مجتمع
بوصلة "التراند".. كيف تُوجّه مواقع التواصل الاجتماعي حقائب السفر؟
18/07/2026 - 21:47
شهرزاد عيوش
باتت منصات التواصل الاجتماعي اليوم تتحكم في البوصلة السياحية لملايين المسافرين عبر العالم، واضعة خوارزميات الشاشات الزرقاء في صدارة موجهي قرار السفر. فبينما كان السائح في الماضي يعتمد على كتيبات الوكالات ونصائح الأصدقاء، أصبحت لقطة فيديو قصيرة أو صورة معدلة بعناية كفيلة بتحويل نقطة جغرافية منسية إلى تراند عالمي يتدفق نحوه آلاف الزوار لتوثيق تواجدهم في الأماكن الأكثر شهرة افتراضية.
هذا الزخم الرقمي المتسارع نقل ثقل الترويج السياحي من المؤسسات التقليدية إلى فضاء المؤثرين وصناع المحتوى، مفسحا المجال أمام المنشآت المحلية الصغرى لفرض وجودها في السوق الافتراضية.
وبينما يساهم هذا التحول في فك العزلة وإنعاش اقتصاد مناطق ناشئة، فإنه يضع مصداقية "الصورة الافتراضية" على المحك، ويفرض تحديات جمة ترتبط بقابلية هذه الوجهات للاستمرار بعد خفوت بريق المتابعات الرقمية.
ثورة رقمية تزيح الوسائط الكلاسيكية
وفي هذا الصدد، أكد الخبير في المجال السياحي، الزوبير بوحوت، أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت خلال العقد الأخير إلى واحدة من أهم القوى المؤثرة في صناعة السياحة العالمية، منتزعة الدور الترويجي الذي احتكرته لعقود الوكالات الكلاسيكية ومحركات البحث لصالح منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام".
واستند بوحوت، في تصريحه لـSNRTnews، إلى التقديرات الدولية لسنة 2025 التي تفيد بأن أكثر من 5.3 مليارات شخص يستعملون مواقع التواصل الاجتماعي (64% من سكان العالم) بمعدل ساعتين و20 دقيقة يوميا، ما جعل السفر أحد أكثر المواضيع استهلاكا رقميا؛ إذ يستلهم ما بين 70% و80% من المسافرين، خصوصا الشباب، أفكار رحلاتهم من المحتويات الافتراضية، التي باتت أقوى أثرا من الحملات الإعلانية نظرا لقربها من التجربة الواقعية.
ونبه الخبير إلى تغير آلية اتخاذ القرار السياحي؛ حيث أصبحت الصورة تسبق الوجهة نفسها بفعل بروز مفهوم ما يسمى بـ"TikTok Tourism"، مستدلا بوجهات عالمية كانت شبه مجهولة وحققت طفرة قياسية بفضل مقاطع "فيروسية"، مما ساهم في إعادة توزيع الحركة السياحية عالميا وكسر احتكار الحواضر الكبرى لفائدة مناطق قروية وشواطئ نائية ومطاعم محلية بسيطة.
وعلى الصعيد الوطني، أبرز المتحدث أن هذا التأثير ظهر بوضوح في المغرب خاصة بعد مونديال قطر 2022، حيث عزز الزخم الرقمي للمؤثرين الحضور الافتراضي للمملكة وأبرز تنوعها الثقافي والتراثي في أسواق جديدة كأمريكا الشمالية والآسيوية، مستدركا بأن النجاح الحقيقي يظل رهينا بجودة البنية التحتية والخدمات على أرض الواقع لتلبية سقف التوقعات الافتراضية.
هوس "التراند" وأزمة الاستيعاب الميداني
وأوضح بوحوت أن السياحة المرتبطة بـ"التراند" تمثل سلاحا ذو حدين؛ فبقدر ما تفتح آفاقا تنموية وتوفر ترويجا مجانيا مهما يخفض تكاليف الحملات الدولية، بقدر ما قد تخلق نموا هشا ومؤقتا بالنظر إلى أن "التراند" بطبيعته متقلب وسريع الزوال مقارنة بـ"الجاذبية المستدامة" التي تتطلب استثمارات طويلة المدى.
وحذر من كابوس "السياحة المفرطة" (Overtourism) الذي بدأت تعاني منه مواقع عالمية استقبلت تدفقات تفوق طاقتها الاستيعابية، مما تسبب في ضغط على المرافق العمومية، وتدهور النظم البيئية والتراثية، وارتفاع أسعار الإيجارات، وهو ما دفع مدنا كالبندقية وبرشلونة لفرض إجراءات صارمة للحد من هذه التدفقات العشوائية.
وذكر بوحوت أن هذه الانعكاسات ولّدت توجها عكسيا يعرف بـ "Destination Dupes" أو الوجهات البديلة، حيث بات السياح يبحثون عن الخصوصية والأصالة في أماكن أقل ازدحاما وتكلفة، معتبرا أن هذا التحول يمثل فرصة استراتيجية ذهبية للمغرب لترويج وجهاته القروية كالواحات والشواطئ النائية، مشددا على أن المؤشر الحقيقي للنجاح ليس حصد ملايين "اللايكات" بل القدرة على تحويل الزائر العابر إلى زبون دائم.
فك العزلة بقوة الفصول الأربعة
وفي سياق متصل، يرى عبد العالي نادر، وهو مسير ومسؤول عن "مأوى أوجغال" بمنطقة "بوتفردة" بإقليم بني ملال، أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت أداة لا غنى عنها لفك العزلة عن المناطق غير المعروفة وتسهيل وصول السياح إليها، مبرزا أن نشر المحتوى يفتح آفاقا جديدة لوجهات كانت بالأمس القريب منسية وخارج الحسابات.
وأوضح نادر، في شهادة ميدانية لـSNRTnews لتسليط الضوء على تفاعل السياحة القروية والجبلية مع هذه الطفرة الافتراضية، أن الاستراتيجية التسويقية للمأوى تعتمد بشكل أساسي على مواكبة الفصول الأربعة، إذ يتم تطويع المحتوى البصري بناء على تقلبات الطقس لضمان استمرار جاذبية المنطقة طيلة السنة؛ ففي الفترات الباردة يتم التركيز على ترويج صور الثلوج الكثيفة لاستقطاب محبي الأجواء الشتوية، بينما يتحول التركيز في الربيع نحو الطبيعة الخضراء والمناظر الدافئة، وصولا إلى فصل الصيف حيث يتم تسويق اعتدال جو المنطقة وبرودتها مقارنة بهجير المدن الكبرى.
وأضاف المتحدث ذاته أن هذا الأسلوب في النشر والمشاركة يحظى بتفاعل واسع من طرف رواد العالم الافتراضي، الذين يغمرون المنصة بالاستفسارات والتساؤلات؛ حيث يتركز اهتمام المتابعين على معرفة أدق تفاصيل الرحلة، بدءا من الموقع الجغرافي وكيفية الوصول، مرورا بظروف الإقامة والمبيت، ووصولا إلى جودة التغذية والوجبات المحلية المتاحة.
واختتم نادر هذه النقطة بالإشارة إلى أن الترويج الرقمي يخدم المنظومة السياحية المحلية بشكل جماعي، إذ إن تنظيم الرحلات والتعريف بالمسارات السياحية لا يقتصر نفعه على منشأة بعينها، بل يساهم في تحريك العجلة الاقتصادية للبلدة ككل، مما يتيح للجيران والمآوي المحيطة الاستفادة من هذا التدفق البشري الناجم عن الإشهار الرقمي.
ومن جانب آخر، نبه مسير مأوى "أوجغال" إلى الوجه الآخر للعملة الرقمية، معتبرا أن مصداقية المحتوى السياحي على شبكات التواصل تظل نسبية وتختلف باختلاف النوايا، حيث يلجأ بعض المروجين إلى الإفراط في استخدام "الفلاتر" والمؤثرات السمعية والبصرية لكسب التفاعل ودخول "الطوندونس"، وهو ما يتسبب أحيانا في صدمة سلبية للزائر الذي يجد أمامه واقعا مغايرا للتوقعات ويشعر بأن الصورة كذبت عليه.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد