سياسة
كيف كسب المغرب ثقة الليبيين؟
28/06/2021 - 16:10
يونس أباعلي
يواصل المغرب استقبال الأطراف الليبية في إطار مواكبة مجهودات الشعب الليبي والمؤسسات الشرعية الليبية في التحضير للانتخابات التي يعول عليها هذا البلد المغاربي للخروج من وضعيته.
استقبل رئيس الحكومة، اليوم الاثنين، رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة والوفد المرافق له، بعدما كان الأخير قد حظي باستقبال وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أمس الأحد.
وكل هذه الزيارات تأتي تفعيلا تعليمات صاحب الجلالة الملك محمد السادس لتعزيز التواصل بين المملكة المغربية ومختلف الهيئات الشرعية الليبية بخصوص كافة القضايا التي تهمها.
وسعت الدبلوماسية المغربية إلى حل الأزمة الليبية، منذ سنة 2015 تاريخ انطلاق جولات الصخيرات التي جمعت الأطراف الليبية، تحت رعاية أممية. إذ على إثرها تشكلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، وحظيت بتأييد المجتمع الدولي.
ولم يتوقف المغرب عن استقبال وفود ليبية مثلت كلا الطرفين المتناقضين، بمنطق أن "ليبيا ليست كعكة دبلوماسية، بل هي معاناة شعب وإرادة شعب يريد الخروج من الأزمة عن طريق الانتخابات"، كما أكد على ذلك بوريطة حين استقباله رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، بحر الأسبوع الماضي، وهو اللقاء الذي شدد فيه على أن دور المغرب لم يبدأ مع برلين، ولن ينتهي معه، ولا يغير دوره ولا يزداد أو ينقص بالنظر إلى أنه تلقى دعوة المشاركة في مؤتمر برلين 2 أم لا.
المغرب يدفع بالتفاهم الداخلي
يعتبر خالد الشيات، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن مقاربة الأزمة الليبية تحتمل اتجاهان؛ "اتجاه مصاحب نفعي يريد من ليبيا أن تكون مضخة بترول وغاز للدول المستفيدة وهي في الغالب دول أوروبية، ودول بعينها تذكرنا بما قبل الحرب الأولى عندما انتفت مصالحها أمام الدول المستعمرة، حيث وجدت نفسها خارج حصيص المنافع والريع العالمي".
أما الاتجاه الثاني فيتجلى في وجود دول تريد أن تستعمل ليبيا استعمالات جيوسياسية ضد دول أو مجموعة دول أخرى، مضيفا أن "المقاربة تعتمد على كيفية الوصول وتثبيت نظام سياسي تابع وغير مستقل ودولة هشة وإن كان يمكن أن يكون فيها نوع من الرفاه الاجتماعي".
في خضم ما يحيط بالملف يقول الشيات، في اتصال بـSNRTnews، إن المقاربة التي يعتمدها المغرب هي أن تكون ليبيا قوية في منظومة حضارية، تبني قوتها من التفاهم الداخلي والاستقرار، ويساهم ذلك في استقلالية قراراتها، وهذا الأمر هو الذي يجعل من موقف المغرب قويا لأن الليبيين الذين هدد البعض باجتياحهم شرقا وغربا يجدون في المغرب سندا وعونا".
وهذا يساعد الليبيين على بناء دولتهم ومؤسساتهم، ويدفع بها نحو مجالات مندمجة مغاربيا عكس الأدوار التقليدية للأنظمة العسكرية بالخصوص، التي يريد البعض أن يكرسها كمسار وحيد سلطويا، وهو ما يعني تكرار تجارب تاريخية بنماذج جديدة كلها ابانت عن فشلها، يشرح الشيات.
تحقيق الأمن القومي
يرى العمراني بوخبزة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بكلية الحقوق بطنجة، أن الأمن القومي المغربي مرتبط بشكل كبير باستقرار منطقة الساحل والصحراء، وبالتالي من النطق البراغماتي المحض يمكن اعتبار أن انخراط المغرب في الملف الليبي هو من أجل حماية الأمن القومي لبلادنا.
وتابع بوخبزة قائلا: "كان من بين انعكاسات انهيار نظام القدافي انتشار السلاح في المنطقة المغاربية ودول جنوب الصحراء، وهذا ما شكل جماعات متطرفة، وبالتالي وُضعت تحديات على كاهل دول المنطقة، لأن عودة الاستقرار إلى ليبيا وإعادة بنائها هو جزء من الحل للمنطقة المغاربية".
بالنسبة لبوخبزة المغرب له نظرة خاصة للقضايا الدولية، لأنه دائما ما ينخرط في البحث عن الحلول السلمية للنزاعات الإقليمية والدولية ومن هذا المنطلق استطاع أن يحصل على ثقة أطراف متعددة، مضيفا، في تصريح لـSNRTnews، أن المغرب كقوة إقليمية صاعدة أصبح له الحق في القيام بأدوار إقليمية، ولكن لا يمكن أن يقوم بذلك إلا إذا كانت له مصداقية ويحظى بثقة الأطراف، وهذا ما حصل.
كسب الثقة والمصداقية
"هناك تدخلات أزّمت الملف الليبي إلى درجة اللاعودة، في وقت يمكن تجاوز خلافات ليبيا عن طريق تدخل قوى داخلية وفرقاء لهم مصداقية كزعماء القبائل مثلا"، يقول العمراني، قبل أن يسترسل قائلا إن "التدخلات الأجنبية كان لها دور سلبي للدفع بالملف إلى مزيد من التأزم، والمغرب استوعب جيدا الملف، بقراءة موضوعية، خصوصا أن عقلية الإنسان الليبي عقلية خاصة، ووضعية الملف خاصة".
ويرى أن المغرب تدخل بمنطق توفير الظروف الملائمة لاشتغال الليبيين لحل أزمته، ولم يمكن موجها ولم يضع أرضية ولا تصورا خاصا لليبيين، بل فقط وفر لهم الظروف والفضاء الملائم للالتقاء والتفاوض. وهذا لن يتحقق بدون ثقة، وقد ترسخت لدى الليبيين في اللقاءات الأولى، إذ اقتنعوا بالطرح المغربي القائم على عدم التدخل في مفاوضات الأطراف، ولا يتدخل كوسيط، بل ترك الليبيين يشتغلون بشكل مستقل دون توجيه أو ضغط، عكس ما قام به آخرون، عن طريق إملاءات وتوجيهات.
وخلص أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى أن المغرب نجح إلى حد كبير في كسب ثقة الليبيين رغم اختلاف توجهات الأطراف، عبر لقاءات متتالية، في وقت لم تنجح اللقاءات الخارجية لأنها تأسست على مصالح لأطراف ترى ليبيا كعكة يجب اقتسامها.
من جهته، يسجل عبد الفتاح البلعمشي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض ومدير المركز المغربي للدبلوماسية وحوار الحضارات، أن المغرب لم تكن له مواقف مباشرة وواضحة تجاه أحد الأطراف، لأنه لم يتخندق.
ولفت في تصريح لـSNRTnews إلى أن المفاوضات واللقاءات التي جرت في بوزنيقة والصخيرات وطنجة على مدار سنوات لم تدخل حتى في باب الوساطة من الناحية القانونية، بل هي مساع حميدة لجمع الأطراف حول مائدة واحدة، دون التأثير أو محاولة التأثير على القرار الأخير الذي سيتخذ.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة