رياضة
قبل مواجهة "الأسود".. كيف أصبحت كرة القدم تنافس الهوكي على عرش الرياضة في كندا؟
03/07/2026 - 10:43
رضى زروق
لم يكن كثيرون يتوقعون، قبل عقدين فقط، أن تتحول كرة القدم يوما ما إلى منافس حقيقي للهوكي على الجليد داخل المجتمع الكندي، أو أن تصبح اللعبة الأكثر ممارسة بين الأطفال والشباب في بلد ظل لعقود طويلة يعتبر الهوكي جزءا من هويته الوطنية والثقافية.
لكن مع اقتراب المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره الكندي في ثمن نهائي كأس العالم 2026 بمدينة هيوستن الأمريكية، يبدو من الصعب فهم التطور الكبير الذي عرفه المنتخب الكندي خلال السنوات الأخيرة دون العودة إلى الثورة الهادئة التي تعيشها كرة القدم داخل المجتمع الكندي نفسه.
فما يحدث اليوم داخل الملاعب الكندية ليس مجرد طفرة رياضية عابرة، بل تحول اجتماعي وثقافي عميق يعيد رسم الخريطة الرياضية لثاني أكبر دولة في العالم من حيث المساحة.
من البريطانيين إلى المونديال.. حكاية عمرها 150 سنة
دخلت كرة القدم إلى كندا في منتصف القرن التاسع عشر مع المهاجرين البريطانيين، وأقيمت أول مباراة موثقة بمدينة تورونتو سنة 1876، قبل أن يتم تأسيس الاتحاد الكندي لكرة القدم سنة 1912.
ورغم هذه البداية المبكرة، ظلت اللعبة تعيش لعقود طويلة في ظل رياضات أكثر تجذرا في الثقافة الكندية، وعلى رأسها الهوكي على الجليد وكرة القدم الكندية.
ولم ينجح المنتخب الكندي في الوصول إلى كأس العالم سوى مرة واحدة سنة 1986 بالمكسيك، قبل أن ينتظر ستة وثلاثين عاما كاملة من أجل العودة إلى النهائيات في مونديال قطر 2022.
في المقابل، كانت كرة القدم النسوية هي الواجهة الأكثر نجاحا للعبة داخل البلاد، بعدما أحرز المنتخب النسائي الميدالية الذهبية في أولمبياد طوكيو 2020، إلى جانب برونزيتين أولمبيتين سنتي 2012 و2016 في لندن وريو دي جانيرو.
كرة القدم تربح المعركة داخل المدارس والأحياء
إذا كانت شاشات التلفزيون لا تزال تمنح الأفضلية للهوكي، فإن الواقع داخل المدارس والحدائق والأحياء السكنية يقول شيئا مختلفا تماما.
فبحسب أحدث الدراسات الرياضية الكندية، أصبحت كرة القدم الرياضة الأكثر ممارسة بين الشباب الكنديين، بعدما تجاوزت الهوكي والسباحة وكرة السلة وجميع الرياضات الجماعية الأخرى.
وتشير المعطيات إلى أن حوالي نصف الأطفال الكنديين يمارسون كرة القدم بشكل منتظم، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الرياضة الكندية.
وفي الفئة العمرية بين 5 و14 سنة، بلغت نسبة ممارسة كرة القدم حوالي 44 في المائة مقابل 26 في المائة فقط بالنسبة للهوكي على الجليد، وهو فارق يعكس حجم التحول الحاصل داخل الأجيال الجديدة.
بمعنى آخر، فإن كندا التي كانت تصدر لاعبي الهوكي إلى العالم قبل عقود، بدأت اليوم تنتج جيلا كاملا تربى بالكرة أكثر مما تربى بالعصا والجليد.
الهوكي لا يزال الملك.. لكن كرة القدم تزحف بسرعة
رغم هذا التقدم الكبير، فإن الهوكي لا يزال يحتفظ بمكانته كأكثر رياضة متابعة جماهيريا داخل كندا، إذ لا يزال يمثل جزءا من الهوية الوطنية الكندية تماما كما تمثل كرة القدم جزءا من هوية البرازيل أو الأرجنتين.
لكن الفارق بين الرياضتين بدأ يتقلص بشكل تدريجي خلال السنوات الأخيرة. فأرقام متابعة كأس العالم ودوري أبطال أوروبا والدوريات الأوروبية الكبرى ارتفعت بشكل كبير داخل كندا، كما أصبحت المباريات الدولية تستقطب جماهير ضخمة من مختلف الجاليات المقيمة هناك.
ويكفي أن مدينة تورونتو وحدها تضم أكثر من 300 ألف شخص من أصول برتغالية وحوالي 100 ألف من أصول كرواتية، ناهيك عن الجاليات الإفريقية والعربية واللاتينية والآسيوية التي تعتبر كرة القدم جزءا أساسيا من ثقافتها الرياضية.
المهاجرون غيروا وجه الرياضة الكندية
ربما يكون العامل الأكثر تأثيرا في التحول الكروي الكندي هو الهجرة، فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، استقبلت كندا موجات كبيرة من المهاجرين القادمين من إفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأوروبا الجنوبية، وهي مناطق تعتبر كرة القدم فيها الرياضة الأولى بلا منازع.
ومع انتقال هذه الجاليات إلى كندا، انتقل معها أيضا عشق اللعبة وثقافتها وشغفها اليومي. الأطفال الذين كانوا سيتجهون تلقائيا نحو الهوكي قبل ثلاثين سنة، أصبحوا اليوم يجدون أنفسهم في أسر تعيش على إيقاع الدوري الإنجليزي والإسباني والإيطالي ودوري أبطال أوروبا.
ويكفي النظر إلى أسماء نجوم المنتخب الكندي الحالي لفهم حجم هذا التحول. فألفونسو ديفيز ولد في مخيم للاجئين الغانيين في ليبيريا قبل أن تهاجر عائلته إلى كندا، بينما ينحدر جوناثان ديفيد من أصول هايتية، في حين تمثل أسماء أخرى خليطا ثقافيا يعكس صورة كندا الحديثة متعددة الهويات.
لماذا اختارت العائلات الكندية كرة القدم؟
بعيدا عن العوامل الثقافية، توجد أيضا أسباب اقتصادية واضحة. فالهوكي يعتبر من أكثر الرياضات تكلفة في العالم، إذ تتجاوز كلفة ممارسة طفل واحد للعبة 3200 دولار سنويا بين المعدات والتنقلات والاشتراكات.
في المقابل، لا تتجاوز تكلفة ممارسة كرة القدم في المتوسط 450 دولارا سنويا فقط. وبالنسبة لعشرات آلاف العائلات الكندية، خاصة داخل المدن الكبرى، أصبح القرار بسيطا للغاية: كرة القدم أقل تكلفة وأكثر سهولة وأكثر ملاءمة للحياة اليومية.
الدوري المحلي والاحتراف.. بداية البناء الحقيقي
حتى وقت قريب، كانت كندا تعتمد بشكل شبه كامل على الدوري الأمريكي لكرة القدم، من خلال أندية تورونتو وموريال وفانكوفر المشاركة في دوري MLS.
لكن سنة 2019 شكلت نقطة تحول حقيقية مع تأسيس الدوري الكندي الممتاز، الذي منح اللاعبين المحليين فضاء احترافيا خاصا بهم لأول مرة في التاريخ الحديث للبلاد.
ورغم حداثة التجربة، فقد ساهمت البطولة المحلية في خلق هوية كروية مستقلة وتعزيز قاعدة الممارسة وتوسيع قاعدة المواهب.
مونديال 2026.. الثورة الكروية الكبرى
لكن الحدث الذي غير كل شيء، كان إعلان استضافة كندا لكأس العالم 2026 إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك.
فمنذ الإعلان عن التنظيم المشترك، تضاعفت الاستثمارات في البنية التحتية والملاعب والأكاديميات وبرامج التكوين، كما ارتفع الاهتمام الشعبي والإعلامي بكرة القدم إلى مستويات غير مسبوقة.
وبالتزامن مع بروز جيل ذهبي يقوده ألفونسو ديفيز وجوناثان ديفيد، بدأت كندا تتحول تدريجيا من بلد يستضيف كرة القدم إلى بلد يعيشها فعليا.
المغرب أمام كندا جديدة تماما
لهذا السبب بالضبط، فإن المنتخب المغربي الذي سيواجه كندا يوم السبت المقبل في هيوستن، لن يواجه فقط منتخبا تطور مستواه الفني مقارنة بمونديال قطر 2022، بل سيواجه أيضا ثمرة تحول اجتماعي وثقافي ورياضي عاشته كندا خلال العقد الأخير.
فكرة القدم هناك لم تعد مجرد رياضة للمهاجرين أو نشاط صيفي للأطفال، بل أصبحت جزءا من الهوية الرياضية الجديدة للبلاد.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة