مجتمع
بين القلق والاكتئاب.. كيف تتحول الشاشات إلى تهديد لصحة الطفل النفسية؟
22/02/2026 - 14:16
خولة ازنيزني
يتزايد الاهتمام العالمي بتأثير الشاشات على الأطفال في ظل التحول الرقمي الذي جعل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والتلفزيون جزءا من الحياة اليومية داخل الأسر، وبينما اتجهت دول عدة إلى تقييد استخدام القاصرين لمنصات التواصل الاجتماعي، تحذر دراسات حديثة من ارتباط الاستخدام المفرط للشاشات بارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأطفال، خاصة على المدى الطويل.
وأظهرت أحدث هذه الدراسات، المنشورة في“Nature Portfolio”، والتي شملت أكثر من 50 ألف طفل أمريكي تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاما، أن قضاء أربع ساعات أو أكثر يوميا أمام الشاشات يرتبط بارتفاع احتمال الإصابة بالاكتئاب بنسبة 61 في المائة، والقلق بنسبة 45 في المائة، والمشكلات السلوكية بنسبة 24 في المائة، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بنسبة 21 في المائة.
كما كشفت البيانات أن نحو ثلث الأطفال يقضون وقتا طويلا أمام الشاشات، مقابل التزام ضعيف بالنشاط البدني المنتظم؛ إذ لا يحقق التوصيات اليومية بممارسة 60 دقيقة من النشاط سوى طفل واحد من كل خمسة، بينما لا يحافظ على روتين نوم منتظم سوى واحد من كل أربعة أطفال.
“إدمان الدوبامين” وضعف التركيز
يرى أخصائي الطب النفسي للأطفال والمراهقين، بوشعيب كرومي، أن الخطر لا يرتبط بالشاشة في حد ذاتها، بل بطريقة ومدة الاستعمال وطبيعة المحتوى المعروض. فالتعرض المستمر لمحتويات سريعة الإيقاع، أو لمضامين عنيفة أو غير ملائمة للعمر، قد يؤثر على قدرة الطفل على التركيز، ويزيد من حدة التوتر والانفعال، كما قد يعزز المقارنة الاجتماعية السلبية في سن مبكرة.
ويوضح كرومي، في تصريح لـSNRTnews، أن الاستخدام غير المنظم قد يتحول إلى نمط متكرر يرسخ نوعا من الاعتماد السلوكي، مشيرا إلى أن هذا التشتت له تأثير مباشر على القدرة على التعلم والسلوك والصحة العامة.
ويضيف أن ضعف التركيز أصبح ظاهرة شائعة بين الأطفال، وغالبا ما يرتبط بقضاء وقت طويل أمام الهواتف أو الألعاب الإلكترونية، ما يخل بنمط النوم ويزيد من العصبية ونوبات الغضب عند تقليص مدة الاستخدام.
ويؤكد أن التوازن بين الشاشات والنشاط البدني والاسترخاء أمر ضروري لحماية جميع جوانب حياة الطفل، خصوصا التعلم، لأن الوقت الطويل أمام الشاشات غالبا ما يكون على حساب النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي الواقعي، وهما عنصران أساسيان في النمو النفسي السليم، فالحركة واللعب الحر والتواصل المباشر تساهم في تطوير المهارات الاجتماعية وتنظيم الانفعالات وتعزيز الثقة بالنفس.
ويشدد على أن الطفل في سن مبكرة يحتاج إلى ممارسة أنشطة بدنية ومساحات أوسع للتواصل والتفاعل مع أقرانه، وإذا تراجع الجانب الترفيهي البدني أمام تنامي التواصل الافتراضي، فإن ذلك قد يؤدي إلى اختلال في التوازن النمائي.
وتشير المعطيات إلى أن النشاط البدني يعد العامل الوقائي الأكثر تأثيرا في العلاقة بين الإفراط في استخدام الشاشات ومشكلات الصحة النفسية، إذ يفسر ما يصل إلى 39 في المائة من هذه العلاقة، في المقابل، يُعزى نحو 23.9 في المائة من هذا الارتباط إلى عدم انتظام مواعيد النوم، بينما يفسر قصر مدة النوم بحوالي 7.24 في المائة.
ويضيف كرومي، أن الطفل الصغير يحتاج إلى استكشاف بيئته باستخدام جميع حواسه ليتعلم عن العالم، لذلك من المهم جدا أن يتفاعل مع مساحات وأنشطة ثلاثية الأبعاد، لأنها توفر معلومات أعمق من مجرد مشاهدة صورة ثنائية الأبعاد على الشاشة.
وتظهر الدراسات أن الأطفال دون سن الثانية يتعلمون بدرجة أقل من الفيديو مقارنة بالتعلم المباشر من شخص آخر، ورغم أن بعض الأطفال قد يشاهدون التلفزيون في عمر ستة أشهر، فإن فهم المحتوى لا يحدث عادة إلا بعد سن الثانية، فهم قد ينجذبون إلى ما يعرض على الشاشة، لكنهم لا يكتسبون التعلم بالفاعلية نفسها.
فالطفل لن يتعلم لعبة تركيب الصور بمجرد مشاهدتها على الشاشة، بل من خلال لمس القطع، والشعور بملمسها ووزنها، واستخدام أسلوب التجربة والخطأ.
ويضيف كرومي أن العديد من الأطفال اليوم يعانون من صعوبة في التركيز نتيجة الاستخدام المفرط وغير المنظم للشاشات، ومن بين العلامات الملحوظة إصرار الأطفال على استخدام الهواتف خلال أوقات فراغهم، وإظهار سلوكيات تدل على نفاد الصبر، إضافة إلى نوبات غضب عند تقليص وقت الشاشة، وهو ما يجعل من الصعب على بعض الآباء فرض حدود واضحة.
النوم والقلق والمهارات الاجتماعية
من جانبها، توضح الأخصائية النفسية أمل السبتي أن دماغ الطفل في سنواته الأولى يكون في طور إعادة تشكيل بنيته عبر التفاعل مع البيئة، مشيرة إلى أن التعرض المطول للشاشات يحفز إفراز الدوبامين بشكل سريع ومستمر، ما يدفع الطفل إلى البحث عن “المكافأة الفورية”، ويجعله أقل صبرا تجاه المهام التي تتطلب جهدا وتركيزا.
وتحذر السبتي، في تصريحها لـSNRTnews، من أن هذا النمط قد يؤثر على تنمية المهارات الاجتماعية، لأن قراءة لغة الجسد والذكاء الاجتماعي يبنيان عبر التفاعل الواقعي لا الافتراضي، كما أن قلة التفاعل قد تسهم في ارتفاع مشاعر القلق والإحباط لدى بعض الأطفال والمراهقين.
وتضيف أن هناك ارتباطا واضحا بين الإفراط في استخدام الشاشات واضطراب أنماط النوم، إذ يؤثر الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة على إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، ما يؤدي إلى صعوبة في الخلود إليه أو تقطع فتراته، وهو ما ينعكس بدوره على المزاج والتركيز والتحصيل الدراسي.
وتسجل الأخصائية أن من أبرز المشكلات المطروحة القلق، وصعوبة التمييز لدى بعض الأطفال بين العالم الواقعي والافتراضي، ما قد يقلل من التفاعل الاجتماعي مع الأسرة والأصدقاء، ويزيد من احتمالات التعرض لمحتويات غير ملائمة، الأمر الذي قد يعرضهم لمشاعر القلق والاكتئاب.
وتشير إلى أن قضاء وقت طويل أمام الشاشات قد يرتبط بتأخر النمو لدى الأطفال الصغار، خاصة في مهارات التواصل وحل المشكلات في عمر السنتين إلى أربع سنوات. كما ارتبط الاستخدام المطول للشاشات في عمر السنة الواحدة بتأخر في المهارات الحركية الدقيقة والمهارات الشخصية والاجتماعية في عمر السنتين.
مشيرة إلى أن دراسات سابقة أثبتت وجود علاقة بين كثرة التعرض للشاشات وتراجع نتائج الأطفال في اختبارات اللغة والتفكير، بل وارتباط ذلك بترقق في قشرة الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التفكير النقدي والاستدلال.
كما أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يعيق قدرة الطفل على الملاحظة وتجربة الأنشطة اليومية الضرورية للتعلم، ما يؤثر على نموه الشامل، وعلى تطور لغته وقدرته على التفاعل مع الآخرين.
نحو “إدارة ذكية” للاستخدام
ورغم هذه المؤشرات، تؤكد السبتي أن الحل لا يكمن في المنع التام، بل في إرساء توازن صحي داخل الأسرة وإدارة ذكية لاستخدام الشاشات، ويشمل ذلك تحديد مدة زمنية واضحة، ومراقبة نوعية المحتوى، وتشجيع الأطفال على ممارسة أنشطة بديلة، وتعزيز النشاط البدني، إضافة إلى جعل الوالدين قدوة في الاستعمال المعتدل للتكنولوجيا، وتخصيص وقت عائلي خال من الشاشات، مع تجنب استخدامها أثناء الوجبات.
كما ينبغي الحذر من الاعتماد على الشاشات لتشتيت انتباه الطفل عن مشكلاته بدل مساعدته على فهمها وحلها، فمواساة الطفل والتفاعل المباشر معه أكثر فاعلية من اللجوء إلى محتوى رقمي كحل سريع.
وفي هذا السياق، تؤكد أن الأطفال ليسوا بحاجة دائمة إلى التسلية المستمرة؛ فالفراغ والملل قد يشكلان محفزًا للخيال والإبداع، ويساهمان في بناء شخصية مستقلة وقادرة على الإنتاج مستقبلا.
مقالات ذات صلة
عالم
عالم
عالم
مجتمع