سياسة
الأحزاب والشباب.. رهان التواصل بلغة المنصات الرقمية الحديثة
08/04/2026 - 15:14
مراد كراخي
في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد حضور الفاعل السياسي في الفضاء الافتراضي خيارا ثانويا، بل أضحى شرطا أساسيا لمواكبة دينامية المجتمع، خاصة مع انتقال فئة واسعة من الشباب إلى منصات تواصل حديثة تعيد تشكيل طرق التفاعل والتأثير.
رغم تزايد تزايد إقبال الشباب على منصات تواصل حديثة مثل "تيك توك" و"ديسكورد"، لا تزال العديد من الأحزاب السياسية تعتمد بشكل كبير على منصات تقليدية مثل "فيسبوك" في تواصلها، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية واستقطاب فئة الشباب.
وقت التغيير
يرى الخبير في المعلوميات، رضوان السودي، أن اعتماد الأحزاب على الوسائل التقليدية يعود بالأساس إلى طبيعة قاعدتها الانتخابية، التي تضم في الغالب فئات عمرية متقدمة تفضل أساليب التواصل المباشر والكلاسيكي.
وأوضح السودي، في تصريح لـSNRTnews، أن هذه الأحزاب تميل إلى استخدام المنصات التي تضمن لها الوصول إلى جمهورها المعتاد، حيث يكون التفاعل أوضح وأكثر مباشرة، سواء عبر اللقاءات الميدانية أو عبر منصات مألوفة مثل "فيسبوك".
وأضاف السودي أن الخطاب التقليدي، سواء في التجمعات أو الحملات الانتخابية، يظل بالنسبة للأحزاب أكثر وضوحا وتأثيرا، لأنه يقوم على التفاعل المباشر والبصري مع المواطنين، مما يعزز الثقة ويخلق نوعا من القرب. في المقابل، لا يتم استغلال المنصات الرقمية الحديثة بالشكل الأمثل، سواء بسبب ضعف إتقانها من طرف بعض الفاعلين السياسيين أو بسبب طبيعة الخوارزميات التي تتحكم في انتشار المحتوى.
وأكد المتحدث أن الأحزاب، إذا أرادت استقطاب الشباب، فهي مطالبة بالتوجه نحو الفضاءات التي يتواجد فيها هذا الجيل، وعلى رأسها "تيك توك" و"إنستغرام" و"ديسكورد"، مع اعتماد لغة تواصلية بسيطة، ومختصرة، وجذابة، تراعي خصوصيات هذه المنصات، حيث يفضل المستخدمون المحتوى السريع والبصري بدل الخطابات الطويلة والمعقدة.
وأشار إلى أن الخطاب الرقمي يختلف جذريا عن الخطاب المباشر، إذ يتطلب تقنيات جديدة في الإقناع والتأثير، كما أنه يظل عرضة لردود فعل فورية قد تكون سلبية أحيانا، مثل السخرية أو الانتقاد الحاد، وهو ما يجعل بعض الأحزاب تتردد في خوض هذا المجال بشكل مكثف.
وشدد السودي على أن المستقبل يفرض على الأحزاب تطوير استراتيجيات تواصل رقمية فعالة، تقوم على إشراك الشباب أنفسهم في تدبير هذه المنصات، باعتبارهم الأقدر على فهم لغتها والتفاعل مع أقرانهم، محذرا من أن الاستمرار في الاعتماد على الأساليب التقليدية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأحزاب والأجيال الصاعدة.
في حاجة إلى تجديد الخطاب
قال عبد الرحيم جديان، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، إن الجيل الحالي من الشباب لم يعد يبني علاقته بالسياسة عبر القنوات الحزبية والنقابية التقليدية، بل من خلال فضاءات رقمية وشبكية أقل هرمية وأكثر تحررا من الوساطة الكلاسيكية.
وأوضح جديان، في تصريح لـSNRTnews، أن الأحزاب السياسية المغربية لا تحتاج فقط إلى تحديث أدواتها الرقمية، بل إلى مراجعة فلسفتها التواصلية برمتها، مشيرا إلى أن "المشكل الحقيقي لا يكمن في ضعف الحضور على منصات مثل تيك توك أو ديسكورد، بل في استمرار جزء من الفاعل الحزبي في مخاطبة الشباب بعقلية تواصلية قديمة داخل بيئة رقمية جديدة".
ويرى المتحدث أن تطوير الاستراتيجية التواصلية الحزبية يمر عبر الانتقال من منطق النشر إلى منطق التفاعل، أي من مجرد بث البلاغات والمواقف إلى بناء محادثة مستمرة مع الشباب، مع التحرر من الارتهان شبه الحصري لمنصة "فيسبوك"، واعتماد حضور متعدد المنصات يواكب البيئات الرقمية التي يتحرك داخلها الشباب.
وأكد جديان أن الخطاب السياسي القادر على استقطاب الشباب ليس خطابا وعظيا أو دعائيا، بل خطاب تعاقدي وتفسيري، يعترف بالمشكلات كما هي، ويقدم بدائل واقعية، ويربط الوعود السياسية بتأثير ملموس في الحياة اليومية.
ومن الناحية التواصلية، شدد على ضرورة أن يكون هذا الخطاب واضحا، ومختصرا، وبصريا، بعيدا عن "لغة الخشب"، مبرزا أن الشباب يتلقون جزءا كبيرا من معارفهم وتمثلاتهم عبر الفيديو والصورة أكثر من النصوص التقليدية.
المنصات الرقمية.. أثر مزدوج
وفي سياق متصل، أكد جديان أن الفضاء الرقمي أصبح أحد المداخل الأساسية لتشكيل الرأي العام، مشيرا إلى أن تأثيره السياسي يظل مزدوجا.
وأوضح: "من جهة، يمكن أن يعزز الاهتمام بالشأن العام، ويساهم في التعبئة، ويمنح الشباب أدوات للتعبير والتنظيم، ومن جهة أخرى، قد يغذي السخرية السياسية أو يعمق العزوف إذا استمرت الأحزاب في الظهور كفاعلين متأخرين عن التحولات الجارية".
وخلص المتحدث ذاته إلى أن الرهان اليوم ليس تقنيا فقط، بل هو رهان سياسي وتواصلي عميق، يرتبط بقدرة الأحزاب على بناء علاقة ثقة مستدامة مع الشباب داخل الفضاء الرقمي، وتحويل هذا الحضور إلى مشاركة سياسية فعلية.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة