رياضة
مشاركة مشرفة وحضور وازن بين الكبار.. ماذا ربح المغرب في مونديال 2026؟
10/07/2026 - 00:39
رضى زروق
لم يكن خروج المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 أمام فرنسا نهاية لحلم بقدر ما كان محطة جديدة في مسار بدأ قبل أربع سنوات في قطر، حين غير "أسود الأطلس" نظرة العالم إلى كرة القدم العربية والإفريقية ببلوغهم نصف النهائي لأول مرة في التاريخ.
صحيح أن المنتخب المغربي لم يكرر إنجاز الوصول إلى المربع الذهبي، لكنه أنهى مشاركته هذه المرة ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم، في نسخة مختلفة تماما تضم 48 منتخبا بدل 32، مع إضافة دور جديد هو سدس عشر النهائي، ما يعني أن المغرب تجاوز مرحلة إضافية قبل أن يصطدم مجددا بفرنسا، أحد أقوى منتخبات العالم والمرشح الأول للتتويج باللقب.
بعيدا عن نتيجة مباراة فرنسا، تبدو الحصيلة العامة إيجابية، لأنها أكدت أن ما تحقق في مونديال قطر لم يكن استثناء، بل بداية مشروع رياضي يواصل التطور.
سيناريو يعيد إلى الأذهان مونديال قطر
من المفارقات أن الظروف التي دخل بها المنتخب المغربي مونديال 2026 تشبه إلى حد بعيد ما حدث قبل أربع سنوات. ففي 2022، جاء وليد الركراكي قبل أقل من ثلاثة أشهر من انطلاق كأس العالم خلفا لوحيد خاليلوزيتش، ونجح في قيادة المنتخب إلى أفضل إنجاز في تاريخ الكرة الإفريقية.
وفي 2026، وجد محمد وهبي نفسه أمام التحدي ذاته، بعدما تسلم قيادة المنتخب قبل فترة قصيرة من انطلاق المونديال، وسط كثير من التساؤلات حول قدرة المدرب الشاب على قيادة مجموعة تضم أسماء كبيرة وأخرى تدخل كأس العالم لأول مرة، لكن وهبي لم يكتف بالحفاظ على إرث مونديال قطر، بل حاول تطويره.
جرأة في الاختيارات ورهان على المستقبل
منذ الإعلان عن اللائحة النهائية، بدا واضحا أن المدرب الجديد يريد فتح صفحة جديدة داخل المنتخب، حيث منح الفرصة للمدافع عيسى ديوب، الذي أصبح أحد أعمدة الخط الخلفي، كما راهن على أسماء شابة مثل أيوب بوعدي وياسين جسيم وسمير مرابط، إلى جانب مواصلة الثقة في عناصر أخرى شابة بدأت تفرض نفسها تدريجيا.
ولم تكن هذه الاختيارات مرتبطة فقط بالمونديال الحالي، بل بدت أيضا استثمارا في المستقبل، بالنظر إلى أن جزءا مهما من هذا الجيل سيكون في أوج عطائه خلال مونديال 2030 الذي سيقام بالمغرب وإسبانيا والبرتغال، كما أن ثقة وهبي في اللاعبين الشباب نابعة من تتويجه بلقب كأس العالم لأقل من 20 سنة في شتنبر الماضي، على حساب الأرجنتين.
مسار ناجح في الدور الأول
استهل المنتخب المغربي البطولة برسالة قوية أمام المنتخب البرازيلي، أحد أبرز المرشحين للقب. وفرض "أسود الأطلس" شخصيتهم على المباراة، ونجحوا في السيطرة على فترات طويلة والاستحواذ على الكرة، قبل أن تنتهي المواجهة بالتعادل بهدف لمثله، في مباراة أكدت منذ البداية أن المنتخب المغربي لم يعد يخشى مواجهة كبار العالم.
في الجولة الثانية، انتصر المنتخب المغربي باستحقاق على اسكتلندا بهدف من أقدام إسماعيل الصيباري، وأمام هايتي، قدم المنتخب المغربي واحدة من أفضل مبارياته هجوميا، بعدما انتصر بأربعة أهداف مقابل هدفين، مؤكدا قدرته على التنويع بين السيطرة والاستحواذ والنجاعة أمام المرمى، كما أظهر قوة شخصيته بعدما كان متأخرا في النتيجة في مناسبتين، لينهي "أسود الأطلس" دور المجموعات في المركز الثاني خلف البرازيل، بفارق الأهداف فقط.
عندما قهر "الأسود" منتخب هولندا
في سدس عشر النهائي، اصطدم المنتخب المغربي بهولندا، أحد أكثر المنتخبات امتلاكا للكرة على مر التاريخ. تأخر المغرب في النتيجة، قبل أن ينجح عيسى ديوب في إدراك التعادل في الثواني الأخيرة، ثم تألق ياسين بونو مجددا في ركلات الترجيح، ليقود "أسود الأطلس" إلى عبور تاريخي جديد نحو ثمن النهائي، ويكرر سيناريو مباراة إسبانيا في ثمن نهائي مونديال قطر.
مباراة هولندا شكلت واحدة من أقوى المحطات في مشاركة "الأسود" في المونديال الحالي، إذ أكد الفريق قوة شخصيته وقدرته على العودة حتى في أصعب اللحظات، وأقصى أحد أبرز وأقوى المنتخبات في الدور الأول.
انتصار كبير على كندا وتعثر أمام فرنسا
أمام المنتخب الكندي، احتاج المنتخب المغربي إلى شوط أول للتأقلم مع النسق البدني الكبير للمنافس، قبل أن ينفجر هجوميا في الشوط الثاني. وسجل عز الدين أوناحي ثنائية، وأضاف المنتخب هدفا ثالثا عن طريق سفيان رحيمي، ليحقق فوزا مستحقا بثلاثية نظيفة، ويحجز بطاقة العبور إلى ربع النهائي للمرة الثانية تواليا.
في مرحلة الربع، انتهت الرحلة مجددا أمام فرنسا، لكن الفارق هذه المرة أن المنتخب المغربي لم يدخل المباراة بمنطق المفاجأة، بل باعتباره منافسا حقيقيا.
ورغم الخسارة بهدفين دون رد، فإن المغرب خرج أمام منتخب يملك أقوى خط هجوم في البطولة، بعدما سجل 16 هدفا، نصفها من توقيع النجم كيليان مبابي.
هوية جديدة.. من منتخب يدافع إلى فريق يرعب المنافسين
ربما كان أكبر مكسب في هذه النسخة هو التحول الكبير في أسلوب لعب المنتخب المغربي، ففي مونديال قطر، اعتمد المغرب على الانضباط الدفاعي والانتقال السريع، مع نسب استحواذ محدودة أمام المنتخبات الكبرى، مثل كرواتيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال.
أما في مونديال 2026، فقد أصبح المنتخب المغربي أكثر جرأة في بناء اللعب، وأكثر رغبة في الاحتفاظ بالكرة وفرض الإيقاع، حتى أمام مدارس كروية اشتهرت تاريخيا بالاستحواذ، مثل البرازيل وهولندا.
ولم يعد المنتخب المغربي ينتظر المنافس، بل أصبح يجبره في معظم من الفترات على التراجع إلى مناطقه الدفاعية، وأصبح يهدد ويصنع اللعب ويفرض أسلوبه أكثر.
ومن بين أحد أبرز رهانات وهبي في هذا المونديال، الاعتماد على إسماعيل الصيباري كمهاجم وهمي. هذا الخيار منح المنتخب المغربي مرونة هجومية كبيرة، بفضل تحركات اللاعب بين الخطوط، وقدرته على سحب المدافعين وفتح المساحات أمام إبراهيم دياز وأوناحي والخنوس.
وجنى المنتخب ثمار هذا الرهان، بعدما سجل الصيباري ثلاثة أهداف، قبل أن تحرمه الإصابة المبكرة أمام كندا من المشاركة في مباراة فرنسا.
في المقابل، أكد إبراهيم دياز قيمته كأحد أفضل صناع اللعب في البطولة، بعدما أنهى المونديال بأربع تمريرات حاسمة، فيما سجل المنتخب المغربي عشرة أهداف في ست مباريات، مقابل استقبال ستة أهداف.
زعامة عربية وإفريقية
مرة أخرى، كان المنتخب المغربي آخر ممثل للعرب وإفريقيا في كأس العالم، فبينما خرجت المنتخبات العربية والإفريقية تباعا من الأدوار الإقصائية، واصل "أسود الأطلس" تمثيل القارة بمفرده حتى ربع النهائي، مؤكدا أن إنجاز قطر لم يكن وليد الصدفة.
وبات المغرب، دون منازع، المرجع الأول لكرة القدم العربية والإفريقية في كأس العالم خلال العقد الأخير، كما أنه منح الثقة للمنتخبات التي كان ينظر إليها على أنها صغرى، وجعلها تثق في إمكانية مجابهة أكبر المنتخبات العالمية.
البناء للمستقبل
انتهت رحلة مونديال 2026 بصورة مشرفة، لتنطلق رحلة أخرى في المستقبل القريب بحثا عن المجد الإفريقي.
ويضم الجيل الحالي عددا كبيرا من اللاعبين الشباب الذين ينتظر أن يبلغوا قمة نضجهم خلال السنوات المقبلة، فيما اكتسب محمد وهبي تجربة ثمينة في أول كأس عالم له كمدرب.
وسيكون أمام المنتخب المغربي الآن موعدان مفصليان، ويتعلق الأمر بكأس أمم إفريقيا 2027، حيث سيكون مطالبا بالمنافسة على اللقب القاري بعد سنة من الآن، ثم مونديال 2030 الذي سيقام بالمغرب وإسبانيا والبرتغال، والذي قد يمثل الفرصة الأكبر لكتابة أعظم صفحة في تاريخ كرة القدم المغربية.
وإذا كان مونديال قطر قد منح المغرب مكانا بين كبار العالم، فإن مونديال 2026 أكد أن ذلك المكان لم يعد مؤقتا أو ضربة حظ، بل أصبح واقعا ينبغي البناء عليه، حتى يتحول الحلم في 2030 إلى إنجاز أكبر.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة