سياسة
الطب الشرعي بالمغرب تحت أضواء تقرير برلماني
09/07/2026 - 09:47
يونس أباعلي
كشف تقرير مهمة استطلاعية برلمانية أن عدد الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي بلغ سنة 2024 ما مجموعه 172 طبيبا، بينما لم يكن عدد الأطباء المتخصصين يتجاوز 25 طبيبا وفق التقرير التركيبي لرئاسة النيابة العامة، قبل أن يرتفع إلى30 طبيبا في يناير 2025.
وفي المقابل، تفيد معطيات التقرير، الذي ناقشته لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، الثلاثاء 7 يوليوز 2026، بأن عدد المتخصصين بلغ 28 طبيبا، موزعين بين 12 أستاذا جامعيا بالمراكز الاستشفائية الجامعية و16 طبيبا متخصصا بالمستشفيات الجهوية والإقليمية.
موارد بشرية محدودة أمام طلب متزايد
ورغم هذا التطور النسبي، ما يزال 147 طبيبا غير متخصص يزاولون بعض اختصاصات الطب الشرعي داخل المؤسسات الصحية ومكاتب حفظ الصحة، في إطار الاختصاصات المخولة لهم قانونا، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على أطر غير متخصصة لسد الخصاص المسجل.
وتبرز الأرقام، في المقابل، استمرار التفاوت المجالي، إذ لا تزال 10 دوائر قضائية بالمملكة تفتقر إلى طبيب شرعي متخصص، الأمر الذي يطرح تحديات مرتبطة بسرعة إنجاز الخبرات وضمان الولوج المتكافئ إلى خدمات الطب الشرعي.
آلاف الخبرات والفحوص سنويا
وتعكس حصيلة أنشطة الطب الشرعي خلال سنة 2024 حجم الأعباء التي تتحملها هذه المصالح، إذ جرى إنجاز 3488 فحصا سريريا للمصابين، إلى جانب 2095 عملية لرفع العينات العضوية، فيما بلغ عدد طلبات الشرطة القضائية المرتبطة بالخبرة الطبية الشرعية 1833 طلبا.
كما قدم الأطباء الشرعيون 886 رأيا فنيا أمام القضاء، وأنجزوا 884 عملية أخرى تدخل في نطاق اختصاصاتهم، فضلا عن 263 معاينة ميدانية و57 فحصا للأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية أو الاحتفاظ، إضافة إلى 33 عملية لتقدير السن.
وتعكس هذه المؤشرات تنوع المهام التي يضطلع بها الطب الشرعي، والتي لم تعد تقتصر على تشريح الجثث، بل تشمل أيضا إنجاز الخبرات الطبية لفائدة القضاء، والتدخل في الأبحاث الجنائية، وتقديم الرأي العلمي في مختلف القضايا ذات الطابع الطبي والقضائي.
تقارير وفيات وتشريحات
وتكشف المؤشرات الوطنية لسنة 2024 عن معالجة 24 ألفا و455 تقريرا يتعلق بحالات الوفاة، في وقت أصدرت فيه النيابات العامة 14 ألفا و830 أمرا بإجراء تشريح طبي، وهو ما يبرز المكانة التي يحتلها الطب الشرعي في مسار البحث القضائي وكشف ملابسات الوفاة.
وخلال السنة نفسها، بلغ عدد التشريحات الطبية الإجبارية 1801 تشريح، بينما أنجزت مصالح الطب الشرعي 382 فحصا للتحقق من ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، بما يعكس اتساع نطاق تدخل هذا التخصص في حماية الحقوق والحريات وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.
نحو خارطة طريق
أوصى التقرير باستكمال المنظومة القانونية المنظمة للطب الشرعي، من خلال مراجعة عدد من مقتضيات القانون رقم 77.17، والإسراع بإصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيله وتحيينها بما يواكب تطور هذا التخصص.
ولم يغفل التقرير الجانب المتعلق بالخبرة الطبية الشرعية، إذ شدد على ضرورة مراجعة النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لها، وكذا تلك المتعلقة بتقييم الضرر الجسدي، مع توحيد المرجعيات المعتمدة في تقدير نسب العجز والأضرار البدنية، وملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية ذات الصلة، ولا سيما بروتوكول إسطنبول.
وفي الجانب المالي، دعا التقرير إلى إعادة النظر في منظومة المصاريف القضائية والتعويضات الممنوحة عن الأعمال الطبية الشرعية، والرفع من قيمتها بما يتناسب مع طبيعة المهام التي ينجزها الأطباء الشرعيون وحجم المسؤولية العلمية والقانونية الملقاة على عاتقهم.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، شدد التقرير على أهمية اعتماد إجراءات تحفيزية لاستقطاب الأطباء نحو هذا التخصص، وتحسين أوضاعهم المادية والمهنية، وتعزيز التكوين التخصصي والمستمر، مع إدماج وحدات خاصة بالطب الشرعي وحقوق الإنسان والتوثيق الطبي الشرعي ضمن برامج التكوين الأساسي للأطباء.
واعتبر وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن إصلاح منظومة الطب الشرعي يمر عبر مراجعة التعويضات الممنوحة للأطباء الشرعيين، مؤكدا أن المقابل المالي المعتمد حاليا لم يعد يرقى إلى حجم المسؤوليات والمهام التي يضطلعون بها.
وأوضح، خلال اجتماع اللجنة، أن مراجعة قانون المصاريف القضائية أصبحت ضرورة ملحة، بالنظر إلى ضعف التعويضات الحالية وعدم ملاءمتها لطبيعة العمل الذي ينجزه الطبيب الشرعي.
وأشار إلى أن الإشكال الذي يواجه هذا التخصص لا يقتصر على الجانب المالي، بل يمتد إلى محدودية جاذبيته بالنسبة للأطباء، وما يترتب عن ذلك من صعوبة في استقطاب كفاءات جديدة للعمل في هذا المجال. وأضاف أن توزيع الأطباء الشرعيين يعرف بدوره اختلالا على المستوى الترابي، إذ يتركز عدد منهم في مدن معينة، مقابل استمرار الخصاص في مناطق أخرى.
وفي سياق متصل، نبه وزير العدل إلى أن بعض حالات الوفاة تُحال على التشريح الطبي رغم غياب شبهة واضحة، مرجعا ذلك إلى تخوف بعض المسؤولين من تحمل المسؤولية.
واعتبر أن هذه الممارسة تستوجب معالجة قانونية ومهنية دقيقة، بما يحقق التوازن بين متطلبات البحث القضائي من جهة، وصون كرامة المتوفين ومراعاة مشاعر وحقوق أسرهم من جهة أخرى.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع