رياضة
قوة ذهنية وشخصية لا تنكسر.. كيف أطاح المغرب بمنتخب هولندا؟
30/06/2026 - 05:31
رضى زروق
لم يعد المنتخب المغربي بحاجة إلى مباراة إضافية لإثبات أنه أصبح ينتمي إلى الصف الأول عالميا، فما حدث أمام هولندا فجر الثلاثاء 30 يونيو قدم دليلا جديدا على التحول الكبير الذي عرفه "أسود الأطلس" خلال السنوات الأخيرة.
فبعد 120 دقيقة من الصراع التكتيكي والبدني والذهني، نجح المنتخب الوطني في انتزاع بطاقة التأهل إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 عقب الفوز على هولندا بضربات الترجيح بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل بهدف لمثله.
ولم يكن الأمر مجرد انتصار جديد في المونديال، بل كان انتصارا يعكس شخصية منتخب بات يعرف كيف يعاني وكيف يعود، وكيف يفوز حتى عندما تبدو الأمور في غير صالحه.
رد الفعل.. السلاح الأقوى للمغرب
إذا كان هناك عنوان واحد يلخص شخصية المنتخب المغربي في هذا المونديال، فهو القدرة على رد الفعل وعدم الاستسلام.
فالمغرب وجد نفسه متأخرا في النتيجة أمام منتخب هولندي يملك الخبرة والجودة والنجاعة، لكن اللاعبين رفضوا الاستسلام إلى غاية آخر ثانية من المباراة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها المنتخب الوطني هذه الشخصية، ففي مباراة هايتي خلال الجولة الثالثة من دور المجموعات، عاد المغرب في النتيجة مرتين قبل أن يحسم المباراة بأربعة أهداف لهدفين، وكرر السيناريو نفسه أمام هولندا، عندما ظل يبحث عن هدف التعادل إلى غاية الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، قبل أن ينجح عيسى ديوب في إعادة المباراة إلى نقطة البداية.
هذه القدرة على العودة في النتيجة أصبحت إحدى العلامات المميزة لهذا الجيل المغربي، وتعكس قوة ذهنية كبيرة وثقة لا تهتز مهما كانت ظروف المباراة.
منتخب لا يخاف من الكبار
دخل المغرب المباراة أمام أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم، منتخب يضم لاعبين من الصف الأول في أوروبا، ويملك خبرة كبيرة في المواعيد الكبرى، كما أنه تصدر مجموعته وقدم مستويات هجومية قوية خلال الدور الأول، لكن ما ظهر على أرضية الملعب كان مختلفا تماما.
فالمنتخب المغربي لم يكتف بمجاراة هولندا، بل فرض شخصيته على المباراة في فترات طويلة، خاصة بعد هدف التعادل، عندما أجبر المنتخب البرتقالي على التراجع إلى الخلف والدفاع بالقرب من منطقة جزائه خلال معظم فترات الأشواط الإضافية.
وكان واضحا أن الرغبة البدنية والذهنية للمغاربة كانت أكبر بكثير خلال آخر نصف ساعة من المباراة، وهو ما ظهر في عدد الكرات المسترجعة والضغط المتواصل والاندفاع نحو مرمى المنافس.
الأرقام تؤكد التفوق المغربي
رغم قيمة المنتخب الهولندي، فإن لغة الأرقام كانت تميل بوضوح إلى جانب المنتخب المغربي. فخلال التسعين دقيقة الأولى، سدد "أسود الأطلس" 11 مرة مقابل 7 فقط لهولندا، منها خمس تسديدات مؤطرة مقابل ثلاث للمنتخب الهولندي.
أما الاستحواذ، الذي كان يفترض أن يكون إحدى نقاط قوة "الطواحين"، فقد مال بشكل واضح لصالح المغرب بنسبة بلغت 66 في المئة مقابل 34 في المئة فقط لهولندا، إضافة إلى سبع ركنيات مقابل خمس.
وخلال المباراة كاملة بعد 120 دقيقة، ارتفع الاستحواذ المغربي إلى 70 في المئة مقابل 30 في المئة فقط للمنافس، مع 12 تسديدة مقابل 7، وست محاولات مؤطرة مقابل ثلاث فقط لهولندا، إضافة إلى ثماني ركنيات مقابل خمس.
وهي أرقام تعكس بوضوح أن المنتخب المغربي لم يكن مجرد فريق يدافع وينتظر المرتدات، بل كان الطرف الأكثر حضورا وسيطرة ورغبة في الفوز.
ضربات الترجيح.. بذكريات مونديال قطر
عندما وصلت المباراة إلى ضربات الترجيح، شعر كثير من المغاربة أن الكفة تميل مرة أخرى إلى المنتخب الوطني.
السبب بسيط، فالمغرب أصبح يمتلك خبرة خاصة في هذا النوع من المواجهات، تماما كما حدث قبل أربع سنوات أمام إسبانيا في مونديال قطر.
وكما كان الحال في الدوحة، عاد ياسين بونو ليظهر في الموعد الكبير. الحارس المغربي لم يكن مجرد منفذ لدوره التقليدي، بل تحول مرة أخرى إلى عنصر حاسم نفسيا داخل الملعب، يمنح الثقة لزملائه ويربك المنافسين بمجرد وقوفه على خط المرمى.
وبات واضحا أن المنتخب المغربي يدخل ضربات الترجيح بثقة كبيرة، وهو سلاح إضافي قد يكون حاسما في الأدوار المقبلة.
وهبي يربح رهان الشباب
أحد أبرز عناوين المباراة كان أيضا نجاح محمد وهبي في إدارة دكة البدلاء. فالناخب الوطني لم يتردد في منح الفرصة لعدد من اللاعبين الشباب خلال الشوط الثاني والأشواط الإضافية، وهو قرار أعطى دفعة جديدة للفريق في وقت بدأت فيه علامات الإرهاق تظهر على عدد من اللاعبين الأساسيين.
شمس الدين الطالبي قدم حركية كبيرة على الرواق، بينما منح ياسين جسيم حلولا إضافية في الثلث الأخير من الملعب، في حين أضاف سمير المرابط الكثير من الطاقة والحيوية في وسط الميدان.
ولم يكن تأثير هؤلاء مرتبطا فقط بالجانب البدني، بل أيضا بالشخصية والشجاعة، في واحدة من أكبر مباريات مسيرتهم الكروية.
وهنا بالضبط تظهر قيمة العمل الذي يقوم به محمد وهبي، والذي نجح في خلق مجموعة لا تعتمد فقط على أحد عشر لاعبا أساسيا، بل على منظومة كاملة جاهزة للمساهمة في أي لحظة.
الفعالية الهجومية.. نقطة ضعف "الأسود"
رغم كل الإيجابيات، فإن المباراة كشفت مرة أخرى عن نقطة ضعف حقيقية قد تكلف المنتخب الوطني الكثير في الأدوار المقبلة، ويتعلق الأمر بالنجاعة الهجومية.
فالمغرب خلق فرصا كثيرة أمام هولندا، لكنه احتاج إلى الوقت بدل الضائع من أجل الوصول إلى هدف التعادل.
إسماعيل الصيباري أضاع أكثر من فرصة سانحة، كما أهدر سفيان رحيمي فرصة الهدف الثاني في الدقيقة السادسة من الشوط الإضافي الأول بعد انفراد كامل بالحارس الهولندي.
وفي مباريات بهذا الحجم، قد لا تمنحك كرة القدم العدد نفسه من الفرص في كل مرة، ولهذا يبدو تحسين الفعالية أمام المرمى أحد أهم الملفات التي سيشتغل عليها محمد وهبي قبل المواجهة المقبلة أمام منتخب كندا في ثمن النهائي.
المغرب يواصل كتابة التاريخ
في النهاية، لم يكن الانتصار على هولندا مجرد تأهل جديد إلى الدور المقبل، بل كان رسالة جديدة إلى العالم مفادها أن المنتخب المغربي لم يعد ضيفا على الأدوار المتقدمة في كأس العالم.
فهذا الجيل أثبت مرة أخرى أنه يملك الشخصية والموهبة والقتالية والهدوء الذهني اللازم لمقارعة أكبر المنتخبات العالمية، وربما كان أجمل ما في هذه المباراة أن المغرب لم يفز لأنه كان محظوظا، بل فاز لأنه آمن حتى النهاية بأنه قادر على العودة من بعيد وقلب الموازين لصالحه.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة