مجتمع
عبد الرحمان رشيق: المغرب يعيش ميلاد مجتمع جديد يتقن التعبير السلمي عن مطالبه
06/10/2025 - 14:21
حليمة عامر
تشهد مدن مغربية عدة، في الآونة الأخيرة، احتجاجات سلمية يقودها شباب يطالبون بإصلاح التعليم وتجويد الخدمات الصحية والنهوض بهذين القطاعين الحيويين، في تعبير جماعي عن تطلعات اجتماعية مشروعة. هذه التحركات، التي تميّزت بطابعها السلمي وتنظيمها الذاتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أعادت النقاش حول أشكال التعبير الجديدة لدى الجيل الرقمي.
ولفهم أعمق لهذه الظاهرة، يقدم الباحث في علم الاجتماع عبد الرحمان رشيق قراءة سوسيولوجية تسلط الضوء على دوافعها وسياقها العام، معتبرا أن المغرب يعيش اليوم مرحلة "مجتمع جديد في طور التشكل"، يتسم بالوعي والمطالبة المتزايدة بالعدالة الاجتماعية.
يقول رشيق في تصريح لـSNRTnews إن "هناك شعورًا بالانزعاج بين الشباب، يدفعهم إلى التعبير عن أنفسهم بطريقة أو بأخرى، أحيانًا بشكل سلمي ونادرًا بعنف".
ويلاحظ أن "وسائل التواصل الاجتماعي تأثير عميق على المجتمع، إذ أصبحت متنفسًا يوميًا لهم، لا سيما الشباب المتصلون باستمرار بالإنترنت"، مشيرا إلى أنه "عندما تسنح الفرصة، غالبًا ما يعبر الشباب عن أنفسهم عبر هذه الوسائل، وبصفة جماعية في الشارع أو في ملاعب كرة القدم، لكن نادرًا ما يتخذ ذلك شكل أعمال شغب، كما حدث هذا الأسبوع في مدن وجدة وإنزكان وتارودانت وسلا وعلى الطريق السيار بالدار البيضاء".
المظاهرات.. تقليد راسخ
ويضيف الباحث أن "المغرب عرف منذ أواخر التسعينيات ترسيخًا تدريجيًا لتقليد الاحتلال السلمي للمجال العام، ونجح في إرساء تقليد للاحتجاج الاجتماعي السلمي، بعيدًا عن أعمال الشغب العنيفة التي ميزت سنوات الثمانينيات".
ويشدد على أن "من متطلبات الديمقراطية أن يكون استخدام القوة متناسبًا مع خطورة الإخلال بالنظام العام"، لكنه يأسف لكون "المغرب لا يزال يفتقر إلى تقليد الوساطة، التي غالبًا ما تكون مبادرة محلية أو مرتجلة".
ويشرح أن "الوساطة الاجتماعية تفترض اتفاقًا بين الطرفين المتنازعين لتبديد سوء التفاهم وإقامة تواصل بين الدولة والمحتجين، لكنها لا تزال محدودة، إذ إن الدولة لا تتحاور إلا مع المؤسسات، وتُستبعد المجموعات غير الرسمية من التفاوض حتى لو كانت تعبئتها قوية، كما حدث السنة الماضية مع احتجاجات الأساتذة والمعلمين وطلبة الطب".
مجتمع جديد في طور التشكل
ويتابع رشيق قائلاً: "نعيش اليوم في مجتمع يتسم بالاحتجاج الجماعي، يسوده في آن واحد الإحساس باليأس والأمل. يتزايد الإحساس بالظلم، مدفوعًا في نهاية المطاف بالأمل في التغيير وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من خلال الاعتصامات والمظاهرات والمسيرات، واستعمال ملاعب كرة القدم ووسائل التواصل الاجتماعي والأغاني والمقاطعات والعرائض والشكاوى لمنظمات حقوق الإنسان".
ويضيف أن "السكان، أفرادًا وجماعات، يعبرون عن رغبة عميقة في العدالة ضد كل أشكال الظلم"، مشيرا إلى أنه "منذ سنة 2008 يتم تنظيم آلاف المظاهرات السلمية سنويًا، بمعدل 52 فعلًا احتجاجيًا جماعيًا يوميًا".
ويرى أن "سكان المدن لم يعودوا قادرين على تحمل الفوارق الاجتماعية الصارخة، كما يتضح من الشعارات التي ترفعها مختلف الحركات الاحتجاجية"، مبرزا أن "الشعور بالحرمان والإحباط يتسع يومًا بعد يوم، خصوصًا، كما يقول بعض الشباب الغاضب، بعد الاستثمارات المالية الهائلة استعدادًا لتنظيم كأس العالم 2030".
ويؤكد الباحث أن "هناك شبابًا متعلمًا ومثقفًا يعبر عن غضبه سلميًا، ولا ينبغي الخلط بينه وبين من يعبر عن غضبه بعنف عند توفر الفرصة، سواء في الدعوة إلى الإضراب أو المظاهرات أو في ملاعب كرة القدم، أو عقب صدمات أخلاقية ناجمة عن قضايا اجتماعية كالعنف أو الاغتصاب أو الأخطاء الطبية أو توزيع المساكن الاجتماعية".
ويشير إلى أن "الشعارات والمطالب المتعلقة بالصحة والتعليم قديمة لكنها ما تزال قائمة، وتتقاطع في كثير من جوانبها مع حركة 20 فبراير، غير أنها اليوم تفتقر إلى البعد السياسي، إذ يعبر الشباب عن دعمهم للملك مقابل انتقادهم للحكومة والبرلمان".
ويضيف أن "السياق الرقمي تغير مقارنة مع سنة 2011، حيث نشهد اليوم استخدامًا مكثفًا لوسائل التواصل الاجتماعي لتعبئة الشباب وتنظيم اللقاءات بعيدًا عن أعين السلطات المحلية والمؤسسات السياسية والنقابية والجمعوية".
ويخلص رشيق إلى أن "تراجع الخوف من السلطة السياسية وتزايد الفئات الحضرية المتعلمة ساهما في انتقال تدريجي من وضعية الخضوع والاستسلام إلى وضعية المواطن الواعي بحقوقه ومسؤولياته، والمؤمن بإمكانية تغيير الوضع القائم".
التظاهر مقابل التجمهر
ويُنبّه الباحث إلى ضرورة "عدم الخلط بين التظاهر والتجمهر، فالتظاهر حق يكفله الدستور، بينما يُعاقب القانون على التجمهر".
ويضيف أن "الوضع القانوني للاعتصام في المجال العام لا يزال غامضًا، فهو لا يُعد مظاهرة في شارع عام ولا تجمعًا مسلحًا أو غير مسلح، ولا اجتماعًا عامًا، إذ لا يُشير القانون المغربي صراحة إلى هذا الشكل من الاحتجاج، ما أدى إلى محاكمات بالسجن في حق جمعيات نظمت وقفات اعتُبرت تجمهرا وليس مظاهرة".
ويؤكد أن "لا يحق لأي شخص احتلال مكان عام بشكل جماعي وفجائي، فالمواطنة تبدأ باحترام القانون"، مشيرا إلى أن "التظاهرة عمل جماعي منظم في شارع عام، يتطلب تصريحًا إداريًا مسبقًا، ويقتصر قانونيًا على الجهات الفاعلة المحددة مثل الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المهنية والجمعيات".
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع