رياضة
المدرب المغربي.. هل تراجع فعلا أم أن البطولة تغيرت من حوله؟
18/07/2026 - 16:01
رضى زروق
لأربع سنوات متتالية، ظل مشهد رفع درع البطولة الاحترافية يتكرر مع مدربين أجانب. الفرنسي فيرناندو داكروز مع الجيش الملكي، والألماني جوزيف زينباور مع الرجاء الرياضي، ثم التونسي معين الشعباني مع نهضة بركان، وأخيرا الإسباني بابلو فرانكو مع المغرب الفاسي.
هذه السلسلة دفعت كثيرين إلى طرح سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه أكثر تعقيدا في جوهره: هل تراجع المدرب المغربي فعلا؟ وهل أصبح المدرب الأجنبي أكثر كفاءة، أم أن الصورة تخفي معطيات أخرى لا تقل أهمية عن الأرقام؟
أرقام توحي بتغير موازين القوى
إذا كانت السنوات الأربع الأخيرة قد ابتسمت للمدرب الأجنبي، فإن قراءة العقد الأخير كاملا تؤكد أن الظاهرة تستحق التوقف عندها. ففي آخر عشرة مواسم، توج ستة مدربين أجانب بلقب البطولة الاحترافية، مقابل أربعة مدربين مغاربة فقط.
فبعد لقب الويلزي جون توشاك مع الوداد سنة 2015، جاء الدور على التونسي فوزي البنزرتي في مناسبتين، ثم الألماني جوزيف زينباور، فالتونسي معين الشعباني، وأخيرا الإسباني بابلو فرانكو. في المقابل، اكتفى المدرب المغربي بأربعة ألقاب عبر الحسين عموتة وإدريس المرابط وجمال السلامي ووليد الركراكي.
لكن هذه الأرقام، وعلى الرغم من أهميتها، لا تقدم الحقيقة كاملة، فبين موسمي 2006-2007 و2015-2016، سيطر المدرب المغربي بشكل شبه مطلق على البطولة الاحترافية، بعدما توج بثمانية ألقاب من أصل عشرة.
مصطفى مديح في مناسبتين وفخر الدين رجحي وكل من محمد فاخر وعزيز العامري في مناسبتين أيضا، بالإضافة إلى وليد الركراكي... كلها أسماء طبعت تلك المرحلة، مقابل لقبين فقط لمدربين أجنبيين، البرتغالي جوزي روماو مع الرجاء والويلزي جون توشاك مع الوداد. وهو ما يطرح سؤالا آخر: ماذا تغير خلال السنوات الأخيرة؟
الأجنبي لا يشكل الأغلبية لكنه يحصد الألقاب
المثير للاهتمام أن المدرب الأجنبي لم يعد يشكل الأغلبية داخل البطولة كما كان في سنوات سابقة.
قبل أكثر من عشر سنوات، كانت غالبية أندية القسم الأول تنطلق كل موسم بمدربين أجانب، خصوصا من فرنسا والبرتغال وتونس.
أما اليوم، فأغلب الأندية أصبحت تعتمد على المدرب المغربي، فيما يقتصر حضور الأجنبي غالبا على الأندية التي تنافس على الألقاب أو تمتلك إمكانيات مالية أكبر.
ورغم ذلك، فإن الألقاب ذهبت في السنوات الأخيرة إلى مدربين أجانب، وهو ما جعل البعض يعتبر أن المدرب المحلي فقد بريقه، غير أن عددا من التقنيين المغاربة يرفضون هذا الاستنتاج، معتبرين أن المقارنة في الأصل غير عادلة.
عزيز العامري: الحكم الحقيقي يكون خارج الأندية الكبرى
يرى المدرب عزيز العامري أن الحكم على قيمة المدرب الأجنبي لا يجب أن يتم من خلال الأندية الكبرى فقط.
ويقول في تصريح لـSNRTnews إن الوداد أو الرجاء أو الجيش أو نهضة بركان تمتلك من الإمكانيات البشرية والمالية ما يسمح لأي مدرب جيد بالمنافسة على الألقاب، لذلك فإن الاختبار الحقيقي يكون مع الأندية المتوسطة أو الصغيرة.
ويضرب العامري المثال بتجربته مع المغرب التطواني، حين قاده إلى لقبين تاريخيين للبطولة، ثم المشاركة في دوري أبطال إفريقيا وكأس العالم للأندية، رغم أن الفريق لم يكن ضمن المرشحين التقليديين للمنافسة على اللقب.
وقبل ذلك، نجح في إنقاذ أولمبيك آسفي من النزول إلى بطولة الهواة، قبل أن يقوده إلى القسم الأول يحوله إلى فريق ينافس في المراتب الأولى ويشارك في دوري أبطال العرب.
ومن هذا المنطلق، يعتبر العامري أن تقييم المدرب يجب أن يرتبط بقدرته على صناعة مشروع رياضي، وليس فقط بقيادة فريق جاهز للمنافسة.
لماذا يغادر أفضل المدربين المغاربة؟
عامل آخر يفسر تراجع حضور المدرب المغربي في سباق الألقاب، يتمثل في هجرة عدد من أبرز الأسماء نحو بطولات ومنتخبات عربية.
الحسين عموتة قاد منتخب الأردن إلى إنجاز تاريخي بالوصول إلى نهائي كأس آسيا، ثم قاد نادي الجزيرة الإماراتي، قبل أن يشرف حاليا على الأهلي المصري.
أما جمال السلامي فقد اختار بدوره تدريب منتخب الأردن، بينما طارق السكتيوي يخوض تجربة جديدة مع منتخب سلطنة عمان. وهناك أسماء أخرى فضلت البحث عن ظروف عمل أكثر استقرارا وعقود مالية أفضل خارج البطولة الاحترافية.
في المقابل، فإن عددا من المدربين الأجانب الذين يأتون إلى المغرب لا ينتمون بالضرورة إلى الصف الأول في بلدانهم.
ويؤكد العامري أن أغلب المدربين الأوروبيين الذين يشتغلون في إفريقيا يبحثون عن فرص يصعب عليهم الحصول عليها داخل بطولاتهم المحلية، مضيفا أن عددا من المدربين المغاربة الحاليين يمتلكون تكوينا لا يقل جودة عنهم.
ويرى العامري أن أحد الأسباب التي ساهمت في تراجع حضور المدرب المغربي في الواجهة يرتبط أيضا بمنظومة التكوين، موضحا أن المدربين أصبحوا يتلقون تكوينهم داخل المغرب تحت إشراف مؤطرين من فرنسا وبلجيكا ودول أوروبية أخرى، "لكن هؤلاء ليسوا من مدربي الصف الأول في بلدانهم، وبالتالي فإن هذه الدورات، رغم أهميتها، لا تكفي لوحدها ولا تقدم الإضافة العلمية الكبيرة التي يحتاجها المدرب المغربي".
وأضاف أنه اختار الاستثمار في تكوينه الشخصي من ماله الخاص، بعدما خضع لتكوينات متقدمة في فرنسا وألمانيا، وحصل على شهادات عليا في التدريب على أيدي أسماء أوروبية مرجعية، معتبرا أن المدرب المغربي مطالب اليوم بالبحث عن تكوين مستمر يواكب تطور كرة القدم الحديثة.
أزمة التكوين.. الكم أكبر من الكيف
المدرب يوسف المريني يطرح زاوية مختلفة للنقاش، ففي تصريحه لـSNRTnews، يعتبر أن المدرب المحلي أصبح الحلقة الأضعف داخل المنظومة الكروية المغربية، ليس بسبب نقص الكفاءات، بل نتيجة الطريقة التي أصبح بها التكوين يمنح للمدربين.
ويقول إن السنوات الأخيرة عرفت تخرج مئات المدربين، لكن الكم أصبح أكبر من الكيف، بعدما باتت الدبلومات تمنح لأعداد كبيرة، مع تسجيل فوارق وتباين واضح في المستوى.
ويضيف أن المدرب المغربي في الماضي كان يتلقى فرصا أقل في التكوين، لكنه كان أكثر جاهزية على المستوى الميداني، وهو ما انعكس على عدد الألقاب التي كان يحققها.
هل يحظى المدرب المغربي بنفس الفرص؟
من بين أهم النقاط التي يثيرها المريني أيضا، طريقة تعامل الأندية الكبرى مع المدرب المغربي. ففي نظره، لا تمنح هذه الأندية الثقة للمدرب المحلي إلا في ظروف استثنائية، غالبا بعد إقالة مدرب أجنبي وانتظار التعاقد مع آخر.
وفي كثير من الحالات، يتحول المدرب المغربي إلى "حل مؤقت"، بينما يحظى المدرب الأجنبي بوقت أطول وصبر أكبر، إضافة إلى امتيازات مالية ولوجستيكية مختلفة.
ويضيف المريني أن بعض رؤساء الأندية أصبحوا يبحثون أحيانا عن مدربين يقبلون الاشتغال بتكلفة مالية أقل، أو لا يمانعون في تدخل بعض المسيرين في الجوانب التقنية، وهو ما يجعل عددا من المدربين المغاربة الذين راكموا اسما وخبرة يفضلون الابتعاد عن هذه التجارب.
كما شدد على أن الحكم على المدرب الأجنبي يجب ألا يكون من خلال الأندية الكبرى فقط، لأن هذه الفرق، بما تتوفر عليه من إمكانيات مالية وبشرية، قادرة على المنافسة على الألقاب سواء مع مدرب مغربي أو أجنبي، معتبرا أن الاختبار الحقيقي لأي مدرب يكون مع الأندية التي لا تدخل ضمن دائرة المنافسة التقليدية.
وأكد أيضا أن هجرة عدد من أفضل المدربين المغاربة نحو بطولات ومنتخبات عربية أثرت بدورها على مستوى البطولة، مبرزا أن عددا منهم يمتلكون كفاءة وشهادات تدريبية أعلى من بعض المدربين الأجانب، لكنهم لا يحصلون على الفرص نفسها، قبل أن يختم بالقول إن الخلل يكمن في معايير الاختيار، لأن "المؤطرين الأجانب الذين يشرفون على دورات تكوين المدربين بالمغرب ينبهرون هم أنفسهم بالمستوى الذي يتمتع به عدد من المدربين المغاربة".
والمفارقة أن التاريخ القريب يثبت نجاح المدرب المغربي مع أكبر الأندية. فالوداد توج مع فخر الدين رجحي ثم الحسين عموتة، وبعده وليد الركراكي.
والرجاء حصد اللقب مع محمد فاخر وجمال السلامي، والجيش توج بدوره رفقة الراحل مصطفى مديح ثم محمد فاخر، وهي أسماء تؤكد أن المدرب المغربي قادر على النجاح عندما تتوفر له نفس ظروف الاشتغال.
الأجنبي أيضا يفشل
في المقابل، يحذر المريني من الوقوع في فخ تمجيد المدرب الأجنبي بشكل مطلق، فمثلما توجد تجارب ناجحة، هناك أيضا إخفاقات كثيرة لا تحظى بنفس الاهتمام الإعلامي.
ويضرب المثال بالمدرب التونسي شكري الخطوي الذي لم ينجح في إنقاذ أولمبيك آسفي هذا الموسم، لينزل الفريق إلى القسم الثاني، إضافة إلى تجارب سابقة لمدربين أجانب غادروا البطولة دون أي بصمة تذكر.
كما يستحضر تجربة المدرب التونسي أحمد العجلاني مع أولمبيك خريبكة، حين ترك الفريق في وضعية معقدة، قبل أن يتولى المريني المهمة وينجح في إنقاذه من النزول خلال الجولات الأخيرة.
هل المشكلة في المدرب أم في المنظومة؟
قد تبدو الأرقام قاسية على المدرب المغربي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستواه، فالواقع يكشف أن عددا من أفضل المدربين المحليين غادروا البطولة نحو مشاريع أكثر استقرارا، بينما لا تزال الأندية المغربية تعاني من تغييرات متكررة على مستوى الأجهزة التقنية، وضغوط النتائج الفورية، وضعف الصبر على المشاريع طويلة الأمد.
في المقابل، يواصل المدرب الأجنبي الاستفادة من صورة نمطية تمنحه هامشا أكبر من الثقة، حتى عندما تكون حصيلته الفنية مشابهة لنظيره المغربي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يرتبط بما إذا كان المدرب المغربي أقل كفاءة من الأجنبي، بل ربما أصبح: هل توفر البطولة الاحترافية للمدرب المغربي نفس شروط النجاح التي تمنحها لغيره؟
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة