مجتمع
الصحة النفسية على مواقع التواصل الاجتماعي.. مرتع جديد لمعالجين مزيفين
21/06/2026 - 17:55
خولة ازنيزني
في زمن تحولت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى مرجع يومي لملايين الأشخاص في البحث عن النصيحة والمعلومة، لم تعد مواضيع الصحة النفسية حكرا على العيادات والأخصائيين، بل أصبحت تتصدر الفيديوهات القصيرة وصفحات “المؤثرين” ومدربي التنمية الذاتية.
وبات عدد من “المؤثرين” ومدربي التنمية الذاتية وصناع المحتوى يقدمون أنفسهم كخبراء في العلاقات الإنسانية والصحة النفسية، من خلال نشر فيديوهات ومقاطع قصيرة تتناول الاكتئاب، القلق، الصدمات النفسية أو اضطرابات الشخصية، مع تقديم تفسيرات جاهزة وتشخيصات مبسطة لمشاكل نفسية معقدة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثير هذه المضامين على المتابعين، خاصة الفئات الهشة التي تبحث عن تفسير لمعاناتها النفسية.
كما تحولت بعض هذه الممارسات إلى نشاط ربحي قائم على الاشتراكات والجلسات المؤدى عنها، ما يثير تساؤلات متزايدة حول خطورة هذا المحتوى وحدود المسؤولية في مجال يرتبط بشكل مباشر بالصحة النفسية والعقلية للأفراد.
في هذا السياق، يرى الأخصائي في علم النفس الإكلينيكي والمعالج النفساني ورئيس ائتلاف الأخصائيين النفسيين الممارسين بالمغرب، رضا امحاسني، أن التشخيص النفسي يظل اختصاصا طبيا دقيقا لا يمكن ممارسته بشكل عشوائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو من طرف أشخاص خارج الإطار المهني والقانوني.
وأوضح امحاسني، في تصريح لـSNRTnews، أن الوحيد الذي يحق له التشخيص هو الطبيب النفسي، بينما يساعد الأخصائي أو المعالج النفسي في عملية التشخيص وفق ضوابط مهنية وعلمية دقيقة، محذرا من الخلط الحاصل بين المختصين الحقيقيين وأشخاص ينصبون أنفسهم معالجين نفسيين أو مدربين في التنمية الذاتية أو العلاج بالطاقة والألوان وغيرها من الممارسات التي لا تستند إلى أساس علمي.
وأضاف المتحدث أن هذه الممارسات أخذت خلال السنوات الأخيرة طابعا تجاريا وربحيا، من خلال الترويج لاشتراكات وحصص مؤدى عنها بأسعار مرتفعة، مع إيهام الأشخاص بإمكانية علاج اضطرابات نفسية معقدة عبر لقاءات افتراضية سريعة أو نصائح عامة يتم تداولها على المنصات الرقمية.
المنع يشمل الأخصائيين المهنيين أيضا
وشدد رئيس الائتلاف على أنه لا يحق لأي معالج أو طبيب نفسي تقديم استشارات أو تشخيصات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحا أن التشخيص النفسي لا يمكن أن يتم خلال حصة أو حصتين كما يروج البعض، مضيفا أن هناك من يعتقد أن الأمر يشبه الأمراض العضوية، حيث يستطيع الطبيب متابعة الحالة عن بعد من خلال نتائج التحاليل أو قياسات ضغط الدم ونسبة السكر وغيرها.
وأكد أن العلاج النفسي لا يمكن اختزاله في رابط رقمي أو جلسة مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحا أن التعامل مع الاضطرابات النفسية يتطلب تشخيصا مباشرا وحصصا متعددة قد تشمل حتى الأسرة المحيطة بالمريض، إضافة إلى إجراء اختبارات واستمارات تساعد المختص على فهم الوضعية النفسية بشكل دقيق.
كما أثار امحاسني إشكالية حماية المعطيات الشخصية المرتبطة بالمرضى، معتبرا أن تداول تفاصيل الحالات النفسية عبر تطبيقات ومنصات غير مؤطرة قد يعرض أصحابها لخطر تسريب معلوماتهم الشخصية أو استغلالها بشكل غير قانوني.
وأشار إلى أن تجربة العلاج أو التشخيص عن بعد، التي اعتمدتها بعض الدول مثل فرنسا، تبقى مؤطرة بشروط دقيقة، من بينها أن يكون الطبيب أو المعالج قد تابع الحالة مسبقاً بشكل مباشر، وأن يتم ذلك عبر منصات حكومية أو مهنية متخصصة، وليس عبر حسابات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن هذه الممارسات توسعت بشكل ملحوظ خلال فترة جائحة كورونا، حين لجأ بعض الأخصائيين النفسيين إلى تقديم الدعم النفسي عن بعد بسبب ظروف الحجر الصحي، غير أن الأمر تطور لاحقا إلى ممارسات وصفها بـ”العشوائية”، بعدما أصبح عدد من غير المختصين يقدمون أنفسهم كمعالجين نفسيين.
وحذر رئيس ائتلاف الأخصائيين النفسيين الممارسين بالمغرب من أن التشخيصات الخاطئة أو النصائح غير العلمية قد تؤدي إلى مضاعفة الأعراض وتأخير العلاج الحقيقي، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية تحتاج إلى تدخل طبي متخصص.
التطفل على الطب النفسي
من جهته، أكد رئيس التحالف المهني للأخصائيين النفسيين الإكلينيكيين الممارسين في القطاع الحر، فيصل الطاهري، أن أغلب الأشخاص الذين يقدمون استشارات نفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعيدون عن التخصص أو متطفلون على المجال، موضحا أن هدف بعضهم يرتبط أساسا برفع نسب المشاهدة وتحقيق الانتشار.
وأضاف الطاهري، في تصريحه لـSNRTnews، أن عددا من مدربي التنمية الذاتية أو صناع المحتوى يتناولون مواضيع مرتبطة بالاكتئاب والقلق واضطرابات نفسية معقدة دون تكوين علمي، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على الصحة النفسية والعقلية للمواطنين، لأن التشخيص الخاطئ قد يؤدي إلى “كوارث” وتأخير العلاج المناسب.
وأوضح الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن عددا من الأشخاص يعتمدون في تقديم نصائحهم على معلومات عامة ومتداولة على الإنترنت، دون الاستناد إلى مراجع أكاديمية أو علمية دقيقة، ما قد يخلق حالة من الهلع أو يدفع بعض المتابعين إلى فهم مشاكلهم النفسية بطريقة خاطئة.
كما نبه إلى أن بعض الأشخاص يروجون لأنفسهم باعتبارهم مختصين، رغم حصولهم على شهادات من مؤسسات غير معروفة أو تكوينات غير معترف بها، وهو ما ساهم في ظهور مراكز غير مهيكلة للاستشارة أو العلاج النفسي، تشكل تهديدا حقيقيا للمواطنين.
مخاطر بعيدة الأمد
وأشار الطاهري إلى أن عددا من ضحايا هذه الممارسات لا يلجؤون إلى المختصين الحقيقيين إلا بعد تفاقم وضعيتهم النفسية، حيث يكتشف الطبيب أو الأخصائي حجم الضرر الناتج عن نصائح غير علمية، كتعويض العلاج النفسي أو الدوائي بتقنيات “الطاقة” أو “الاسترخاء” أو وصفات غير مؤسسة طبيا، وبالتالي يكون التدخل أكثر صعوبة ويكون العلاج أطول.
ودعا المتحدث إلى تعزيز آليات المراقبة والتصدي للمحتويات المضللة المرتبطة بالصحة النفسية، مع ضرورة تنظيم المهنة وتحديد شروط واضحة لممارسة العلاج النفسي، حماية لصحة المواطنين النفسية والعقلية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع