مجتمع
البوح الرقمي.. حين تتحول الخصوصية إلى محتوى
06/07/2026 - 10:37
خولة ازنيزني
لم يعد البوح بالأسرار أو الحديث عن تفاصيل الحياة الخاصة يقتصر على جلسة تجمع أفراد الأسرة أو صديقا مقربا، كما كان سائدا في المجتمع المغربي الذي ارتبط لعقود بثقافة الستر والحفاظ على الخصوصية.
فمع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، أصبح كثيرون يشاركون خلافاتهم الأسرية، وتجاربهم العاطفية، ولحظات ضعفهم وانكساراتهم أمام جمهور واسع، في مشهد يعكس تحولا لافتا في طريقة التعبير عن الذات وحدود الحياة الخاصة.
هذا التحول، الذي بات يوصف بـ"البوح الرقمي"، لم يعد مجرد وسيلة للتنفيس عن المشاعر، بل أصبح بالنسبة إلى البعض أسلوبا لصناعة المحتوى وجذب التفاعل، بينما يراه آخرون طريقا نحو الشهرة أو تحقيق مكاسب مادية.
وفي المقابل، يثير هذا السلوك تساؤلات حول دوافعه النفسية، وتأثيره على منظومة القيم، وحدود الخصوصية في العصر الرقمي.
من البوح إلى "الفضح"
يرى الأخصائي في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، أن ظاهرة لجوء الأفراد إلى مشاركة مشاعرهم العميقة، أسرارهم، وتفاصيل حياتهم الشخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي والوسائط الافتراضية بدلا من البوح بها في الواقع، تعود في علم النفس إلى "تأثير إزالة الكوابح على الإنترنت"، حيث يشعر الفرد بالتحرر من الأحكام والرقابة الاجتماعية خلف الشاشة .
وأوضح أن الخطورة لا تكمن في التعبير عن المشاعر في حد ذاته، وإنما في تحويل الحياة الخاصة إلى مادة متاحة للجميع، بما يجعل صاحبها عرضة للاستغلال أو التشهير أو التنمر.
وأفاد بنزاكور، في تصريحه لـSNRTnews، أن بعض الأشخاص يعتقدون أن نشر معاناتهم يمثل شكلا من العلاج النفسي، في حين أن المتلقين على مواقع التواصل ليسوا مؤهلين علميا أو قانونيا أو أخلاقيا للقيام بهذا الدور، لذلك فإن ما يحدث في كثير من الأحيان لا يعد "بوحا" بالمعنى الحقيقي، بل يتحول إلى "فضح" للحياة الخاصة.
ويؤكد أن أول ما يتعلمه الإنسان في علم النفس هو أن لكل فرد خصوصيته وبنيته النفسية المختلفة، لذلك لا يمكن اختزال العلاج أو الدعم النفسي في تعليقات المتابعين أو ردود أفعالهم، لأن الحاجة الحقيقية ليست إلى جمهور، بل إلى فضاء آمن ومؤهل للاستماع.
ويشير بنزاكور إلى أن الشخص الذي يكشف تفاصيله الخاصة أمام جمهور مفتوح يضع نفسه في مواجهة أشخاص تختلف نواياهم، فمنهم من قد يستغل تلك المعلومات للإساءة أو الابتزاز أو التشهير، مؤكدا أن الفضاء الرقمي لا يميز بين من يسعى إلى المساعدة ومن يبحث عن استغلال الآخرين.
من ثقافة الستر إلى اقتصاد الشهرة
ويربط بنزاكور انتشار البوح الرقمي أيضا بتحولات اجتماعية وتكنولوجية شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، فبعدما كانت الثقافة المغربية تقوم على الكتمان وعدم مشاركة الأسرار إلا مع المقربين، جاءت المنصات الرقمية لتجعل النشر عملية سهلة وسريعة لا تتطلب سوى ضغطة زر.
ويضيف أن هذه المنصات قامت منذ بدايتها على منطق يقوم على مشاركة كل ما يعجب المستخدم مع الآخرين، وهو ما ساهم، في نظره، في إضعاف الحس النقدي لدى الأفراد ودفعهم إلى اتخاذ قرارات سريعة دون التفكير في عواقبها.
ويبرز عاملا آخر يتمثل في السعي إلى الشهرة وزيادة عدد المتابعين، حيث أصبح البعض يقيس نجاحه بحجم التفاعل الذي يحققه، حتى وإن كان ذلك على حساب خصوصيته، فكلما ارتفع عدد المتابعين، يعتقد الشخص أنه يحقق نجاحا أكبر، فيتحول كشف تفاصيل الحياة الخاصة إلى وسيلة لجذب الانتباه والحفاظ على الاهتمام الجماهيري.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يرى أن هذه النماذج تشجع آخرين، خصوصا المراهقين، على اتباع النهج نفسه، اعتقادا منهم أن الشهرة لا تتحقق إلا بكشف المزيد من الخصوصية أو حتى اختلاق أحداث وقصص تثير اهتمام الجمهور وتضمن استمرار التفاعل.
ويحذر بنزاكور من أن المراهقين يظلون الفئة الأكثر هشاشة، لأنهم يكونون في مرحلة البحث عن الانتماء وإثبات الذات، وقد يربطون بين عدد المتابعين وبين قيمتهم الشخصية أو مدى قبولهم اجتماعيا، وهو ما قد يؤثر سلبا على بناء شخصيتهم واستقرارهم النفسي.
ذاكرة رقمية لا تنسى
من جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع نبيل الصافي أن الحديث عن الأمور الشخصية في الفضاء العام أصبح أكثر انتشارا مع اعتماد الأفراد على المنصات الرقمية لتسويق ذواتهم وصورتهم، غير أن الأمر أخذ منحى مقلقا بعدما أصبحت تفاصيل الحياة الحميمية والمشكلات الأسرية تنشر على نطاق واسع دون قواعد أو تقدير للعواقب.
وأوضح الصافي، في تصريحه لـSNRTnews، أن كثيرا ممن ينشرون هذه التفاصيل بدافع العفوية أو الجرأة قد يرغبون مستقبلا في تجاوز تلك المرحلة، غير أن الذاكرة الرقمية لا تنسى، إذ يصعب حذف المحتوى أو التحكم في انتشاره بعد تداوله.
ويشير الصافي إلى أن هذا الواقع خلق نوعا من المنافسة غير المعلنة بين بعض المستخدمين حول من يكشف تفاصيل أكثر من حياته الخاصة، في ظل تراجع الإحساس بالمسؤولية وغياب الحدود الفاصلة بين ما هو شخصي وما هو قابل للنشر.
وتتعدد الدوافع التي تقف وراء تنامي الظاهرة، بين ما هو نفسي واجتماعي ورقمي، يشكل الفضاء الافتراضي متنفسا للتعبير عن مشاعر يصعب الإفصاح عنها في الواقع، أو وسيلة للبحث عن التعاطف والدعم والشعور بالانتماء، وتدفع الرغبة في تحقيق الشهرة، وزيادة عدد المتابعين، والحصول على التفاعل.
وأشار إلى أنه أحيانا يصل الأمر إلى المبالغة أو اختلاق أحداث بهدف الحفاظ على الاهتمام وتحقيق الانتشار، ويزداد تأثير هذه الدوافع لدى المراهقين، الذين قد يربطون بين عدد المتابعين وقيمتهم الاجتماعية أو مدى قبولهم بين أقرانهم، في ظل بيئة رقمية تجعل الاهتمام والتفاعل معيارا للنجاح.
ويحذر من أن خطورة هذه الظاهرة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالقاصرين، لأن آثار النشر قد ترافقهم لسنوات، وقد تتحول المواد المنشورة إلى وسيلة للابتزاز أو الإساءة أو التأثير في مسارهم الشخصي والمهني مستقبلا.
ويقول الصافي: "بين الحاجة الطبيعية إلى التعبير عن الذات، وحق الإنسان في الاحتفاظ بمساحة من الخصوصية، يبدو أن البوح الرقمي يطرح اليوم أسئلة تتجاوز مجرد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لتمس طبيعة العلاقات الإنسانية في العصر الرقمي".
ويضيف أن التكنولوجيا فتحت آفاقا جديدة للتواصل، لكنها، في المقابل، جعلت الحدود بين الخاص والعام أكثر هشاشة، في وقت أصبحت فيه الخصوصية نفسها، بالنسبة إلى البعض، مادة قابلة للنشر والتداول، بل وأحيانا وسيلة لتحقيق الشهرة أو الربح.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
سياسة
تكنولوجيا