فن وثقافة
مونديال 2026.. كيف أعادت كرة القدم الحياة إلى الأغاني القديمة؟
09/07/2026 - 18:36
خولة ازنيزني
لم يقتصر تأثير كأس العالم 2026 على صناعة النجوم داخل المستطيل الأخضر، بل امتد إلى منصات البث الموسيقي، حيث أعاد البطولة إلى الواجهة أغنيات مضى على صدورها سنوات، بل وعقود في بعض الحالات.
وبينما شهدت بعض الأعمال ارتفاعا كبيرا في معدلات الاستماع، تحولت أخرى إلى أناشيد غير رسمية للجماهير، لتؤكد كرة القدم مرة أخرى قدرتها على منح الأغنيات عمرا جديدا، وربطها بذكريات جماعية تتجاوز حدود الرياضة.
ولم تكن هذه الظاهرة جديدة في تاريخ كأس العالم، لكنها بدت أكثر وضوحا في نسخة 2026، مع الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، التي جعلت الأغنيات القديمة ترافق لحظات الاحتفال، وتصل إلى أجيال لم تعش لحظة صدورها الأولى.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أغنية "Waka Waka (This Time for Africa)" للمغنية الكولومبية شاكيرا، التي عادت بقوة إلى قوائم الاستماع ومقاطع الاحتفال، رغم مرور 16 عاما على إصدارها كأغنية رسمية لمونديال جنوب إفريقيا سنة 2010.
فالأغنية لم تعد مجرد عمل ترويجي ارتبط بإحدى نسخ كأس العالم، بل تحولت إلى رمز موسيقي لذاكرة البطولة، ويكفي أن تبدأ مقدمتها الموسيقية حتى يستحضر كثيرون أجواء أول مونديال احتضنته القارة الإفريقية، بما رافقه من احتفالات وألوان ورقصات ومشاهد جماهيرية.
ويفسر هذا الحضور المتجدد قدرة بعض الأغاني على تجاوز وظيفتها الأصلية، لتصبح جزءا من الذاكرة الجماعية، فقد ينسى المشجع نتائج مباريات أو ترتيب مجموعات مونديال 2010، لكنه يتذكر بسهولة إيقاع "واكا واكا" والرقصة المصاحبة لها، وهو ما جعلها تستعيد حضورها في مونديال 2026.
كما ساهم نجاح الأغنية، التي تجاوزت أربعة مليارات مشاهدة على "يوتيوب"، في ترسيخ انتشار الموسيقى الأفرو-لاتينية عالميا، ورسخ اسم شاكيرا باعتبارها الفنانة الأكثر ارتباطا بأغاني كأس العالم، خاصة بعد عودتها للمشاركة في مونديال البرازيل 2014.
ولم تقتصر عودة الأغاني القديمة على الأعمال الرسمية لكأس العالم، إذ شهدت البطولة إحياء عدد من الأغنيات التي لم تُكتب أصلا لكرة القدم، لكنها اكتسبت حياة جديدة بفضل الجماهير.
ومن بين أبرز هذه الأعمال، أغنية "Freed from Desire" للمغنية الإيطالية غالا، الصادرة سنة 1996، والتي أصبحت خلال مونديال 2026 النشيد غير الرسمي لعدد من المنتخبات الأوروبية، من بينها فرنسا وسويسرا والنمسا وهولندا.
ومع كل هدف أو انتصار، كانت الأغنية تصدح في الملاعب، فيما يرددها آلاف المشجعين، لتؤكد أن بعض الأعمال الموسيقية تستطيع تجاوز الزمن عندما تجد سياقا جماعيا جديدا.
وشهدت البطولة أيضا عودة لافتة لأغنية "Wonderwall" لفرقة Oasis البريطانية، بعدما رددها لاعبو المنتخب الإنجليزي مع الجماهير عقب الفوز على كرواتيا.
ورغم أن الأغنية صدرت سنة 1995 بوصفها أغنية حب تميل إلى العاطفة أكثر من الحماس الرياضي، فإنها تحولت إلى نشيد غير رسمي للجماهير الإنجليزية، بفضل لحنها السهل وكلماتها التي يحفظها معظم البريطانيين.
ولم تمض أيام قليلة حتى سجلت نحو 1.71 مليون استماع يوميا على منصة "سبوتيفاي"، كما ارتفعت نسبة الاستماع إليها في المملكة المتحدة بنحو 50 في المائة، لتعود إلى قوائم الأغاني الأكثر تداولا بعد أكثر من ثلاثة عقود على إصدارها.
وتؤكد قصة "Wonderwall" أن لحظة كروية واحدة قد تكون كافية لإعادة عمل موسيقي إلى واجهة المشهد، حتى وإن لم يكن مرتبطا بالرياضة عند إنتاجه.
وفي العالم العربي، سجلت أغنية "ما شربتش من نيلها" للفنانة شيرين عبد الوهاب حضورا مفاجئا خلال البطولة، بعدما ارتفعت معدلات الاستماع إليها عقب فوز المنتخب المصري على نيوزيلندا.
الأغنية، التي صدرت قبل نحو 15 عاما، لم تكتب في سياق رياضي، لكنها وجدت طريقها إلى الملاعب عبر آلاف مقاطع الاحتفال التي نشرها الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول تدريجيا من عمل غنائي إلى رمز للاحتفال بالانتصارات الكروية.
أما الجماهير المكسيكية، فظلت وفية لأغنيتها التاريخية "Cielito Lindo"، التي تحولت إلى النشيد غير الرسمي للمنتخب الوطني، وتعود الأغنية إلى سنة 1882، لكنها ما تزال تتردد في المدرجات جيلا بعد جيل، بفضل لحنها البسيط ولازمتها الشهيرة "Canta y no llores" أو "غن ولا تبكِي"، التي أصبحت شعارا للتفاؤل والصمود لدى المكسيكيين.
ولم يقتصر حضورها على ملاعب كرة القدم، بل رافقت أيضا مناسبات وطنية وأحداثا تاريخية، إذ تعد رمزا للقومية المكسيكية، كما رددها متطوعون خلال عمليات الإنقاذ بعد الزلزال الذي ضرب المكسيك، ما منحها بعدا وطنيا يتجاوز الموسيقى والرياضة.
وفي المقابل، اختار المنتخب الفرنسي استحضار واحدة من أشهر كلاسيكيات الموسيقى الإلكترونية، وهي أغنية "One More Time" لثنائي Daft Punk، الصادرة سنة 2000، والتي صدحت في الملاعب مع انتصارات "الديوك"، لتعيد بدورها الاهتمام بأحد أبرز أعمال الموسيقى الفرنسية الحديثة.
وتكشف هذه الأمثلة أن أغاني كأس العالم لم تعد مجرد أدوات ترويجية للبطولة، بل تحولت إلى أرشيف عاطفي تستعيد من خلاله الجماهير لحظات عاشتها قبل سنوات.
فمجرد سماع لحن ارتبط بمونديال سابق قد يعيد إلى الذاكرة مكان مشاهدة المباراة، والأصدقاء الذين شاركوا لحظات التشجيع، وحتى تفاصيل الحياة الشخصية في تلك المرحلة، لتثبت أن بعض الألحان قد تعيش طويلا بفضل هدف، أو احتفال، أو لحظة كروية لا تنسى.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
رياضة
فن و ثقافة
رياضة