اقتصاد
تركيا تعزز صادراتها إلى المغرب.. متى تنجح الصناعة الوطنية في تحقيق توازن تجاري؟
10/07/2026 - 23:41
خولة ازنيزني
واصلت المبادلات التجارية بين تركيا والدول الإفريقية منحاها التصاعدي خلال النصف الأول من السنة الجارية، بعدما بلغت قيمة الصادرات التركية نحو 11 مليار دولار، بزيادة بلغت 12 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وفق أحدث معطيات مجلس المصدرين الأتراك (TIM).
وفي مقدمة الشركاء الأفارقة، برز المغرب باعتباره أكبر مستورد للمنتجات التركية داخل القارة، بعدما استحوذ على صادرات بقيمة تناهز 2,2 مليار دولار، متقدما على مصر وليبيا والجزائر، وهو ما يعكس استمرار تنامي الحضور الاقتصادي التركي في السوق المغربية، رغم الإجراءات التي اتخذتها الرباط خلال السنوات الأخيرة للحد من اختلال الميزان التجاري بين البلدين
أما على مستوى المبادلات مع المغرب، فقد أظهرت بيانات أبريل الماضي أن الصادرات التركية إلى المملكة ارتفعت بنسبة 15,8 في المائة خلال الربع الأول من السنة الجارية، متجاوزة مليارا و26 مليون دولار أمريكي. وتصدرت المواد والمنتجات الكيماوية قائمة هذه الصادرات بأكثر من 312 مليون دولار، تلتها منتجات صناعة السيارات والمنسوجات والأثاث، إلى جانب منتجات صناعية أخرى.
ويرى أستاذ الاقتصاد وقانون الأعمال بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بدر زاهر الأزرق، أن هذا الارتفاع يعود بالأساس إلى القوة التنافسية للصناعة التركية، التي تتميز بتنوع منتجاتها وجودتها وأسعارها المناسبة، إلى جانب اتفاقية التبادل الحر التي سهلت ولوج المنتجات التركية إلى السوق المغربية.
وأضاف الأزرق، في تصريحه لـSNRTnews، أن انخفاض قيمة الليرة التركية ساهم بدوره في جعل الصادرات التركية أكثر تنافسية مقارنة بمنتجات دول أخرى، مشيرا إلى أن الاقتصاد المغربي يشهد طلبا متزايدا على عدد من المنتجات الصناعية، خاصة المواد الكيماوية وقطع غيار السيارات والمنسوجات والأثاث، وهي قطاعات تمتلك فيها تركيا قاعدة إنتاجية قوية، الأمر الذي يعكس تكاملا جزئيا بين احتياجات السوق المغربية والقدرات الإنتاجية التركية.
استراتيجية تركية لتعزيز الحضور في إفريقيا
ولا تقتصر الأرقام المسجلة على السوق المغربية فقط، بل تندرج ضمن توجه أوسع تنتهجه أنقرة لتعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الإفريقية، فإن الدبلوماسية التجارية أصبحت إحدى الركائز الأساسية في السياسة الاقتصادية الخارجية لتركيا، في إطار رؤية تروم توسيع الشراكات الاقتصادية مع الدول الإفريقية.
وتندرج هذه الدينامية ضمن "استراتيجية تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول الإفريقية"، التي أطلقتها وزارة التجارة التركية منذ سنة 2003، وتهدف إلى تشجيع الاستثمارات المتبادلة، وتعزيز حضور الشركات التركية في مشاريع المقاولات والطاقة والصحة والزراعة والبنية التحتية، فضلا عن توطيد التعاون بين مجتمعي الأعمال في تركيا وإفريقيا.
وترتبط الرباط وأنقرة باتفاقية للتبادل الحر دخلت حيز التنفيذ عقب توقيعها سنة 2004، بهدف دعم المبادلات التجارية وتشجيع التعاون الاقتصادي بين البلدين، غير أن اتساع العجز التجاري لصالح تركيا، نتيجة الارتفاع المتواصل للواردات المغربية، دفع السلطات المغربية إلى مراجعة الاتفاقية سنة 2020.
وفي هذا السياق، أقر المغرب رسوما جمركية بنسبة 90 في المائة على واردات النسيج والملابس الجاهزة التركية، في خطوة استهدفت حماية النسيج الصناعي الوطني والحد من الاختلال المسجل في الميزان التجاري، غير أن عددا من المحللين الاقتصاديين يرون أن هذه الإجراءات لم تنجح في تقليص العجز بشكل ملموس، خاصة مع امتداد المنافسة إلى قطاعات صناعية أخرى.
وفي قراءته لهذا المعطى، يرى الأزرق أن ارتفاع الواردات التركية يساهم في توسيع العجز التجاري بين البلدين، كما يضع بعض الصناعات المغربية، وعلى رأسها قطاع النسيج، أمام منافسة قوية من منتجات منخفضة التكلفة، ما يفرض على المقاولات الوطنية بذل جهود إضافية للحفاظ على حصصها داخل السوق المحلية.
وأوضح أن انخفاض الأسعار لا يعني بالضرورة وجود إغراق بالمعنى القانوني، إلا أن كثافة الواردات قد تؤثر على توازن السوق إذا لم تكن الصناعة الوطنية قادرة على مجاراة المنافسة، مبرزا أن تعديل اتفاقية التبادل الحر وفرض الرسوم الجمركية على بعض المنتجات لم يكن كافيا، لأن المنافسة توسعت لتشمل قطاعات صناعية أخرى.
كيف يحقق المغرب توازنا أكبر؟
ويرى الأستاذ الجامعي أن تحقيق توازن أكبر في المبادلات التجارية يمر عبر تفعيل آليات المراجعة الدورية لاتفاقية التبادل الحر، واستعمال أدوات الحماية التجارية كلما ثبت وجود ضرر حقيقي يلحق بالصناعة الوطنية، مع احترام الالتزامات الدولية للمغرب.
كما دعا إلى تشجيع الاستثمارات التركية داخل المغرب بدل الاقتصار على استيراد المنتجات الجاهزة، إلى جانب دعم المقاولات المغربية للرفع من تنافسيتها، ومواكبة المصدرين المغاربة لولوج السوق التركية، حتى تصبح المبادلات التجارية أكثر توازنا وتحقق منفعة متبادلة.
وأضاف أن تحليل الإطار القانوني والعوائق الواقعية المرتبطة بالعجز التجاري يكشف عن مجموعة من الأسباب، من بينها اعتياد المقاولات المغربية على السوق الأوروبية، وعدم تطوير آليات فعالة لاختراق أسواق جديدة مثل السوق التركية، فضلا عن محدودية أثر الحوافز الموجهة لتشجيع الصادرات.
وشدد كذلك على ضرورة تقوية النسيج المقاولاتي المغربي، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتمكينها من وسائل لوجستية أفضل، من خلال توفير خطوط ملاحية قادرة على ربطها بالأسواق الخارجية، بما يعزز قدرتها على التصدير.
تنافسية الصناعة المغربية
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي والمالي الطيب أعيس أن تركيا أصبحت بالنسبة للمغرب موردا مهما لمنتجات تتميز بجودة مرتفعة وأسعار مناسبة، موضحا أن المبادلات التجارية المغربية كانت تعتمد في السابق أساسا على شركاء أوروبيين مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا، قبل أن تتمكن المنتجات التركية من فرض نفسها بفضل جودة مماثلة وأسعار أقل.
وأوضح أعيس، في تصريحه لـSNRTnews، أن الحديث عن إغراق السوق المغربية بالمنتجات التركية ظل مطروحا منذ سنوات، غير أن ذلك، في نظره، لا ينبغي أن يشكل تهديدا للصناعة الوطنية إذا نجحت هذه الأخيرة في تطوير تنافسيتها.
وقال إن المطلوب اليوم هو بناء صناعة مغربية أكثر قوة، لا تكتفي باستهداف السوق المحلية، وإنما تتجه أيضا نحو الأسواق العالمية بمنتجات ذات جودة وأسعار تنافسية.
وأضاف أن السوق المغربية تعرف اليوم منافسة متزايدة من منتجات صينية وهندية وكورية أيضا، وهو ما يجعل رفع تنافسية الإنتاج الوطني أكثر إلحاحا من التركيز فقط على فرض قيود إضافية على الواردات.
تلقى البضائع التركية تلقى طلبا كبيرا داخل المغرب، سواء من طرف المقاولات التي تعتمد عليها في الإنتاج أو من طرف المستهلكين، وشدد المتحدث على أن الجهد الأساسي ينبغي أن ينصب على تعزيز حضور المنتجات المغربية داخل السوق التركية، بما يساهم في تقليص العجز التجاري، يضيف أعيس.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المغرب يمتلك فرصا واعدة لتعزيز صادراته نحو تركيا، خاصة في قطاعات الفوسفاط ومشتقاته، والمنتجات الكيماوية، ومكونات صناعة السيارات والطيران، بالنظر إلى التطور الذي حققته هذه الصناعات خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن المنتجات الفلاحية والغذائية ومنتجات الصيد البحري، إذا ما جرى تجاوز بعض العراقيل التقنية والجمركية.
وختم بالتأكيد على أن أي إجراءات جمركية إضافية قد يقررها المغرب لن تمنع الشركات من استيراد المنتجات التي تحتاجها إذا لم تتوفر بدائل محلية، مضيفا أن الكلفة النهائية لمثل هذه التدابير غالبا ما يتحملها المستهلك، الأمر الذي يجعل تحسين تنافسية الصناعة المغربية وتنويع صادراتها الخيار الأكثر استدامة لتحقيق توازن أكبر في العلاقات التجارية بين الرباط وأنقرة.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد