اقتصاد
صيف 2026.. وجهات جديدة تعيد رسم خريطة السياحة الداخلية
07/06/2026 - 09:18
خولة ازنيزني
تشهد خريطة السياحة الداخلية بالمغرب خلال صيف 2026 تحولا لافتا، مع بروز وجهات جديدة بدأت تستقطب اهتمام الأسر والشباب الباحثين عن الهدوء والطبيعة والأسعار المناسبة، بعيدا عن المدن السياحية التقليدية التي اعتادت تصدر المشهد كل موسم.
فبين شواطئ هادئة لم تكن معروفة لدى كثير من المغاربة، وقرى جبلية تحولت إلى ملاذ للفارين من الحرارة والضجيج، يلاحظ مهنيون في القطاع السياحي تغيرا تدريجيا في اختيارات السائح المغربي، الذي أصبح يبحث عن تجارب سفر مختلفة تجمع بين الاستجمام والطبيعة والتكلفة المعقولة.
ويرى خبراء ومهنيون أن هذا التحول ساهم في بروز مناطق كانت إلى وقت قريب شبه غائبة عن الخريطة السياحية، قبل أن تتحول إلى وجهات مطلوبة بفضل طبيعتها البكر وهدوئها، إلى جانب انخفاض تكاليف الإقامة والخدمات مقارنة بعدد من المدن المعروفة بارتفاع الأسعار.
من الجبهة إلى بليونش
في شمال المملكة، تتحول منطقة الجبهة التابعة لإقليم شفشاون تدريجيا إلى واحدة من أبرز الوجهات المرشحة لاستقطاب المصطافين خلال الموسم الصيفي الحالي، بفضل جمعها بين البحر والجبال، واحتفاظها بطابع هادئ يفتقده كثير من الزوار في المدن الساحلية الكبرى.
وتتميز الجبهة، الواقعة بين جبال الريف وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط، بشواطئ صخرية ذات مياه زرقاء صافية، من بينها “بلايا مونيكا” و”مرس الدار” و”الأحواض”، إضافة إلى طبيعتها الجبلية التي تمنحها خصوصية مختلفة عن باقي الوجهات الساحلية المعروفة.
كما تستفيد المنطقة من انخفاض تكاليف الإقامة مقارنة بعدد من مدن الشمال، فضلا عن هدوئها وكرم ساكنتها، وهو ما يجعلها وجهة مفضلة للعائلات الباحثة عن الاستجمام بعيدا عن الاكتظاظ.
وفي السياق ذاته، بدأت قرية بليونش القريبة من مدينة الفنيدق تستقطب اهتمام المصطافين من مختلف مناطق المغرب، بفضل شواطئها ومياهها الزرقاء وطبيعتها الجبلية المحاطة بمرتفعات جبل موسى. كما تعرف المنطقة انتشار أنشطة الغوص، بالنظر إلى غنى مياهها بأنواع متعددة من الأسماك والكائنات البحرية.
أما شاطئ سيدي مغايث جنوب مدينة أصيلة، فقد أصبح بدوره وجهة مفضلة للراغبين في قضاء عطلة هادئة بأقل تكلفة، خاصة من الشباب والعائلات، حيث يتميز برماله الذهبية ومياهه النقية والتلال الخضراء المحيطة به، ما يجعله مناسبا للتخييم والاسترخاء.
وفي مدينة تطوان، يواصل شاطئ واد لاو استقطاب الزوار خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى جمعه بين البحر والجبال ونقاء مياهه المتوسطية، ما جعله يستقطب سياحا من داخل المغرب وخارجه.
ويرى مهنيون أن الارتفاع الملحوظ في أسعار الإقامة والخدمات السياحية بعدد من المدن التقليدية، خصوصا في طنجة وتطوان والفنيدق، يساهم في توجه عدد من الأسر نحو هذه الوجهات البديلة، خاصة مع انتشار الصور والفيديوهات الخاصة بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي لعبت دورا كبيرا في تحويل مناطق كانت شبه مجهولة إلى وجهات “ترند” خلال فصل الصيف.
السياحة الجبلية تفرض نفسها
إلى جانب الوجهات الساحلية، تشهد السياحة الجبلية بدورها إقبالا متزايدا من طرف الأسر المغربية الباحثة عن المناخ المعتدل والطبيعة الهادئة.
وتبرز منطقة تافوغالت بإقليم بركان ضمن أبرز الوجهات الجبلية التي يرتقب أن تعرف إقبالا مهما خلال الصيف الحالي، بفضل غاباتها وكهوفها ومناظرها الطبيعية، إلى جانب التطور الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة على مستوى دور الإيواء السياحي والمقاهي الجبلية.
كما أصبحت مناطق مثل بين الويدان وآيت بوكماز وإيموزار كندر تستقطب أعدادا متزايدة من الزوار الباحثين عن الابتعاد عن الحرارة المرتفعة التي تعرفها المدن الكبرى خلال فصل الصيف.
وجهات للسياحة الإيكولوجية والرياضية
وفي جهة سوس ماسة، تتجه الأنظار نحو شواطئ إمسوان وتغازوت، التي تحولت إلى قبلة لعشاق ركوب الأمواج، خاصة لدى الشباب، بفضل أجوائها الهادئة ومشاهدها الطبيعية وتوفرها على دور ضيافة وفنادق صغيرة ومطاعم متخصصة في المأكولات البحرية.
كما بدأت مناطق جنوبية مثل الكزيرة وميرلفت تستقطب اهتماما متزايدا، رغم محدودية البنيات التحتية والخدمات السياحية بها، وهو ما يرى مهنيون أنه يتطلب مزيدا من الاستثمار لتطوير هذه الوجهات وجعلها أكثر قدرة على استقطاب أعداد أكبر من السياح.
من بين الوجهات التي تواصل تعزيز مكانتها ضمن خريطة السياحة الداخلية، تبرز مدينة الداخلة التي لم تعد تقتصر على استقطاب السياح الأجانب فقط، بل أصبحت تستقطب المغاربة أيضا، بفضل موقعها الجغرافي الفريد ومؤهلاتها الطبيعية المتنوعة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الداخلة تطورا ملحوظا في البنيات التحتية والمشاريع السياحية المستدامة، ما جعلها تفرض نفسها كوجهة عالمية للسياحة الإيكولوجية والرياضية، خاصة لدى عشاق الرياضات المائية.
تتميز المدينة في الجمع بين سحر الصحراء وجمالية المحيط الأطلسي، وهو ما ساهم في ترسيخ صورتها كقطب سياحي واعد يستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
وفي هذا الإطار، أكد محمد السملالي، رئيس الفيدرالية الوطنية لوكالات الأسفار بالمغرب، أن فترة الصيف تعرف عادة ارتفاعا مهما في الطلب على الوجهات السياحية الوطنية، خاصة الساحلية منها، مشيرا إلى أن الوجهات الشاطئية تظل الخيار الأول لعشاق الاستجمام ورياضات الأمواج والطبيعة البكر.
وأوضح السملالي، في تصريح لـSNRTnews، أن الساحلين المتوسطي والأطلسي يضمان عددا من الشواطئ الحاصلة على علامة “اللواء الأزرق”، إلى جانب تنامي الإقبال على السياحة الجبلية التي أصبحت بدورها تستقطب الأسر المغربية الباحثة عن الهدوء والمناخ المعتدل.
وأضاف أن المؤسسات السياحية، سواء الفنادق المصنفة أو دور الضيافة، تعمل على توفير عروض متنوعة تستجيب لمختلف الفئات الاجتماعية، معتبرا أن تشجيع السياحة الداخلية يمر عبر تقديم أسعار مناسبة وخدمات جيدة، إلى جانب تطوير البنيات التحتية وخلق بيئة سياحية متكاملة.
تغير سلوك السائح
ويؤكد أن تغير سلوك السائح المغربي لعب دورا أساسيا في بروز هذه الوجهات الجديدة، حيث لم يعد جزء مهم من المصطافين يفضل الوجهات المكتظة المرتبطة فقط بالسياحة الشاطئية التقليدية، بل أصبح يبحث عن فضاءات طبيعية وتجارب مختلفة، سواء في الجبل أو القرى أو الشواطئ الهادئة.
ويرى أن ارتفاع الأسعار أصبح عاملا مؤثرا بشكل كبير في اختيارات الأسر المغربية، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية، ما دفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر هدوءا.
من جهته، أوضح الخبير السياحي الزبير بوحوت أن مختلف المناطق المغربية تعرف خلال فصل الصيف حركة سياحية مهمة، بسبب تزامن العطل بين شهري يونيو وغشت، مشيرا إلى أن الطلب يتوزع بين السياح الأجانب ومغاربة العالم والمواطنين المغاربة.
وأضاف بوحوت، في تصريح لـSNRTnews، أن الإقبال يشمل الوجهات الشاطئية والجبلية والمناطق التي تتوفر على بنية تحتية قوية، خاصة في الشمال ونواحي مراكش، لكنه أكد، في المقابل، أن هناك مناطق جديدة بدأت تتحول إلى وجهات مطلوبة رغم أنها لم تكن معروفة في السابق، لأنها توفر تجربة طبيعية وأسعارا مناسبة.
وأشار إلى أن من بين هذه المناطق ويركان بالأطلس الكبير، وسكورة، وللا تكركوست ضواحي مراكش، إضافة إلى منطقة الجبهة قرب شفشاون.
وأكد أن ارتفاع الأسعار في عدد من الوجهات التقليدية، سواء بالفنادق أو المطاعم أو حتى خدمات بسيطة مثل مواقف السيارات، دفع الكثير من الأسر إلى اختيار مناطق بديلة توفر مستوى مقبولا من الخدمات، مع إمكانية اكتشاف مناطق جديدة وثقافات محلية مختلفة.
وشدد بوحوت على ضرورة إيلاء اهتمام أكبر بالسائح المغربي، عبر تطوير مشاريع سياحية تستجيب لاحتياجاته وإمكانياته المادية، إلى جانب تنويع العرض السياحي الداخلي وتحسين جودة الخدمات مقارنة بالأسعار المؤداة.
كما اعتبر أن المغرب يتوفر على مؤهلات طبيعية وسياحية متنوعة قادرة على جعل السياحة الداخلية رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، خاصة إذا تم الاستثمار بشكل أكبر في البنيات التحتية والحفاظ على الطابع البيئي والثقافي للمناطق الصاعدة.
من جهته، أكد مدير الجمعية الجهوية لوكالات الأسفار بجهة درعة تافيلالت، محمد تاخشي، أن الجهة تشهد خلال السنوات الأخيرة تحولا لافتا في نوعية الوجهات السياحية المطلوبة، خاصة مع تزايد الإقبال على السياحة الجبلية وسياحة المغامرات، التي أصبحت تشكل بديلا عن الوجهات التقليدية المعروفة.
وأوضح تاخشي، في تصريحه لـSNRTnews، أن مضايق دادس تعد من أبرز المناطق التي يرتقب أن تعرف إقبالا مهما خلال فصل الصيف، بالنظر إلى مؤهلاتها الطبيعية والمناخية، حيث تقع بين بومالن دادس وأمسمرير وسط تضاريس جبلية متنوعة شكلها نهر دادس عبر آلاف السنين.
وأضاف أن المنطقة تتميز بمناظر طبيعية خلابة وصخور شاهقة وواحات خضراء، إلى جانب كرم الضيافة الذي يميز سكانها المحليين، كما بدأت واحة أملاكو التابعة لإقليم الرشيدية تستقطب بدورها عشاق تسلق الجبال والسياحة البيئية بفضل مناخها المعتدل وطبيعتها الهادئة.
وأشار كذلك إلى أن مضايق أمكون، خاصة مضيق “أشعبو” أو “تين ووتشي”، أصبحت تستقطب محبي المغامرة والرياضات الجبلية، حيث توفر إمكانية ممارسة أنشطة مثل التجديف الجماعي والتخييم وتسلق الجبال.
وأكد أن الإقبال على هذه المناطق يتزايد سنة بعد أخرى، بالنظر إلى اعتدال درجات الحرارة بها وتوفرها على مؤهلات طبيعية تسمح بممارسة أنشطة متنوعة، فضلا عن كونها تشكل بديلا عن الوجهات السياحية المكتظة خلال فصل الصيف.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد