رياضة
المغرب ألهم العالم... لكن مونديال 2026 كشف صعوبة استنساخ التجربة
03/07/2026 - 12:51
رضى زروق
لم يكن مونديال قطر 2022 مجرد بطولة تاريخية بالنسبة إلى المنتخب المغربي، بل تحول إلى نقطة تحول حقيقية في طريقة تفكير جزء كبير من المنتخبات خارج أوروبا وأمريكا الجنوبية.
فبعد وصول "أسود الأطلس" إلى نصف النهائي كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، ارتفع سقف الطموحات بشكل غير مسبوق داخل عدد كبير من المنتخبات الإفريقية والآسيوية بالخصوص، وأصبح الحديث عن ربع النهائي ونصف النهائي وحتى النهائي أمرا عاديا في الخطابات الإعلامية والجماهيرية، بعد أن كانت مجرد المشاركة أو التأهل إلى الدور الثاني تعتبر في حد ذاتها إنجازا استثنائيا.
لكن مونديال 2026 أعاد تذكير الجميع بحقيقة قديمة في كرة القدم العالمية، فالوصول إلى الأدوار الإقصائية شيء، ومقارعة الكبار في المباريات الحاسمة شيء آخر تماما.
مونديال الـ48 منتخبا.. الحلم أصبح أقرب لكن الطريق لم يصبح أسهل
رفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبا منح القارات الصاعدة فرصا أكبر للحضور في كأس العالم، كما فتح الباب أمام عدد أكبر من المنتخبات لبلوغ الدور الثاني، بعد إحداث دور سدس عشر النهاية لأول مرة.
لكن ما حدث بعد ذلك كشف أن توسيع البطولة لا يعني بالضرورة أن الوصول إلى ربع النهائي أو نصف النهائي أصبح أسهل.
فالمنتخبات الإفريقية مثلا، نجحت بالفعل في تحسين حضورها العددي داخل الدور الثاني، لكنها اصطدمت سريعا بالواقع الصعب لمباريات خروج المغلوب، حيث تظهر الفوارق الصغيرة في الجودة الفردية والخبرة وإدارة التفاصيل الحاسمة.
إفريقيا.. أحلام كبيرة وسقوط شبه جماعي
دخلت إفريقيا مونديال 2026 وهي تحمل لأول مرة شعورا جماعيا بأن إنجاز المغرب في قطر ليس استثناء مستحيلا.
الجزائر تحدثت عن تكرار سيناريو 2014 ببلوغ دور الثمن وربما الذهاب أبعد من ذلك، والسنغال دخلت البطولة بسمعة أحد أقوى منتخبات القارة خلال السنوات الأخيرة بعد الوصول إلى نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة، وكوت ديفوار جاءت بثقة بطل إفريقيا قبل ثلاث سنوات، والكونغو الديمقراطية كانت تراهن على جيل موهوب قادر على مفاجأة الجميع.
أما جنوب إفريقيا، فقد وصلت إلى الدور الثاني وهي تحمل حلم كتابة صفحة جديدة في تاريخها المونديالي، لكن النتيجة النهائية كانت مختلفة تماما.
سقطت الكونغو الديمقراطية بصعوبة أمام إنجلترا، وغادرت السنغال بسيناريو مثير أمام بلجيكا، وخرجت الجزائر على يد سويسرا، وقبلها أقصي المنتخب الإيفواري، وانتهى مشوار جنوب إفريقيا أمام كندا، وهزمت الأرجنتين جزر الرأس الأخضر ، لتجد القارة نفسها مرة أخرى أمام الحقيقة نفسها: تجاوز الدور الثاني في كأس العالم ما يزال أحد أصعب التحديات في كرة القدم العالمية.
آسيا.. عشرة ممثلين وحضور محدود
الوضع الآسيوي لم يكن مختلفا كثيرا، فالقارة دخلت البطولة بحضور قياسي بلغ عشرة منتخبات كاملة، مستفيدة من نظام الـ48 منتخبا، لكن الحصيلة النهائية بقيت بعيدة عن الطموحات التي سبقت البطولة.
منتخبان فقط نجحا في تجاوز دور المجموعات، قبل أن يسقط أحدهما مباشرة في الدور الموالي. اليابان، التي كانت تعتبر من أبرز المرشحين لتمثيل القارة في الأدوار المتقدمة، ودعت المنافسة من سدس عشر النهائي، لتبقى الأنظار معلقة على منتخب أستراليا الذي يواجه مصر في محاولة لإنقاذ الحضور الآسيوي داخل البطولة.
وهكذا، تحولت الأحلام الكبيرة التي سبقت المونديال إلى درس جديد يؤكد أن تجاوز الدور الأول لا يعني بالضرورة القدرة على الذهاب بعيدا في المنافسة.
نفس الأمر ينطبق على منتخبات أخرى "صغرى" من باقي قارات العالم، كانت تمني النفس بالذهاب بعيدا في مونديال 2026، قبل أن تصطدم بواقع قوة المنافسة خاصة في الدور الثاني.
المغرب.. الاستثناء الذي أكد أنه ليس صدفة
وسط هذا المشهد، تبدو قيمة ما يحققه المنتخب المغربي أكبر بكثير مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالمغرب لم يكتف بالاستفادة من النظام الجديد للبطولة أو من اتساع عدد المقاعد، بل نجح مرة أخرى في تجاوز أحد كبار أوروبا، بعدما أطاح بهولندا من الدور الثاني بضربات الترجيح.
والأهم من ذلك أن "أسود الأطلس" لم يحققوا هذا الإنجاز بأسلوب دفاعي صرف أو بانتظار أخطاء المنافس، بل فرضوا شخصيتهم على المباراة واستحوذوا على الكرة بنسبة قاربت 70 في المئة أمام واحد من أكثر منتخبات أوروبا اعتمادا على الاستحواذ واللعب التموضعي.
الأرقام وحدها كانت كافية لتلخيص حجم التحول الذي عرفه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة. ففي الوقت الذي كانت فيه معظم المنتخبات تحلم بتكرار قصة المغرب، كان المغرب نفسه يؤكد أن ما حدث في قطر لم يكن ضربة حظ أو لحظة استثنائية عابرة.
بين الإلهام والتقليد
ربما يكون أكبر سوء فهم صاحب ملحمة قطر هو اعتقاد البعض أن الوصول إلى نصف النهائي يمكن نسخه أو تقليده بمجرد توفر الحماس والطموح، لكن التجربة المغربية نفسها تثبت العكس تماما.
فما حققه المغرب كان نتيجة سنوات طويلة من العمل داخل مراكز التكوين، والاستثمار في البنية التحتية، والاستفادة من المواهب المزدوجة الجنسية، وتطوير العمل التقني داخل المنتخبات الوطنية، إضافة إلى الاستقرار الذهني والتكتيكي الذي ميز المجموعة.
بمعنى آخر، لم يكن المغرب مجرد "حصان أسود" كما وصفه كثيرون، بل كان مشروعا رياضيا نضج في الوقت المناسب، فالمغرب لم يفتح باب الحلم فقط، بل رفع سقف الصعوبة أيضا.
ربما يكون الإرث الأكبر الذي تركه المنتخب المغربي في مونديال قطر أنه جعل المنتخبات الإفريقية والآسيوية تؤمن بأن مقارعة الكبار ممكنة، لكن مونديال 2026 أضاف حقيقة أخرى لا تقل أهمية، فالحلم أصبح مشروعا، لكن الطريق إليه ما يزال طويلا وصعبا للغاية.
ولهذا بالضبط، تبدو قيمة ما يحققه المغرب اليوم أكبر بكثير مما تبدو عليه في لغة النتائج والأرقام. لأن "أسود الأطلس" لم يصبحوا فقط المنتخب الذي ألهم الآخرين بالحلم، بل المنتخب الذي أثبت مرة أخرى أن تحويل ذلك الحلم إلى واقع هو الجزء الأصعب في القصة كلها.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة