية وتوفير تجهيزات رقمية، فضلا عن رفع الميزانيات المخصصة للمدارس.
ويُنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها مكملة للإصلاح البيداغوجي، إذ تساهم في خلق بيئة تعليمية أكثر تحفيزا وملاءمة للتعلم.
توسيع التجربة
في خطوة تهدف إلى تعزيز استمرارية الإصلاح، تم توسيع التجربة لتشمل التعليم الإعدادي من خلال "إعداديات الريادة"، التي شملت 786 مؤسسة ويستفيد منها مئات الآلاف من التلاميذ، خاصة في المناطق التي تعرف نسبا مرتفعة من الانقطاع عن الدراسة.
ويهدف هذا التوجه إلى معالجة التعثرات التعليمية في مرحلة مبكرة، قبل أن تتحول إلى سبب مباشر للهدر المدرسي.
وتراهن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على نجاح إعداديات الريادة في تقليص الهدر المدرسي بنسبة 50 في المائة، وأن يلج النصف الآخر إلى مدارس الفرصة الثانية.
وسبق أن أكد الوزير محمد سعد برادة أن نتائج "إعداديات الريادة" لم تقتصر على تحسين التعلمات الأساس، بل شملت أيضا معالجة ظاهرة الهدر المدرسي عبر آليات مواكبة وتتبع، من بينها "خلايا اليقظة"، التي قال إنها أعطت نتائج جيدة في تتبع التلاميذ المهددين بمغادرة الدراسة.
استدامة النتائج
وخلص البنك الدولي إلى أن تجربة "مدارس الريادة" تمثل تحولا في فلسفة الإصلاح التعليمي بالمغرب، من التركيز على تعميم الولوج إلى المدرسة إلى التركيز على جودة التعلم والإنصاف. "فالمقاربة الجديدة تسعى إلى تقليص الفوارق المرتبطة بالمجال الجغرافي أو الوضع الاجتماعي، من خلال ضمان حد أدنى من التعلمات الأساسية لجميع التلاميذ".
ورغم المؤشرات الإيجابية، يضيف البنك الدولي، يبقى التحدي هو ضمان استدامة هذه النتائج مع التوسع السريع للبرنامج، والحفاظ على جودة التنفيذ داخل آلاف المؤسسات، لافتا إلى أن "المغرب يسير نحو ترسيخ نموذج إصلاحي جديد، يضع التعلم الفعلي للتلميذ في صلب السياسات التربوية".
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع