رياضة
وهبي.. "البروفيسور" الذي غير أسلوب المغرب من ردة الفعل إلى الفعل
08/07/2026 - 23:29
مراد كراخي
من عتمة الظل وملاعب التكوين الفئوي، يصنع الكبار عادة مساراتهم. هكذا تبدو قصة المدرب المغربي محمد وهبي، الذي شق طريقه بهدوء وثبات نحو عالم النخبة، بعدما راكم تجربة طويلة في التكوين وصناعة اللاعبين قبل أن يحمل مسؤولية قيادة المنتخب الوطني الأول.
يمتلك وهبي بروفايلا خاصا بين المدربين المغاربة، فهو يجمع بين ثقافتين كرويتين، مغربية وبلجيكية، صقلتهما سبعة عشر عاما قضاها داخل أروقة نادي أندرلخت البلجيكي، أحد أبرز مصانع المواهب في أوروبا، حيث كان جزءا من منظومة ساهمت في تكوين جيل من اللاعبين الذين وصلوا لاحقا إلى أعلى مستويات كرة القدم العالمية.
جمع وهبي (49 سنة) بين شغفه الكبير بكرة القدم وعمله مدرسا للتربية البدنية، قبل أن يتفرغ لمساره التدريبي، وهو تكوين انعكس على شخصيته داخل الملعب، إذ عمل مساعدا للمدرب في أندرلخت، ثم لفترة قصيرة مع نادي الفتح السعودي إلى جانب المدرب البلجيكي يانيك فيريرا.
هذه الخلفية دفعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى منحه فرصة قيادة المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة في مارس 2022، قبل أن يحقق معه لقب كأس العالم تحت 20 سنة "تشيلي 2025"، وهو الإنجاز الذي فتح أمامه الطريق لخلافة وليد الركراكي على رأس المنتخب الأول.
"البروفيسور"
خلف ملامحه الهادئة التي تشبه، حسب وصف صحيفة "ليكيب" الفرنسية، صورة "التلميذ المثالي والمنضبط في الفصل"، تختبئ شخصية مدرب صارم لا يتردد في اتخاذ القرارات الصعبة.
ويحظى وهبي بتقدير كبير من المقربين منه، الذين يصفونه بالرجل الشغوف والمتواضع، لكنه في الوقت نفسه يمتلك شخصية حازمة يمكن اختصارها في عبارة: "قبضة حديدية في قفاز من مخمل".
أما لقب "البروفيسور"، الذي يرافقه منذ سنوات، فلا يمثل مجرد مزحة بين زملائه، بل يعكس طريقة تفكيره وعلاقته بالتفاصيل. فقد كان معروفا منذ بداياته في مسار التكوين التدريبي بحمله الدائم لدفتر ملاحظات صغير يدون فيه الأفكار الفنية والملاحظات التكتيكية الدقيقة.
ويروي المدرب أحمد رامي، أحد المقربين منه، أن وهبي كان يثير الانتباه خلال اجتيازه اختبارات الحصول على رخص التدريب الأوروبية، بسبب شغفه بتحليل الجزئيات الصغيرة التي يمكن أن تصنع الفارق داخل الملعب، وهو ما دفع أصدقاءه إلى منحه لقب "البروفيسور".
فبالنسبة إلى وهبي، لا يتعلق التفوق التكتيكي فقط بوضع الخطط، بل بقراءة الخصم، وفهم تفاصيل المباراة، والبحث المستمر عن حلول جديدة لإرباك المنافسين.
وراء هذا المظهر الأكاديمي الهادئ، توجد شخصية لا تقبل أن تكون الأسماء أكبر من المجموعة. يؤمن وهبي بأن الانضباط الجماعي يسبق الموهبة الفردية، وأن أي لاعب مهما كان اسمه لا يمكن أن يكون فوق الفريق.
ويؤكد أحمد رامي أن وهبي لم يكن يتردد في استبعاد لاعبين موهوبين عندما يشعر بأن سلوكهم يؤثر على توازن المجموعة أو أنهم بدأوا يعيشون دور النجم، مفضلا دائما الحفاظ على الانسجام داخل الفريق.
هذه الفلسفة ظهرت أيضا في خياراته مع المنتخب الوطني، حيث راهن على ضخ دماء جديدة ومنح الفرصة لجيل شاب، معتمداً على قناعته بأن المستقبل يحتاج إلى لاعبين قادرين على استيعاب مشروعه الكروي.
من ردة الفعل إلى الفعل
يقود مشروع محمد وهبي يقوم على تغيير تدريجي في هوية المنتخب المغربي، من فريق يعتمد أساسا على ردة الفعل والانتقالات السريعة، إلى منتخب قادر على المبادرة وفرض أسلوبه على المنافسين، وفق ما أورده موقع FIFA خلال كأس العالم 2026.
"لن أحضر بطريقة مختلفة لمباراة البرازيل، فنحن لدينا فلسفتنا الخاصة". بهذه الكلمات، لخص وهبي رؤيته قبل مواجهة أحد أكبر المنتخبات في تاريخ كرة القدم، مؤكدا أن المغرب لم يعد يبحث فقط عن كيفية إيقاف الخصوم، بل عن كيفية فرض شخصيته داخل الملعب.
وأمام البرازيل في المباراة الافتتاحية التي انتهت بالتعادل 1-1، ظهر المنتخب المغربي بصورة مختلفة؛ فالكرة كانت في أقدام لاعبيه لفترات طويلة، والمبادرة الهجومية كانت حاضرة، بينما وجد المنافس نفسه مطالبا بمجاراة إيقاع "أسود الأطلس".
هذا التحول لا يعني التخلي عن المكتسبات التي صنعها المنتخب في مونديال قطر 2022، بل تطويرها. فالمغرب حافظ على صلابته الدفاعية وقوته الذهنية، وأضاف إليها قدرة أكبر على الاستحواذ وصناعة اللعب.
وقال وهبي قبل مواجهة كندا إن اللاعب المغربي "يحب لمس الكرة ويمتلك القدرة على الركض والتحرك لفترات طويلة"، مؤكدا أن بناء الهوية الجديدة للمنتخب انطلق من هذه الخصائص. كما ظهر هذا التطور سابقا أمام هولندا، حيث لم يكتف المغرب بالدفاع أو انتظار أخطاء المنافس، بل واصل البحث عن الحلول وفرض إيقاعه، قبل أن يحسم التأهل بركلات الترجيح.
لم يأت تحول المنتخب المغربي على حساب الروح التي صنعت إنجاز قطر 2022، بل جاء امتدادا لها. فالقوة الذهنية والقتالية التي رسخها وليد الركراكي بقيت حاضرة، لكن تمت إضافة أسلوب أكثر جرأة في الاستحواذ وبناء الهجمات.
وساعد على ترسيخ هذه الهوية بروز جيل جديد من اللاعبين، في مقدمتهم أيوب بوعدي، الذي يمثل نموذج اللاعب الذي يبحث عنه وهبي: لاعب ذكي، قادر على الربط بين الخطوط، واتخاذ القرار تحت الضغط. وفي المقابل، يواصل قادة الجيل السابق، وعلى رأسهم ياسين بونو وأشرف حكيمي وعز الدين أوناحي، حمل روح المنتخب ونقل ثقافة المنافسة إلى العناصر الجديدة.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة