رياضة
من ميسي إلى رونالدو .. كيف تطيل علوم الرياضة عمر نجوم الكرة؟
18/07/2026 - 12:48
فدوى العزيزي
لم يعد حاجز الثلاثين يعني بداية النهاية لنجوم الصف الأول في عالم كرة القدم، فاليوم، يعيد جيل من العمالقة صياغة القوانين الزمنية للمستطيل الأخضر، مستمرين في العطاء بقمة مستوياتهم البدنية والذهنية في منتصف الثلاثينيات وأعتاب الأربعينيات.
هذا التحول الإستراتيجي لم يعد مجرد طفرة في الإعداد البدني، بل بات يمثل تحولا جذريا في منظومة الحكامة الرياضية، حيث تحولت العلوم الحديثة وتقنيات الاستشفاء من مجرد "قسم علاجي" تقليدي، إلى ذراع إستثمارية وإدارية حاسمة تعتمد عليها الأندية العالمية لحماية أصولها البشرية وتأمين ملايينها المستثمرة في سوق الانتقالات.
وفي هذا الصدد، يؤكد الباحث في التدبير والحكامة الرياضية، مراد بنتوك، هذا التوجه مشيرا إلى أن الأندية العالمية أحدثت قطيعة فعلية مع المنطق الكلاسيكي للتسيير، إذ لم يعد اللاعب مجرد اسم في التشكيلة الأساسية أو أداة لتحقيق الانتصارات الآنية، بل تحول إلى "أصل استراتيجي ورأسمال بشري عالي القيمة" يستوجب الاستثمار المستدام فيه وحمايته وتنمية قدراته، تماما كالأصول الإنتاجية في كبرى المؤسسات الاقتصادية.
الثورة العلمية وتغيير الفلسفة الإدارية
فرض هذا التحول البنيوي نفسه بفعل الطفرة المتسارعة التي شهدتها علوم الرياضة والطب الرياضي، مغيرا الفلسفة التدبيرية للأندية من المقاربة "العلاجية" التقليدية (التي تقتصر على معالجة الإصابات بعد وقوعها) إلى مقاربة "استباقية" وقائية.
وترتكز الحكامة الحديثة اليوم على إدارة الأحمال التدريبية، وتحسين برامج الاستشفاء، وتدقيق التغذية الرياضية، ومراقبة جودة النوم، فضلا عن الاعتماد الواسع على تحليل البيانات بهدف الحفاظ على الجاهزية القصوى للاعب وإطالة مسيرته الاحترافية.
وفي هذا الإطار، يشير الباحث في التدبير والحكامة الرياضية، مراد بنتوك، إلى أن أبحاث ومصنفات رائدة لخبراء دوليين، من أمثال تيم غابيت، وجان إكستراند، وكريم خان، ومارتن بوشي، وستيفن سيلر، ورولز باهر، أسهمت في ترسيخ هذا المنظور.
ويوضح أن الأدبيات العلمية أثبتت أن الأداء الرياضي المستدام لا يتأسس على الموهبة الفطرية وحدها، بل يرتكز بالأساس على الإدارة العلمية للأحمال البدنية، والوقاية الممنهجة من الإصابات، والتخطيط الدقيق لعمليات الاستشفاء.
ولم تعد هذه المفاهيم حبيسة الرفوف الأكاديمية، بل تحولت إلى ممارسة يومية وهياكل قائمة داخل كبريات الأندية الأوروبية مثل ريال مدريد، ومانشستر سيتي، وليفربول، وبايرن ميونيخ، ويوفنتوس، وميلان.
وتضخ هذه الأندية ملايين اليوروهات سنويا في منظومات الطب الرياضي، وتحليل الأداء، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات تتبع المؤشرات الحيوية. وتأتي هذه الاستثمارات انطلاقا من معادلة اقتصادية واضحة يؤكدها الباحث المغربي تشدد على أن تكلفة غياب لاعب بارز بسبب الإصابة أو تراجع مستواه البدني تتجاوز بكثير كلفة الاستثمار في الوقاية والرعاية العلمية، مما جعل الحفاظ على الجاهزية استثمارا بعيد المدى ينعكس مباشرة على القيمة السوقية للنادي ونتائجه الرياضية.
إدارة "العمر الرياضي" وإستراتيجية التعاقدات
تتجلى ثمار هذا التطور العلمي في امتداد المسيرة الاحترافية لجيل من عمالقة اللعبة مثل ليونيل ميسي، وكريستيانو رونالدو، ولوكا مودريتش، الذين استمروا في تقديم مستويات عالية في منتصف الثلاثينيات وبداية الأربعينيات. حيث يرى بنتوك أن هذا الامتداد لم يعد يصنف كطفرة استثنائية، بل كأثر مباشر للتقدم في التغذية الدقيقة والمتابعة الطبية المستمرة، مما يعني أن "العمر الرياضي" بات متغيرا قابلا للإدارة العلمية والتوقع، بعد أن كان مسارا تحكمه السن البيولوجية حتميا.
وعلى مستوى التدبير الإداري، يوضح مراد بنتوك أن هذا المعطى أحدث تغييرا جذريا في فلسفة التعاقدات وإدارة الموارد البشرية داخل الأندية، إذ إن قدرة اللاعب المخضرم على العطاء لفترة أطول جعلت قرارات الانتداب، وتجديد العقود، وتخطيط التعاقب بين الأجيال أكثر تعقيدا وأشد ارتباطا بالمؤشرات الرقمية والبدنية، بحثا عن توازن دقيق بين خبرة المخضرمين وحيوية المواهب الصاعدة، ضمن رؤية استراتيجية تتجاوز حدود الموسم الواحد.
المنظومة الوطنية وتحديات الحكامة العلمية
وعلى الصعيد الوطني، يشدد بنتوك على أن نجاح هذا النموذج الرياضي الحديث لا يرتبط بالأندية بشكل منفرد، بل يستلزم وجود منظومة وطنية متكاملة تتداخل فيها مجالات التكوين والبحث العلمي والطب الرياضي والحكامة الشاملة. ويضم المغرب حاليا اللبنات الأساسية لتطوير هذا النموذج، حيث يشكل "المعهد الملكي لتكوين أطر الشبيبة والرياضة" مركزا محوريا لإعداد الأطر التقنية والإدارية المؤهلة لنقل المعارف الحديثة في علوم التدريب إلى مكونات الحركة الرياضية.
كما تقدم "أكاديمية محمد السادس لكرة القدم" نموذجا عمليا يحتذى به للاستثمار في الرأسمال البشري الرياضي عبر المزاوجة بين التكوين الكروي والمتابعة الطبية الممنهجة والتحليل العلمي للأداء، وهو ما برهن على نجاعته في جودة المخرجات البشرية للأكاديمية وحضورها المتزايد في الدوريات الأوروبية والمنتخبات الوطنية.
من جهة أخرى، يرى أن الدور الحمائي والتوعوي للوكالة المغربية لمكافحة المنشطات يسهم في ترسيخ ثقافة الرياضة النظيفة والنزاهة، وهي محاور لا تتجزأ من الحكامة الرياضية الحالية. غير أن الرهان الحقيقي، حسب الباحث في التدبير والحكامة الرياضية، يظل مرتبطا بمدى مأسسة الشراكات بين الأندية والجامعات الملكية من جهة، والجامعات ومعاهد علوم الرياضة الوطنية من جهة ثانية، باعتبارها الفضاء الطبيعي لإنتاج المعرفة في مجالات الفسيولوجيا، والبيوميكانيك، والذكاء الاصطناعي، لتجاوز التدبير القائم على الخبرات الفردية نحو التدبير القائم على الأدلة العلمية.
رهان المستقبل والمونديال
وينتهي بنتوك إلى أن التحدي التدبيري للمرحلة المقبلة لا يتوقف عند تشييد المنشآت الرياضية أو إبرام التعاقدات فحسب، بل يمتد نحو الاستثمار في "البنية التحتية غير المرئية" التي تشمل العقول والخبرات والمختبرات العلمية، مؤكدا أن كل درهم يستثمر في البحث العلمي والوقاية يوفر كلفا باهظة ناجمة عن فترات غياب اللاعبين وتراجع قيمتهم السوقية.
ومع استعداد المغرب للمساهمة في تنظيم كأس العالم 2030، تبدو الفرصة سانحة للانتقال التدبيري نحو بناء منظومة وطنية متكاملة لعلوم الرياضة، تضع صحة اللاعب وجاهزيته في قلب العملية الاستثمارية، وتعتمد على الدليل العلمي كأساس لاتخاذ القرار الإداري والفني، فكرة القدم الحديثة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تحسم فقط فوق أرضية الملعب، بل أصبحت تصنع أيضا داخل المختبرات، ومراكز البحث، ووحدات الطب الرياضي، وغرف تحليل البيانات. ومن يدرك هذه الحقيقة مبكرا، لن يربح المباريات فحسب، بل سيربح المستقبل أيضا.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة