سياسة
من المشاركة الافتراضية إلى المشاركة الفعلية.. كيف تتشكل علاقة الشباب المغربي بالسياسة؟
04/04/2026 - 20:01
حليمة عامر
رغم الاهتمام الذي يبديه عدد كبير من الشباب المغاربة بالقضايا العامة وتفاعلهم مع النقاشات السياسية، فإن هذا الاهتمام لا يترجم دائما إلى انخراط فعلي في الأحزاب أو الانتخابات أو مختلف أشكال العمل السياسي على أرض الواقع.
وبين شباب يختار المشاركة وآخر يفضل الابتعاد، يطرح التساؤل حول العوامل التي تحدد علاقة هذه الفئة بالسياسة، وحول أسباب اتساع الفجوة بين الاهتمام بالشأن العام والمشاركة الفعلية فيه.
وفي هذا الصدد، يقدم الباحث في علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، مولود أمغار، في حوار مع SNRTnews، تفسيرات سوسيولوجية لفهم علاقة الشباب المغاربة بالمشاركة السياسية، والعوامل التي تدفع بعضهم إلى الانخراط، مقابل ميل آخرين إلى العزوف.
لماذا لا يتحول التفاعل الرقمي للشباب إلى مشاركة سياسية فعلية؟
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، من الطبيعي أن تتغير أيضا طرق اشتغال السياسة وأشكال التعبير عنها. لقد أصبحت المنصات الرقمية فضاءات يومية للتفاعل مع الأحداث العامة، والتعليق عليها، وصناعة الرأي حولها، بل إن كثيرا من الشباب باتوا يشعرون بأنهم يمارسون نوعا من الفعل السياسي بمجرد التفاعل مع قضية معينة عبر تعليق أو مشاركة أو مقطع قصير.
لكن هنا تظهر واحدة من أبرز المفارقات السياسية في عصرنا: فكلما ارتفع منسوب التفاعل السياسي للشباب في العالم الرقمي، بدا أن المشاركة السياسية التقليدية – من تصويت، أو انخراط حزبي، أو عمل نقابي – تسير في الاتجاه المعاكس. هذه المفارقة لا تعني أن الشباب غير مهتمين بالشأن العام، بل تعني أن هناك تحولا في معنى المشاركة نفسها. الشباب اليوم لا يعيشون السياسة بالطريقة التي عاشتها الأجيال السابقة؛ فهم لا يرون بالضرورة أن الحزب أو النقابة أو المؤسسة التقليدية هي القناة الوحيدة للتأثير، بل أصبحوا يعتبرون أن التعبير الرقمي شكل من أشكال الحضور السياسي وإثبات الموقف.
أولا، لأن التفاعل على مواقع التواصل أقل كلفة من الانخراط السياسي الفعلي. فالتعبير عبر تعليق أو مشاركة أو “ستوري” لا يتطلب وقتا طويلا، ولا التزاما تنظيميا، ولا تكلفة مادية أو رمزية مرتفعة. أما المشاركة السياسية الفعلية فتحتاج إلى وقت، وإلى ثقة في المؤسسات، وإلى شعور بأن هذا الانخراط يمكن أن يغير شيئا ملموسا في الواقع.
كثير من الشباب يشعرون بأنهم حاضرون سياسيا داخل الفضاء الرقمي، لكنهم لا يشعرون بالدرجة نفسها بأن المؤسسات السياسية التقليدية تمنحهم فرصة حقيقية للتأثير. وهنا يكمن جوهر المشكلة: ليس ضعف اهتمام الشباب بالسياسة، بل ضعف ثقتهم في جدوى القنوات التقليدية.
ثانيا، يمكن القول إن مواقع التواصل نقلتنا مما يمكن تسميته "المواطنة المؤسساتية" إلى "المواطنة الانفعالية". فالشباب يتفاعلون بقوة مع القضايا التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر، مثل البطالة، والتعليم، والحريات، والعدالة الاجتماعية، والهجرة، والهوية. لكن هذا التفاعل لا يجد دائما مؤسسات قادرة على استيعابه وتحويله إلى مشاركة منظمة ومستدامة.
بمعنى آخر، هناك فجوة بين فضاء رقمي سريع، مفتوح، وتفاعلي، وبين فضاء سياسي تقليدي يبدو للكثير من الشباب بطيئا، مغلقا، وأحيانا غير قادر على الإنصات. لذلك، عندما يشعر الشباب بأن المؤسسات لا تسمعهم، فإنهم يختارون التعبير في المجال الذي يمنحهم إحساسا فوريا بالحضور والتأثير.
ثالثا، يجب الانتباه إلى أن مواقع التواصل تعمل بمنطق السرعة والإثارة واللحظة الآنية. القضية التي تتحول إلى "ترند" قد تحشد آلاف التعليقات خلال ساعات، لكنها لا تبني بالضرورة التزاما طويل الأمد. المشاركة السياسية الحقيقية تحتاج إلى الاستمرارية، وإلى تراكم الوعي، وإلى قدرة على التنظيم والمتابعة، بينما التفاعل الرقمي غالبا ما يكون موسميا، عاطفيا، ومتقطعا.
إلى أي حد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي الشباب السياسي؟
لا يمكن إنكار أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في إعادة تشكيل وعي الشباب السياسي. فقد أصبحت هذه المنصات بالنسبة إلى قطاع واسع من الشباب المصدر الأول للمعلومة السياسية، وأحيانا تتجاوز في تأثيرها المدرسة، والأسرة، والجامعة، وحتى وسائل الإعلام التقليدية.
لقد منحت هذه المنصات الشباب قدرة أكبر على الوصول إلى الأخبار، وعلى مقارنة الخطابات الرسمية بخطابات بديلة، وعلى متابعة قضايا الفساد، والحريات، والعدالة الاجتماعية، والنماذج السياسية في بلدان أخرى. كما أنها عززت لدى كثير من الشباب الإحساس بأن لهم الحق في التعبير والمشاركة وإبداء الرأي.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن وسائل التواصل ساهمت في رفع مستوى الاهتمام بالشأن العام، وفي كسر حالة اللامبالاة السياسية التي كانت سائدة لدى جزء من الشباب في مراحل سابقة.
لكن في المقابل، ينبغي التمييز بين الوعي السياسي وبين مجرد التعرض المكثف للمحتوى السياسي. فليس كل وعي رقمي وعيا سياسيا عميقا أو مستقرا. أحيانا تنتج مواقع التواصل وعيا مجزأ، قائما على ردود الفعل السريعة، أو مشحونا بالعاطفة أكثر من التحليل.
كما أن هذه المنصات تدفع أحيانا نحو الاستقطاب وخلق ما يسمى بـ"فقاعات الرأي"، حيث يصبح الفرد محاطا فقط بالأفكار التي تشبه أفكاره، فيفقد القدرة على النقاش مع المختلفين أو فهم تعقيد القضايا السياسية.
وهذا ما يفسر لماذا يمكن أن ترتفع المشاركة الرقمية بشكل كبير، دون أن يواكبها ارتفاع مماثل في التصويت أو الانخراط الحزبي أو النقابي. فالتفاعل الرقمي يمنح الشباب شعورا بالمشاركة، لكنه لا يخلق دائما الأدوات والآليات التي تحول هذا الشعور إلى سلوك سياسي فعلي.
ما الذي ينبغي أن يتغير حتى يزاوج الشباب بين التعبير السياسي الافتراضي والمشاركة السياسية الفعلية؟
حتى يتحول الحضور الرقمي للشباب إلى مشاركة فعلية داخل المؤسسات، هناك ثلاثة شروط أساسية:
أولا، يجب استعادة معنى المشاركة السياسية نفسها. الشباب لن يشاركوا إذا شعروا أن نتائج الانتخابات لا تغير شيئا في حياتهم اليومية، أو أن النخب السياسية تعيد إنتاج نفسها باستمرار دون فتح المجال أمام وجوه جديدة.
ثانيا، يجب تحديث أدوات العمل السياسي. لم يعد ممكنا أن تستمر الأحزاب والمؤسسات في مخاطبة الشباب بنفس اللغة القديمة أو بالوسائل التقليدية وحدها. الأحزاب مطالبة بأن تنتقل إلى فضاءات الشباب، وأن تتفاعل مع اهتماماتهم اليومية، وأن تستثمر في النقاشات الرقمية، وفي المحتوى السياسي المبسط، وفي القضايا التي تمس الواقع المعيشي للشباب.
ثالثا، من الضروري خلق مسارات واضحة وحقيقية للترقي داخل المؤسسات. كثير من الشباب يشعرون أن الأحزاب لا تمنحهم فرصا فعلية للتأثير أو تحمل المسؤولية، وأن القرار يبقى بيد الوجوه نفسها. وعندما يغيب الأفق داخل المؤسسات، يصبح الفضاء الرقمي بديلا للتعبير، لا جسرا نحو الفعل.
كيف يمكن للأحزاب والمؤسسات استعادة ثقة الشباب؟
ليست هناك وصفة جاهزة يمكن تقديمها في شكل توصيات، ولكن من خلال بعض التجارب التي اطلعنا تبدو المصداقية هي مفتاح استعادة ثقة الشباب للدخول إلى السياسة من أبوابها المؤسساتية. الشباب لا ينتظرون خطابات كثيرة بقدر ما ينتظرون نتائج ملموسة في التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، والحريات.
كما أن استعادة الثقة تتطلب منح الشباب مواقع فعلية داخل دوائر القرار، وليس فقط استدعاءهم في المواسم الانتخابية أو تقديمهم كواجهة رمزية.
الأحزاب التي تنجح اليوم هي تلك التي لا تكتفي بطلب انخراط الشباب، بل تمنحهم فرصا حقيقية للتكوين، والتأطير، والترشح، وتحمل المسؤولية. وهي أيضا الأحزاب التي تفهم أن الشباب لا يعبرون فقط عبر صناديق الاقتراع، بل أيضا عبر الحملات الرقمية، والعمل الجمعوي، والمبادرات المدنية، والمرافعة الإلكترونية.
إذا لم تستوعب المؤسسات هذه التحولات، فإن الفجوة بين المشاركة الافتراضية والمشاركة الفعلية ستتسع أكثر. لأن أزمة الثقة التي يعيشها جزء من الشباب اليوم ليست مرتبطة برفض السياسة في حد ذاتها، بل بالشعور بأن المؤسسات القائمة لا تمثلهم، ولا تمنحهم مكانا حقيقيا داخلها.
في النهاية، التحدي الحقيقي ليس كيف نجعل الشباب يهتمون بالسياسة، لأنهم يهتمون بها بالفعل، وإنما كيف نحول هذا الاهتمام من تفاعل لحظي على الشاشات إلى مشاركة مستدامة داخل المجتمع والمؤسسات.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
سياسة
سياسة