رياضة
بنجديدة الاستثناء.. هل انتهى زمن الهدافين الكبار؟
10/05/2026 - 18:42
رضى زروق
في موسم استثنائي على أكثر من مستوى، يبرز اسم سفيان بنجديدة كمفارقة لافتة داخل البطولة الاحترافية، بعدما نجح مهاجم المغرب الفاسي في رفع سقف التهديف بشكل غير معتاد في السنوات الأخيرة، معيدا إلى الواجهة سؤالا قديما يتجدد كل موسم: أين اختفى الهدافون الكبار في الدوري المحلي؟
في كرة القدم، لا تقاس قيمة المهاجم فقط بما يقدمه من أهداف، بل بما يتركه من أثر في الذاكرة الجماعية للملاعب. غير أن هذا الأثر يبدو اليوم أقل وضوحا مما كان عليه في فترات سابقة داخل البطولة الوطنية، حين كانت أسماء الهدافين تُكتب بأرقام كبيرة.
من محمد البوساتي، صاحب الرقم القياسي التاريخي بـ25 هدفا في موسم 1981-1982، إلى مواسم حديثة تقاسم فيها الهدافون الصدارة بأرقام لا تتجاوز 11 أو 12 هدفا، يطرح سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره: لماذا تراجع المعدل التهديفي في البطولة المغربية إلى هذا الحد؟
من 25 إلى 11.. أرقام تكشف تحولا عميقا
عند العودة إلى الأرشيف، يتضح أن سقف التهديف في البطولة كان أعلى بكثير مما هو عليه اليوم. رقم البوساتي لم يكن مجرد إنجاز فردي، بل كان انعكاسا لطبيعة لعب هجومية، كانت تسمح بتراكم الأهداف بوتيرة منتظمة، وهو الأمر الذي ينطبق على لاعبين آخرين أمثال عبد السلام الغريسي، الذي توج هدافا للبطولة سنة 1990 بـ22 هدف رفقة الجيش الملكي، إلى جانب أسماء أخرى قليلة وصلت إلى سقف 19 أو 18 هدف، آخرها محسن ياجور مع الرجاء وأيوب الكعبي رفقة الوداد.
في المقابل، تشير أرقام السنوات الأخيرة إلى تراجع واضح، حيث أصبح بلوغ 18 هدفا أمرا استثنائيا، بينما شهدت بعض المواسم تقاسما للصدارة بأرقام لا تتجاوز 11 هدفا فقط، وهو ما يعكس تحولا يتجاوز الأرقام إلى طبيعة اللعبة نفسها.
زمن الهدافين الكبار
في الثمانينات والتسعينات، كان المهاجم يعيش داخل منطقة الجزاء بمعنى الكلمة. كان "القناص" عنصرا مركزيا داخل المنظومة، تُبنى حوله الهجمات، وتُوجه إليه الكرات بشكل مباشر، في ظل منظومات أقل تعقيدا وأكثر اعتمادا على الحسم الفردي.
لم يكن السؤال آنذاك كيف يُسجل الفريق، بل من سيسجل له. وكانت المنافسة أحيانا داخل الفريق نفسه، كما يؤكد الدولي المغربي السابق حسن ناضر لـSNRTnews، الذي استحضر تلك المرحلة قائلا إن التنافس كان كبيرا جدا، وأحيانا بين مهاجمين من نفس الفريق، مضيفا: "سنة 1989 توجت هدافا للبطولة برصيد 18 هدف، وكان خلفي زميلي في الفريق موسى نداو بـ15 هدف، وفي الجيش الملكي كان عبد السلام الغريسي يتنافس مع زميله مصطفى أنافلوس".
التحول التكتيكي.. حين تغيرت وظيفة المهاجم
مع تطور كرة القدم الحديثة، تغيرت أدوار اللاعبين بشكل جذري. لم يعد المهاجم الكلاسيكي "رقم 9" هو محور اللعب، بل أصبح جزءا من منظومة جماعية معقدة، تتوزع فيها المسؤوليات الهجومية.
الضغط العالي وبناء اللعب من الخلف وتعدد الأدوار داخل الملعب، كلها عوامل جعلت تسجيل الأهداف مسؤولية جماعية، لا فردية. وهو ما أشار إليه حسن ناضر، حين أكد أن "أسلوب اللعب المعتمد حاليا لا يساعد أيضا على مشاهدة لاعبين ينهون الموسم بتسجيل 18 أو 20 هدف"، مبرزا أن المباريات كانت مفتوحة أكثر في السابق، ولم يكن حذر المدربين مبالغا فيه بهذا الشكل.
كما تغيرت وظيفة الأجنحة، التي لم تعد تشتغل من أجل خدمة رأس الحربة كما في السابق، بل أصبحت تبحث عن التسجيل بنفسها، وهو ما أوضحه ناضر بقوله إن الجناح العصري أصبح يدخل إلى العمق للتسديد، بينما في السابق كان يعمل من أجل قلب الهجوم ويمده بالكرات من أجل إتمام العمليات.
أزمة التكوين.. أين تتشكل غريزة الهداف؟
بعيدا عن التكتيك، تطرح مسألة التكوين نفسها بقوة. في الماضي، كانت ملاعب الأحياء فضاء أساسيا لصناعة المهاجمين، حيث تتشكل الغريزة التهديفية في بيئة قائمة على الحرية والاحتكاك.
اليوم، ومع هيمنة الأكاديميات، أصبح التكوين أكثر تنظيما، لكنه في كثير من الحالات فقد جزءا من العفوية. ويرى حسن ناضر أن هذا التحول مرتبط أيضا بطريقة تدبير الفئات الصغرى، مشيرا إلى أن مدربي الشبان وفئة الأمل أصبحوا تحت المجهر وتحت ضغط النتائج، وهو ما يجعلهم يركزون على الفوز بدل إعداد لاعبين للفريق الأول، مضيفا أن الهدف في السابق كان تطعيم الفريق الأول بثلاثة أو أربعة لاعبين كل موسم، وهو ما لم يعد قائما بنفس الزخم.
عامل آخر يساهم في هذا التراجع، يتمثل في انتقال المهاجمين الواعدين مبكرا إلى الخارج. اللاعب الذي يبدأ في تسجيل الأهداف، لا يمكث طويلا داخل البطولة، ما يحول دون تراكم أرقام كبيرة على امتداد عدة مواسم.
وهكذا، تفقد البطولة أبرز قناصيها قبل أن يصلوا إلى ذروة نضجهم التهديفي، لتجد نفسها في كل موسم أمام أسماء جديدة، دون استمرارية رقمية واضحة.
اللاعب الأجنبي.. إضافة نوعية أم عبء تكتيكي؟
من بين النقط التي أثارها حسن ناضر أيضا، مسألة التعاقد مع المهاجمين الأجانب، حيث أكد أن مهاجم الصندوق صار عملة نادرة، مشيرا إلى أن كثرة التعاقدات مع لاعبين أجانب لا يقدمون الإضافة المطلوبة، ساهمت في تراجع عدد الهدافين المغاربة.
وأضاف أن الأندية لم تعد تستقطب نفس جودة اللاعبين كما في السابق، مستحضرا أسماء تركت بصمتها مثل موسى نداو وفابريس أونداما ومالك إيفونا وويليام جيبور، في مقابل أسماء حالية لا ترقى دائما إلى نفس المستوى، ولا تملك الحس التهديفي الحاسم.
الحذر التكتيكي
طبيعة المنافسة نفسها تغيرت. فعدد كبير من الفرق أصبح يعتمد على مقاربة حذرة، حيث تتحول الأولوية إلى تفادي الهزيمة بدل البحث عن الانتصار.
هذا التوجه يؤدي إلى مباريات مغلقة، تقل فيها المساحات والفرص، وهو ما ينعكس مباشرة على أرقام المهاجمين، الذين يجدون أنفسهم أمام كثافة دفاعية تحد من فعاليتهم.
في نهاية المطاف، يبدو أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بالمهاجمين، بل بالمنظومة ككل. هل اختفى الهداف فعلا، أم أن السياق العام لم يعد يسمح له بالظهور بنفس القوة كما كان في السابق؟
التحولات التكتيكية والتكوين والهجرة، كلها عوامل تداخلت لتعيد تشكيل صورة المهاجم داخل البطولة الوطنية، في سياق يشبه ما يحدث عالميا، لكن بحدة أكبر محليا.
نحو استعادة الهداف.. هل من أفق ممكن؟
استعادة المهاجم القناص لا تبدو مستحيلة، لكنها تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة كرة القدم، من التكوين إلى أساليب اللعب، مرورا بسياسات الانتداب.
فبين زمن كان فيه تسجيل 25 هدفا أمرا عاديا، وزمن أصبح فيه بلوغ 15 هدفا إنجازا لافتا، لا يبدو أن كرة القدم المغربية فقدت الهداف فقط، بل أعادت تعريف معنى التهديف نفسه.
وفي خضم هذا التحول، يظل بروز اسم مثل سفيان بنجديدة بمثابة تذكير بأن الهداف لم يختف تماما، لكنه لم يعد القاعدة كما كان في السابق، بل أصبح استثناء يؤكد حجم التغيير الذي عرفته اللعبة.
مقالات ذات صلة
رياضة
مجتمع
رياضة
رياضة