رياضة
بعد 41 سنة.. كيف بنى المغرب الفاسي نفسه حتى أصبح بطلا للمغرب؟
06/07/2026 - 21:14
رضى زروق
لم يكن تتويج المغرب الفاسي بلقب البطولة الاحترافية لموسم 2025-2026 مجرد مفاجأة رياضية أو نهاية سعيدة لموسم ناجح، بل كان ثمرة مشروع بدأ يتشكل بهدوء منذ سنوات، بعيدا عن الضجيج الإعلامي والصفقات المدوية.
فبعد أكثر من أربعة عقود على آخر لقب للبطولة سنة 1985، وبعد سنوات طويلة عاش خلالها الفريق بين الصعود والهبوط والأزمات المالية والإدارية، عاد "الماص" ليعتلي عرش الكرة المغربية، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة تماما.
فهذا اللقب لم يصنعه لاعب واحد أو مدرب واحد، بل صنعته منظومة كاملة اشتغلت وفق رؤية واضحة، جمعت بين الحكامة والهيكلة، والانضباط المالي والاستقرار التقني.
من سنوات المعاناة إلى ولادة مشروع جديد
قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن المغرب الفاسي يدور غالبا حول المشاكل المالية وتغيير المكاتب المسيرة، والصراع من أجل البقاء، بل وحتى اللعب في القسم الثاني.
ورغم أن النادي تمكن خلال تلك الفترة من كتابة بعض الصفحات المشرقة، مثل الثلاثية التاريخية سنة 2011 (كأس الكونفدرالية الإفريقية، السوبر الإفريقي وكأس العرش)، ثم التتويج بكأس العرش سنة 2016 وهو ينشط في القسم الثاني، فإن تلك النجاحات بقيت معزولة ولم تتحول إلى مشروع رياضي مستدام.
التحول الحقيقي بدأ عندما اختار مسؤولو النادي تغيير طريقة التسيير، والانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء مؤسسة رياضية حديثة.
شركة رياضية والحكامة قبل الانتدابات
من أهم أسباب نجاح المغرب الفاسي أنه لم يبدأ ببناء الفريق داخل الملعب، بل بدأ ببناء المؤسسة خارج الملعب. فالشركة الرياضية، برئاسة رجل الأعمال محمد بوزوبع، عملت على إرساء نموذج أكثر احترافية في التدبير، يقوم على توزيع واضح للاختصاصات، بدل تركيز جميع السلطات في يد شخص واحد.
فالرئيس لم يتحول إلى مدير رياضي، ولا إلى مسؤول عن الانتدابات، ولا إلى مدرب، بل أوكل كل ملف إلى صاحبه، وهو ما يعد من أهم مبادئ الحكامة الحديثة في كرة القدم.
فتم تعيين الدولي السابق بدر القادوري مديرا رياضيا، وأسندت الإدارة التقنية للفرنسي دافيد بولونجي، الذي راكم تجربة مهمة في التكوين والإدارة التقنية سواء مع أولمبيك مارسيليا أو نهضة بركان، بينما احتفظ كل طرف بمجال اختصاصه دون تداخل في الصلاحيات.
وهذا النموذج المؤسساتي، سمح باتخاذ القرارات الرياضية بناء على رؤية مشتركة، لا على ردود الفعل أو الضغوط الجماهيرية.
كما انعكس هذا التنظيم على الاستقرار المالي، إذ تفادى النادي الدخول في سباق المزايدات في سوق الانتقالات، ولم يسجل الموسم موجة نزاعات أو تعاقدات عشوائية أثقلت ميزانيته، وهو ما منح المشروع استمرارية افتقدتها أندية أخرى.
انتدابات ذكية.. لا أسماء لامعة
بينما اختارت أندية أخرى صرف أموال كبيرة على أسماء معروفة، فضل المغرب الفاسي البحث عن اللاعبين المناسبين للمشروع، وكان الرهان الأكبر هو التعاقد مع سفيان بنجديدة.
المهاجم العائد من تجربة صعبة في الدوري البلجيكي لم يكن ضمن الأسماء التي أثارت ضجة في سوق الانتقالات، بل شكك كثيرون في قدرته على استعادة مستواه، لكن إدارة "الماص" رأت ما لم يره الآخرون.
فمنحت اللاعب الثقة، ووظفته في البيئة المناسبة، ليتحول إلى هداف البطولة برصيد 20 هدفا، وهو أفضل رقم يحققه هداف الدوري المغربي منذ عبد السلام الغريسي سنة 1991، عندما أنهى الموسم بتسجيله 22 هدفا.
كما ضم الفريق أنس الطاهري القادم من الدوري الهولندي، والودادي السابق حمزة آيت علال العائد من بلغاريا، والمدافع المخضرم عادل الرحايلي، إلى جانب مجموعة من الصفقات الأخرى التي احترمت السقف المالي للنادي، مع منح الفرصة لعدد من لاعبي مركز التكوين وفريق الأمل.
بابلو فرانكو... الرجل الذي ربح الرهان
ربما كان أكثر القرارات جرأة هو التعاقد مع المدرب الإسباني بابلو فرانكو مارتين. عندما أعلن المغرب الفاسي عن اسمه، لم يكن معروفا لدى أغلب الجماهير المغربية، بل إن كثيرين اعتبروا التعاقد معه مغامرة.
لكن إدارة النادي لم تعتمد على شهرته، بل على سيرته المهنية وأفكاره، فالمدرب الإسباني اشتغل سابقا محللا للأداء لمنافسي ريال مدريد، ولو لفترة قصيرة، قبل أن يخوض تجارب تدريبية في الكويت وتنزانيا والسعودية وجنوب إفريقيا.
ومنذ وصوله إلى فاس، نجح في بناء فريق منظم تكتيكيا، يجيد التحكم في نسق المباريات، ويعرف كيف يحصد النقاط حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته.
كما أحسن استغلال إمكانيات لاعبيه، وخلق مجموعة متجانسة تؤمن بالفكرة نفسها، وهو ما انعكس على نتائج الفريق طيلة الموسم.
سر اللقب... النفس الطويل
لم يكن طريق المغرب الفاسي نحو اللقب مفروشا بالورود، فقد تناوب على صدارة البطولة أكثر من فريق، بين الجيش الملكي ونهضة بركان والرجاء الرياضي، فيما تخلى "الماص" عن المركز الأول أكثر من مرة.
لكن ما ميز الفريق هو قدرته على العودة في كل مرة، ولم يدخل في دوامة النتائج السلبية، ولم يفقد هدوءه عندما تراجع في الترتيب، بل واصل حصد النقاط بثبات حتى جاءت الجولات الأخيرة، حيث أظهر شخصية البطل ونجح في حسم اللقب بفضل سرعته النهائية، في الوقت الذي تعثر فيه منافسوه المباشرون.
سفيان بنجديدة.. رمز عودة الثقة
يصعب الحديث عن لقب المغرب الفاسي دون التوقف عند قصة سفيان بنجديدة. فاللاعب الذي غادر الرجاء الرياضي باحثا عن الاحتراف، عاش تجربة معقدة في بلجيكا، حيث تنقل بين ثلاثة أندية خلال موسمين، دون أن يحصل على دقائق لعب كافية.
لكن العودة إلى البطولة المغربية أعادت إليه الحياة، فداخل المغرب الفاسي وجد الاستقرار والثقة، والمدرب الذي عرف كيف يوظف إمكانياته، فتحول إلى ماكينة أهداف، وسجل في المباريات الكبيرة والحاسمة، وأنهى الموسم هدافا للدوري.
هذا التألق أعاد اسمه إلى دائرة اهتمام المنتخب الوطني، بعدما وجه إليه الناخب محمد وهبي الدعوة إلى التجمع الإعدادي الذي سبق مونديال 2026.
اللقب الذي قد يغير مستقبل النادي
قد تكون قيمة هذا التتويج أكبر من مجرد إضافة درع جديد إلى خزائن المغرب الفاسي، فالفريق لم يضمن فقط لقب البطولة، بل حجز أيضا بطاقة المشاركة في دوري أبطال إفريقيا، حيث سيخوض تحديا قاريا جديدا إلى جانب نهضة بركان.
لكن الأهم من ذلك، أن "الماص" قدم نموذجا مختلفا في كيفية بناء الفرق الناجحة. ففي زمن أصبحت فيه بعض الأندية تراهن على الإنفاق الكبير وتغيير المدربين باستمرار، أثبت المغرب الفاسي أن المشروع الواضح والحكامة الجيدة والاستقرار الإداري والتوزيع السليم للمهام، قد تكون في النهاية أهم من الميزانيات الضخمة.
وبعد 41 سنة من الانتظار، عاد المغرب الفاسي بطلا للمغرب، ليس لأنه امتلك أفضل اللاعبين فقط، بل لأنه امتلك أفضل مشروع.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة