مجتمع
حمض اللاكتيك المنزلي.. ادعاءات علاجية ومخاطر صحية
11/07/2026 - 14:19
خولة ازنيزني
تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الآونة الأخيرة إلى فضاء لتداول وصفات منزلية تدعي إمكانية تحضير ما يعرف بـمشروب حمض اللاكتيك" Lactic Acid" وشربه لعلاج عدد من الأمراض، من اضطرابات الجهاز الهضمي إلى تقوية المناعة، وسط مقاطع مصورة تحصد آلاف المشاهدات وتقدم هذه الوصفات باعتبارها بديلا طبيعيا وآمنا.
ولا يقتصر الأمر على الترويج لتحضير هذا الحمض داخل المنازل، بل يمتد إلى الادعاء بأنه قادر على علاج أمراض مزمنة أو لتحسين الهضم، وهي مزاعم يرفضها مختصون في التغذية والصحة، مؤكدين أنها تفتقر إلى أي أساس علمي، وقد تدفع أشخاصا إلى تعريض أنفسهم لمضاعفات صحية خطيرة أو التخلي عن العلاج الطبي.
وفي المقابل، يحذر خبراء من أن تحضير مواد متخمرة أو محاليل يعتقد أنها تحتوي على حمض اللاكتيك في ظروف منزلية، ثم استهلاكها لأغراض علاجية، قد ينطوي على مخاطر صحية، في ظل غياب أي رقابة على طريقة التحضير أو تركيز المادة أو سلامتها الميكروبيولوجية.
"ترند" بلا أساس علمي
تشدد أخصائية التغذية أسماء زريول، على أن مشروب حمض اللاكتيك يعد ترندا جديدا، واصفة إياه بأنه من أكبر الأكاذيب الصحية التي روجت لها مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنه لا يمت بصلة إلى الطب أو التغذية العلاجية، ولا يوجد أي مرض محدد ثبت علميا أنه يعالجه.
وتوضح زريول، في تصريحها لـSNRTnews، أن حمض اللاكتيك ليس مشروبا علاجيا، وأن الترويج له باعتباره علاجا لمختلف الأمراض يفتقر إلى الأدلة العلمية، مشيرة إلى أن الجسم ينتج حمض اللاكتيك بشكل طبيعي داخل خلايا العضلات وخلايا الدم الحمراء عندما يحول الغذاء إلى طاقة، خاصة في الحالات التي تنخفض فيها مستويات الأوكسجين، مثل أثناء ممارسة التمارين الرياضية المكثفة أو خلال الإصابة ببعض الأمراض. وبعد انتهاء المجهود أو التعافي، يعود مستوى الحمض إلى معدلاته الطبيعية دون الحاجة إلى أي تدخل.
وتؤكد أن هذه العملية الحيوية الطبيعية لا يمكن مقارنتها بتناول مادة يتم تحضيرها منزليا، لأن إنتاج حمض اللاكتيك داخل الجسم يتم وفق تفاعلات بيولوجية دقيقة داخل الخلايا، بينما استهلاك مشروب مجهول التركيب لا يخضع لأي ضوابط علمية أو صحية.
من البكتيريا النافعة إلى الممرضة
وتلفت زريول إلى أن الخطر لا يرتبط فقط بادعاءات العلاج، وإنما أيضا بطريقة التحضير، موضحة أن تصنيع هذه الوصفات داخل المنازل قد يؤدي إلى نمو بكتيريا ممرضة أكثر من البكتيريا النافعة، بسبب غياب شروط التعقيم والرقابة التي تعتمدها المختبرات أو الصناعات الغذائية.
وأضافت أن الشخص العادي لا يستطيع تحديد نسب المكونات أو مراقبة ظروف التخمير والحفظ، وهو ما يزيد من احتمالات تلوث المنتج أو فساده. كما أن كثيرا من هذه الوصفات يتم حفظها في قنينات بلاستيكية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتقال جزيئات الميكروبلاستيك إلى المشروب، مما يضيف مخاطر صحية أخرى.
وتحذر أخصائية التغذية من أن استهلاك هذه المنتجات مجهولة التركيب قد يؤدي إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي، مثل الغثيان والقيء وآلام المعدة والتشنجات والإسهال، كما قد يسبب تهيجا للمعدة والقولون، وقد تظهر حالات تسمم غذائي نتيجة التلوث البكتيري أو الفطري الناتج عن التخمير غير السليم.
وتضيف أنه قد يحتوي أيضا على نسب من الكحول ناتجة عن عملية التخمير، في ظل غياب أي وسيلة لدى الأشخاص العاديين لمعرفة تركيزها أو التحكم فيها.
وتؤكد زريول أن شرب حمض اللاكتيك بتركيزات مرتفعة أو تناول محاليل مجهولة التركيب قد يؤدي إلى مضاعفات أكثر خطورة، من بينها حروق كيميائية في المريء والمعدة، وقرحات في الجهاز الهضمي، إضافة إلى اضطرابات هضمية بعيدة المدى قد تشمل الغثيان والقيء والإسهال وآلام البطن.
وفي الحالات الشديدة، قد يساهم استهلاك كميات كبيرة من الحمض في اضطراب توازن حموضة الجسم، وهو ما قد يؤدي إلى ما يعرف بالحماض اللبني، وهي حالة طبية خطيرة قد تؤثر في وظائف الكبد والكلى والقلب، وتسبب أعراضا مثل ضيق التنفس، وتسارع نبضات القلب، والإرهاق الشديد والارتباك الذهني.
تأثير الدواء الوهمي وتأخير العلاج الحقيقي
وتشير زريول إلى أن بعض الأشخاص يروجون لتجارب شخصية يؤكدون فيها أنهم شعروا بتحسن بعد تناول هذا المشروب، إلا أن ذلك لا يعد دليلا على فعاليته، موضحة أن الأمر قد يكون مرتبطا بما يعرف بـ"تأثير الدواء الوهمي"، وهو تحسن يشعر به الشخص نتيجة اقتناعه بأن العلاج سيفيده، وليس بسبب وجود تأثير علاجي حقيقي للمادة المستعملة.
وترى أن أخطر ما في هذه الوصفات هو أنها قد تدفع المرضى إلى تأجيل العلاج الطبي أو التخلي عنه، اعتقادا منهم بأن الوصفة المنزلية كافية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم حالتهم الصحية وضياع فرص العلاج المبكر، فضلا عن احتمال حدوث تفاعلات خطيرة مع بعض الأدوية أو التأثير في فعاليتها، الأمر الذي قد يشكل خطرا على حياة المرضى.
وتصف أخصائية التغذية هذه الظاهرة بأنها أزمة معلومة، معتبرة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة لانتشار معلومات طبية غير دقيقة، تقدم غالبا تحت شعار المعرفة قوة بينما تكون في الواقع معلومات مجتزأة أو مبسطة بشكل مخل.
وتضيف أن منصات التواصل منحت الجميع إمكانية إنتاج المحتوى، بما في ذلك في المواضيع الطبية الحساسة، فأصبح بإمكان أي شخص أن يقدم نفسه على أنه خبير أو مختص، سواء بدافع حسن النية أو سعيا إلى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو تسويق منتجات، دون أن يستند إلى أدلة علمية موثوقة.
وأشارت إلى أنه في السابق كان الناس يعتمدون بشكل أكبر على الأطباء والكتب والمراجع العلمية، بينما أصبح كثيرون اليوم يبحثون عن حلول سريعة عبر الإنترنت، ما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق الادعاءات الزائفة أو المبالغ فيها.
وشددت زريول على ضرورة تجاوز الوصفات الصحية الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم اعتمادها بديلا عن الاستشارة الطبية، داعية إلى تقنين المحتوى الصحي المنشور عبر هذه المنصات وتشديد مراقبته، لأن نسبة كبيرة منه ذات أهداف ترويجية بحتة، في حين أن جزءا محدودا فقط يستند إلى معطيات علمية موثوقة، مؤكدة أن الحفاظ على صحة المواطنين يقتضي الرجوع دائما إلى المختصين والاعتماد على الطب المبني على الأدلة، بدل الانسياق وراء الترند والوصفات التي قد تحمل مخاطر تفوق بكثير ما تدعيه من فوائد.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع