فن وثقافة
عبقرية ألفونسو كوارون: عندما تنتقل السينما إلى التلفزيون دون أن تفقد سحرها
02/12/2024 - 13:05
جمال الخنوسي
هناك اعتقاد سائد بأن المخرج الناجح في السينما يمكنه بسهولة نقل نجاحه إلى التلفزيون، في حين أن التجربة أثبتت العكس. إذ أن العديد من المخرجين الكبار فشلوا في تجاربهم التلفزيونية فشلا دريعا ولم يتمكنوا من فرض أسمائهم أو على الأقل تحقيق نتيجة مرضية تحفظ لهم ماء الوجه.
هناك مثال صارخ يتجلى في عبقري السينما ستيفن سبيلرغ مخرج قائمة شيندلر وE.T الذي فشلت تجاربه التلفزيوني وعلى رأسها Amazing Stories : Histoires Fantastiques وتخلى عن المحاولة نهائيا.
الكبير مارتن سكورسيزي مخرج أفلام خالدة مثل : Killers of the Flower Moon و Shutter Island حاول إنتاج مسلسل Vinyl في 2016، بمشاركة عميد فرقة رولينغ ستونز مايك جاغر، وفشل. رغم الإمكانات المهمة التي رصدت للمشروع، فتم إلغاؤه بعد موسم واحد فقط.
بدوره، عمل ريدلي سكوت، مخرج أفلام ضخمة مثل Gladiator وBlade Runner، على مسلسل بعنوان (The Man in the High Castle) Le Maître du Haut Château. رغم أنه حصل على إشادة محدودة، إلا أن سكوت نفسه لم يكن راضيا على النتيجة ولم يستطع الاستمرار فيه.
وربما يكمن سبب فشل هؤلاء الكبار في اعتمادهم على ميزانيات ضخمة ليست متوفرة في التلفزيون، كما أن هذا الأخير يتطلب منهجية سردية مختلفة وإدارة جماعية مستمرة، وهي أمور قد لا تتناسب مع طريقة عمل مخرج تعوّد على السيطرة الكاملة في السينما.
لكن ليس كل مخرج سينمائي يفشل في التلفزيون. هناك استثناءات متميزة وأمثلة لمخرجين نجحوا في المجالين، مثل ديفيد لينش، الذي استطاع بفضل مسلسله الشهير Twin Peaks المزج بين الغموض والجمالية السينمائية ليحقق نجاحاً كبيراً. هذا النجاح يعود إلى قدرته على ابتكار قصص مستمرة ومتعددة الطبقات، تتماشى مع متطلبات المشاهد التلفزيوني.
مثال آخر حديث جدا وهو بالأساس موضوعنا اليوم، لأنه ضيف كبير على الدورة 21 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش؛ إذ يتعلق الأمر بالمكسيكي ألفونسو كوارون، المخرج وكاتب السيناريو والمنتج، الذي يُعتبر من أبرز وأهم المخرجين في السينما المعاصرة. إذ اشتهر بقدرته على المزج بين الجمالية البصرية والقصص الإنسانية العميقة، وأعماله تُعرف باستخدامها المبتكر للتصوير، والمحتوى العاطفي، والتقنيات السينمائية الفريدة.
كوارون، الذي يمثل مع غييرمو ديل تورو وأليخاندرو غونزاليس إيناريتو رواد "الموجة المكسيكية الجديدة"، نجح في تقديم مغامرة فضائية فريدة في Graviry (أوسكار أفضل مخرج سنة 2014) كما نجح أيضا في فيلم حميمي وعاطفي هو Roma الذي مكن حينها منصة البث التدفقي نيتفليكس من اقتحام المهرجانات السينمائية العالمية لأول مرة، وفاز سنة 2018 بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي، ثم أوسكار أفضل مخرج.
إنه سيرة ذاتية بالأبيض والأسود، يسرد فيها كوارون طفولته في حي "روما" بمدينة مكسيكو. حيث يتناول الفيلم حياة خادمة منزلية عند أسرة من الطبقة المتوسطة خلال السبعينيات، ويستعرض التحديات والصراعات التي تواجهها.
كوارون عبر، من خلال مسلسل انطلق عرضه على منصة + Apple منذ 11 أكتوبر 2024 بعنوان Disclaimer "نفي"، أن له القدرة نفسها للإبهار والابتكار في التلفزيون، كما في السينما. فالمسلسل مقتبس عن رواية رينيه نايت الصادرة عام 2015، ويحكي قصة كاثرين رافنسكروفت، صحافية وثائقية شهيرة تُجسّدها كيت بلانشيت، تتلقى رواية غامضة تكشف أسراراً دفينة من ماضيها، مما يهدد حياتها المهنية والشخصية.
يشارك في البطولة كيفن كلاين بدور ستيفن بريغستوك، وساشا بارون كوهين بدور روبرت رافنسكروفت، زوج كاثرين. ويتألف المسلسل من سبع حلقات، ويتميز بجمالية تصويرية وأداء تمثيلي قوي، مع استخدام مكثف للتعليق الصوتي والفلاش باك.
إن Disclaimer عمل يبرز لماذا يُعتبر ألفونسو كوارون أحد أعظم مخرجي عصرنا. لقد أثبت أنه قادر على توظيف السينما والتلفزيون كوسائط سردية تُمكنه من نقل نفس النوع من العمق الإنساني والرؤية الفنية المتكاملة. وذلك بفضل قدرته الفائقة على التكيف مع الإيقاع والتحديات المختلفة لكل وسيلة، وامتلاكه لرؤية فنية واضحة يمكن تطبيقها في سياقات مختلفة. هو مخرج يتمتع بالمرونة، والإبداع، والإتقان الفني، مما يسمح له بخلق أعمال تمتاز بالعمق البشري والجمال البصري، بغض النظر عن الشاشة التي تُعرض عليها. هذا التفوق ليس نتيجة الحظ، بل هو نتيجة عقود من الخبرة، والتعلم، والرغبة المستمرة في دفع حدود الإبداع السينمائي والتلفزيوني.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
الأنشطة الأميرية