اقتصاد
ارتفاع الشكايات البنكية بـ56 %.. كيف يمكن استرجاع الحقوق؟
23/07/2026 - 16:33
خولة ازنيزني
واصلت شكايات الزبناء ضد المؤسسات البنكية منحاها التصاعدي خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الشكايات التي يعالجها بنك المغرب أو الملفات المعروضة على الوسيط البنكي، في وقت يؤكد فيه مهنيون أن هذا الارتفاع يعكس تنامي وعي الزبناء بحقوقهم، لكنه يكشف، في المقابل، عن استمرار اختلالات في بعض الخدمات البنكية، بالتزامن مع تزايد الإقبال على آليات الوساطة باعتبارها بديلا مجانيا لتسوية النزاعات.
أظهر التقرير السنوي حول الرقابة البنكية أن بنك المغرب عالج خلال سنة 2025 ما مجموعه 3591 شكاية، بارتفاع نسبته 56 في المائة مقارنة بسنة 2024، التي سجلت 2298 شكاية، مقابل 1459 شكاية سنة 2023.
وتوزعت الشكايات بين تدبير الحسابات البنكية ووسائل الأداء بنسبة 28 في المائة، تليها الشكايات المصنفة ضمن فئات أخرى بنسبة 21 في المائة، ثم قروض الزبناء بنسبة 20 في المائة، فيما لم تتجاوز شكايات التأمين البنكي 3 في المائة. وأفضت معالجة هذه الشكايات إلى صدور قرارات لفائدة المشتكين في 51 في المائة من الحالات، مقابل 49 في المائة لفائدة المؤسسات البنكية.
وفي السياق ذاته، ارتفع عدد الملفات التي عالجها الوسيط البنكي إلى 6674 ملفا خلال سنة 2025، مقابل 5084 ملفا سنة 2024، مسجلا زيادة بلغت 31 في المائة.
واستحوذت النزاعات المرتبطة بقروض الزبناء على 39 في المائة من الملفات، متبوعة بتدبير الحسابات البنكية بنسبة 32 في المائة، ثم وسائل الأداء بنسبة 21 في المائة، في حين مثلت ملفات التأمين البنكي 5 في المائة. وأسفرت عمليات الوساطة عن التوصل إلى اتفاقات في 53 في المائة من الملفات، مقابل 47 في المائة انتهت بمحاضر عدم التوصل إلى اتفاق.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول أسباب الارتفاع المتواصل في الشكايات، ومدى ارتباطه بتنامي وعي الزبناء بحقوقهم أو باستمرار بعض الاختلالات في الخدمات البنكية.
اختلالات معيقة
اعتبر المهدي لحلو، أستاذ الاقتصاد بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، أن الارتفاع المتواصل في عدد الشكايات الموجهة إلى الأبناك يعكس اتساع التعاملات البنكية مع الأفراد والمقاولات، ومن جهة أخرى استمرار عدد من الاختلالات في العلاقة بين المؤسسات البنكية وزبنائها، سواء على مستوى كلفة بعض الخدمات، أو تدبير الحسابات، أو جودة التواصل مع الزبناء.
وأوضح لحلو، في تصريحه لـSNRTnews، أن تنامي عدد الشكايات يعكس أيضا ارتفاع وعي المواطنين بحقوقهم المالية وتزايد لجوئهم إلى الآليات المتاحة لتسوية النزاعات.
في المقابل، أشار إلى أن عددا من المتضررين لا يزالون يعزفون عن تقديم شكاياتهم، إما بسبب ضعف الإلمام بحقوقهم، أو محدودية الثقافة المالية والرقمية، أو صعوبة فهم بعض الوثائق والعقود البنكية التي يغلب عليها استعمال اللغة الفرنسية، فضلا عن اعتقاد البعض أن مساطر الشكايات معقدة، رغم أنها مجانية.
واعتبر الخبير الاقتصادي والمالي أن ارتفاع هذه الملفات يستدعي مواصلة تحسين حكامة القطاع البنكي، وتعزيز الشفافية في العلاقة مع الزبناء، لا سيما من خلال الإخبار المسبق بالرسوم والشروط التعاقدية.
ودعا لحلو إلى تعزيز المنافسة داخل القطاع البنكي، وتشديد مراقبة جودة الخدمات بمختلف الوكالات، خاصة خارج المدن الكبرى، إلى جانب مواكبة ورش الشمول المالي ورقمنة الخدمات البنكية بتقوية الثقافة المالية والرقمية لدى المواطنين، بما يمكنهم من الاستفادة من الخدمات البنكية وممارسة حقوقهم على نحو أفضل.
الاحتيال يتصدر النزاعات البنكية
وقال المدير العام للوسيط البنكي، عبد الفتاح الأزرق، إن عدد الملفات المعروضة على المؤسسة يواصل الارتفاع سنة بعد أخرى، موضحا أن الوسيط استقبل، إلى حدود نهاية يونيو 2026، نحو 4680 ملفا، مقابل 3540 ملفا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة بلغت 1140 ملفا، في حين بلغ مجموع الملفات المسجلة خلال سنة 2025 حوالي 7245 ملفا.
وأوضح الأزرق، في تصريح لـSNRTnews، أن العمليات الاحتيالية أصبحت تحتل المرتبة الأولى ضمن النزاعات المعروضة على الوسيط، بنسبة 27 في المائة، داعيا الزبناء إلى توخي الحذر من محاولات النصب، ولا سيما عبر المكالمات الهاتفية التي تنتحل صفة المؤسسات البنكية.
وأضاف أن الملفات المتعلقة بإغلاق الحسابات البنكية تأتي في المرتبة الثانية بنسبة 14 في المائة، تليها القضايا المرتبطة بالصعوبات المالية، وإعادة جدولة القروض، وتأجيل الأداء، ووسائل الأداء بنسبة 12 في المائة، ثم مشاكل رفع اليد عن القروض بنسبة 5 في المائة، والتي غالبا ما ترتبط بتأخر تسليم وثيقة رفع اليد بعد سداد الدين.
وأكد أن الوسيط البنكي يتدخل في جميع النزاعات التي تدخل ضمن اختصاصه، باستثناء الملفات المعروضة على القضاء، أو المطالب المتعلقة بالتعويضات المالية، أو الشكايات المرتبطة بجودة الاستقبال، نظرا لصعوبة البت فيها بشكل موضوعي.
وأوضح الأزرق أن الزبناء يمكنهم الاستفادة من خدمات الوسيط البنكي عبر عدة قنوات، تشمل البريد العادي، والبريد الإلكتروني، والهاتف المحمول، أو بإيداع الملف مباشرة لدى مقر الوسيط، أو عبر شبابيك حماية المستهلك، فضلا عن بوابة وزارة الصناعة والتجارة، مشيرا إلى أن نحو 40 في المائة من الملفات المعروضة على الوسيط ترد عبر بنك المغرب.
مسطرة تقديم الشكاية
وبخصوص مسطرة تقديم الشكاية، أوضح الأزرق أن المشتكي يتقدم بطلبه إلى الوسيط البنكي (CMMB) عبر تعبئة الاستمارة المتوفرة على الموقع الإلكتروني للمركز، مرفقة بالوثائق والأدلة الداعمة.
وأضاف أنه بعد قبول الملف، يعمل الوسيط على التقريب بين وجهات نظر الأطراف المتنازعة واقتراح حل توافقي داخل أجل قانوني لا يتجاوز 40 يوما، ما لم تستوجب طبيعة الملف تمديد هذا الأجل لأسباب مبررة.
ويحق للزبون، سواء كان شخصا ذاتيا أو معنويا، اللجوء إلى الوسيط البنكي بعد استنفاد جميع المساطر الداخلية لتسوية النزاع مع مؤسسة الائتمان، سواء في حال عدم توصله بأي رد داخل الآجال المحددة، أو عدم اقتناعه بالجواب المقدم، شريطة ألا يكون النزاع معروضا على القضاء أو على هيئة تحكيمية، مع إرفاق الشكاية بالوثائق والأدلة المثبتة.
وتتميز هذه الآلية بكونها مجانية وطوعية وسرية، كما تقوم على مبادئ الاستقلالية والشفافية، دون أن تحول دون حق الأطراف في اللجوء إلى القضاء أو التحكيم في حال تعذر التوصل إلى تسوية.
الأرقام لا تعكس حجم المشاكل
من جهته، اعتبر رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، بوعزة الخراطي، أن ارتفاع عدد الشكايات يعد مؤشرا إيجابيا مقارنة بالسنوات السابقة، غير أنه يظل أقل من الحجم الحقيقي للمشاكل التي يواجهها الزبناء، مرجعا ذلك إلى ضعف الثقافة المالية وتردد عدد من المستهلكين في سلوك المساطر الإدارية.
وأوضح، في تصريح لـSNRTnews، أن اتفاقيات الشراكة الموقعة بين الوسيط البنكي وجمعيات حماية المستهلك مكنت من تقريب خدمات الوساطة إلى المواطنين عبر نحو 70 جمعية منتشرة بمختلف جهات المملكة، وهو ما ساهم في تسهيل الولوج إلى هذه الآلية المجانية، دون الحاجة إلى اللجوء إلى المحاكم.
وأشار إلى أن من أبرز الشكايات التي تتوصل بها الجمعيات تلك المتعلقة بصعوبة إغلاق الحسابات البنكية، إذ تستمر الرسوم في التراكم بعد التوقف عن استعمال الحساب، مما يجعل أداءها لاحقا أكثر صعوبة، إلى جانب النزاعات المرتبطة بالقروض، خاصة لدى مؤسسات التمويل، وما يرتبط بها من اقتطاعات مرتفعة، أو حجوزات على الحسابات والممتلكات، فضلا عن فرض خدمات أو احتساب رسوم دون موافقة الزبون، أو التوقف عن إرسال كشوفات الحساب بشكل دوري.
وأضاف أن الشكايات تشمل أيضا فتح حسابات بنكية دون علم أصحابها، والامتناع عن إغلاق الحسابات، والإشكالات المرتبطة بالقروض البنكية وآجال السداد، فضلا عن احتساب مصاريف إضافية غير مبررة، وغيرها من النزاعات المرتبطة بالخدمات البنكية.
وأكد الخراطي أن جزءا من المشاكل التي يتوصل بها المستهلكون يرتبط أيضا بسوء الاستقبال داخل بعض الوكالات البنكية، والتمييز بين الزبناء، وعدم احترام أسبقية الدور. وأضاف أن الجامعة تعمل، بتنسيق مع بنك المغرب، على تطوير معايير استقبال الزبناء داخل الوكالات البنكية، بما يشمل تحسين ظروف الاستقبال، وتوفير المعلومات الكافية حول الرسوم والخدمات والاقتطاعات، مؤكدا أن تجربة التعاون مع الوسيط البنكي أظهرت تسوية نحو 90 في المائة من الملفات المحالة عبر الجمعيات، غالبا داخل آجال تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر.
ودعا الخراطي الزبناء إلى عدم التردد في اللجوء إلى جمعيات حماية المستهلك أو إلى الوسيط البنكي عند نشوب أي نزاع مع مؤسسة بنكية أو مالية، مبرزا أن خدمات الوساطة مجانية بالكامل وتشكل وسيلة فعالة لاسترجاع الحقوق دون تحمل تكاليف التقاضي.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد