اقتصاد
"كوفيد-19" يهوي بمداخيل التراجمة المُحلفين
12/12/2020 - 17:48
مهدي حبشيتمدد الورم الاقتصادي لجائحة "كوفيد-19" ليصيب عدة قطاعات، ذهبت ضحية لترابط الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ببعضها. ذلك حال قطاع التراجمة المحلفين، الذين يسهرون على نقل وثائق المغاربة من لغة لأخرى، قبل أن يجدوا أنفسهم على حين غرة، وبالرغم من تنوع خدماتهم، أمام أبواب موصدة.
يُعرف القانون رقم 50.00، الترجمان المقبول لدى المحاكم، بكل من يمارس الترجمة وفقا لأحكام ذلك القانون، ويشترط فيهم التوفر على شهادة للترجمة، وبلوغ سن 25 سنة على الأقل، بالإضافة إلى النجاح في مباراة التراجمة المقبولين لدى المحاكم، وفي "امتحان نهاية التمرين".
قطاع يقتات من قطاعات أخرى
لقطاع الترجمة المحلفة ارتباط وثيق بالعدالة، إذ ينهل جزءً من معاملاته من ترجمة الوثائق القضائية. ولدى صدور قرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بخفض الولوج إلى المحاكم تفادياً لتفشي وباء كورونا بين ردهاتها في مارس الماضي، وما أعقبه من إغلاق شامل إبان فترة الحجر الصحي، كان التراجمة المحلفون في طليعة المتضررين حين انصرف المتقاضون عن خدماتهم.
ويشتغل التراجمة المحلفون بالتوازي مع الموثقين كذلك، إذ يحرر هؤلاء مُعظم وثائقهم باللغة الفرنسية، "تحتاج تلك الوثائق لترجمان محلف، ينقل العقد إلى لغة تعبر عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين، لاسيما بالنسبة لأطراف العقود الذين لا يتقنون اللغة الفرنسية"، يؤكد الحسين بيرواين، رئيس جمعية التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم، مضيفاً "الترجمان المحلف يمنح طرفي العقود ما يسمى بالأمن التعاقدي، بحيث لا ينبغي التوقيع على وثيقة قبل الاطمئنان لمضمونها بلغة مفهومة". إلا أن توقف الموثقين جرّاء الحجر الصحي، ضرب مسماراً آخر في نعش نشاط التراجمة.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد جاء إغلاق الحدود ليفاقم تلك الضائقة، ذلك أن عمل التراجمة المحلفين مرتبط في شق مهم منه بالخارج، وخصوصاً بالسفارات والقنصليات. فأدى إغلاق الحدود لوقف حركية السفر، ومعها الطلب على ترجمة عقود الزواج وملفات الدراسة والاستشفاء في الخارج...
للتراجمة كذلك دورٌ حيوي في سيرورة الاستثمار الأجنبي في البلاد، ذلك أن المستثمرين الراغبين في خلق مشاريع داخل المغرب، يأتون بملفات استثمارية بلغاتهم الأجنبية، يحتاجون لترجمتها إلى العربية أو الفرنسية، قصد رفعها للبنوك من أجل نيل القروض المطلوبة، أو لشركائهم المغاربة. ما يجعل انخفاض تدفق الاستثمارات الأجنبية نحو البلاد خلال أزمة "كوفيد-19" عاملاً إضافياً في مأساة القطاع.
خسائر تقدر بـ90 في المائة
وأكد الحسين بيرواين، لـ"SNRTnews"، أن ذلك القطاع من بين القطاعات القليلة التي لم تستفد من دعم الدولة، في إطار صندوق تدبير الجائحة، وذلك بالرغم من تقدم الجمعية بطلبات لكل من رئيس الحكومة ووزير العدل، باعتباره الوصي على القطاع، فضلاً عن وزير المالية ولجنة اليقظة.
وأوضح المتحدث أن نسبة تهاوي رقم معاملات القطاع تناهز 90 في المائة أو ما يزيد في بعض الحالات، منبهاً إلى كون الترجمة ككل المهن الحرة لا توفر لمهنييها انخراطا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مما حرمهم كذلك من الإعانة التي قدمها الصندوق سالف الذكر للأجراء.
وشدد على كون جزء مهم من مهنيي القطاع يمارسون الترجمة الفورية علاوة على تلك الكتابية، ما يعني أن قسطاً مهماً من نشاطهم كان مرتبطاً بالمؤتمرات واللقاءات الدولية التي تعقد في المغرب، والتي توقفت بدورها جراء استفحال الوباء.
"ومما يزيد الطين بلة، أن الترجمان المحلف عادة لا يشتغل وحيداً، بل يعمل في مكتبه مستخدمون آخرون يفترض فيه تأدية أتعابهم"، ينبه بيرواين.
داء العطب قديم
الجائحة ليست منطلق الأزمة في هذا القطاع ولا منتهاها، إذ يشكو المهنيون من "المنافسة غير مشروعة"، على حد تعبير بيرواين: "القانون 50.00، المتعلق بالتراجمة يضع علينا قيوداً كثيرة، فالترجمان المحلف ملزم بتشكيلة لغوية مُرخصة من طرف وزارة العدل، إذ إن كل ترجمان منضبط لتخصص لغوي معين، يتكون في العادة من اللغة العربية، إلى جانب لغة أجنبية يخولها له القانون وفقاً للشهادات التي يتوفر عليها وكفاءته العلمية والأكاديمية... كما أننا نخضع لرقابة وكيل الملك".
"بالرغم من هذه القيود، نجد أنفسنا في منافسة مع تراجمة غير محلفين، بعضهم يملكون شهادات ترجمة ولكن في الترجمة العامة، ذلك أن المحلف ملزم بترجمة متخصصة، قانونية ورسمية". يقول المترجم مفسراً قصده: "نزاع قضائي مثلاً يحتاج لترجمة دقيقة ومعجم قانوني، لأن كل عبارة من شأنها قلب الملف رأساً على عقب، قد تصل حد إحداث خلل في الحكم القضائي". تلك مسؤولية مدنية وجنائية يتحملها الترجمان، "بينما لا ينضبط غير المحلفين لأي تشكيلة لغوية، ويترجمون ما شاؤوا من اللغات، بترجمات رديئة أحياناً، مما يسيء للمهنة ويلحق ضرراً بالزبون، الذي قد يرفض ملفه لا لشيء إلا لرداءة الترجمة".
مقالات ذات صلة
اقتصاد
مجتمع