مجتمع
بنزاكور يفسر ابتعاد الشباب عن الاندماج الاجتماعي
05/10/2025 - 17:39
خولة ازنيزني
اتسع النقاش، في الآونة الأخيرة، حول التغير في أساليب تفاعل فئة الشباب، إذ أصبح عدد متزايد منهم يفضل الابتعاد عن الاندماج الاجتماعي داخل المحيط الواقعي، مقابل قضاء وقت أطول في العزلة أو الانخراط في فضاءات افتراضية بديلة، فبدلا من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية التقليدية، أضحى العالم الرقمي متنفسا للتعبير والتواصل.
بينما يعتبر البعض هذا السلوك انسحابا سلبيا من المجتمع، يرى آخرون أنه مجرد خيار جديد للتعبير وابتكار أشكال بديلة للتفاعل في ظل غياب فضاءات واقعية تستوعب تطلعاتهم.
يوضح محسن بنزاكور، المتخصص في علم النفس الاجتماعي، أن عملية التواصل بين البشر تمثل جوهر الحياة الإنسانية، لأنها تتيح للفرد التأثير والتأثر بمحيطه، غير أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، وتراجع الإقبال على مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، مثل دور الشباب والمسرح، أوجدت قطيعة بين الشباب ووسائل التعبير والتواصل الكلاسيكية، ودفعتهم إلى البحث عن بدائل جديدة.
ويقول إن العالم الرقمي، بما يوفره من هواتف ذكية وشبكات اجتماعية، ملأ الفراغ الذي تركته هذه المؤسسات.
ويشير بنزاكور، في تصريحه لـSNRTnews، إلى أن هذا التحول يعكس تغيرا عميقا في أساليب التفاعل، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن ميل متزايد نحو العزلة وضعف الاندماج الواقعي.
ويشرح قائلا: "لا نتحدث هنا عن عزلة مرضية، بل عن انعكاس لوضعية اجتماعية فرضها غياب البدائل الواقعية، باعتبارها وسيلة للتواصل وصياغة أشكال جديدة من التعبير، سواء في الموسيقى أو في صناعة المحتوى أو حتى في المجال الأكاديمي"، مشيرا إلى نجاح العديد من الشباب اعتمادا على هذه المنصات.
ويوضح أن شبكات الاتصال تمكن الفرد من الوصول إلى كم هائل من المعلومات والبيانات وتمنحه فرصة للتعلم والتخزين والإنتاج، لكنها لا توفر عمق التواصل الإنساني الذي تمنحه العلاقات الواقعية.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يؤكد بنزاكور أن دوافع العزلة تختلف من شاب لآخر؛ فهناك من يختارها للهروب من الإحباط وضعف الثقة بالنفس، وهناك من يتخذها آلية دفاعية تحميه من العلاقات الفاشلة أو النزاعات الاجتماعية.
كما أن الاعتماد على التواصل الافتراضي يعفي الشاب من بذل مجهود في تطوير مهاراته الاجتماعية، مثل مواجهة الآخر أو تحمل النقد، لكنه، في المقابل، يمنحه اعترافا رمزيا بقيمته ويتيح له مساحة للتعبير عن طاقاته.
ويضيف بنزاكور: "الشاشة تمنح إمكانية إنهاء علاقة بضغطة زر، بينما في الواقع تحتاج إلى جهد وصبر وحوار، وهو ما قد لا يتوافق مع طبيعة بعض الشباب الذين يميلون إلى السرعة والسطحية في التفاعل."
ويرى أن الانخراط في أنشطة جماعية، مثل الرياضة، يحرر الفرد من عزلته لأنه يجد فضاء يشعر فيه بالانتماء ويبرز طاقاته، فحين يجد الشاب من يتحدث بلغته ويتفاعل معه، تتحقق لديه الحاجة الأساسية للتواصل، بينما من لا يجد هذا المحيط يبقى محروما من فرص الاندماج.
مسؤولية المدرسة والأحزاب والمجتمع المدني
لا يكتفي بنزاكور بالتحليل النفسي للظاهرة، بل يربطها أيضا بالمسؤولية المجتمعية، مشيرا إلى أن الشباب وجدوا في شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة للتعبير عن قضاياهم وتنظيم الاحتجاجات وحشد المتظاهرين، لأن هذه المنصات، بقدرتها على الاستجابة السريعة، أصبحت بديلا عن فضاءات حزبية أو جمعوية غابت أو تباطأت عن مواكبة تحولات الشباب.
ويضيف أن الاحتجاجات التي يقودها الشباب اليوم تعكس هذا الواقع، حيث بدأت من خلال فضاءات افتراضية، لتؤكد أن التعبير عن قضايا كبرى يمكن أن يتوحد ويتخذ قالبا، ذلك وإن كانت تفتقر إلى التأطير الفكري أو الحزبي الذي كان سائدا في السابق.
ويخلص بنزاكور إلى أن العالم الافتراضي لم يكن سببا مباشرا في العزلة، بل استطاع أن يستقطب الشباب بخطاب جذاب ومحتويات ملائمة، في وقت تراجع فيه المؤسسات السياسية والمدنية في تجديد خطابها أو توفير بدائل عملية، لتكون المنصات الرقمية هي الحاضنة الجديدة للشباب التي تملأ فراغات مجتمعية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
سياسة
مجتمع