مجتمع
بعد قرار منعه..لماذا يشكل القطران خطرا على الصحة؟
02/07/2026 - 10:48
خولة ازنيزني
ارتبط القطران لعقود بعدد من الممارسات والعادات المتوارثة لدى المجتمع المغربي، سواء باستعماله في بعض الوصفات الشعبية أو في تزيين الأواني الفخارية المخصصة لحفظ وشرب الماء، انطلاقا من اعتقاد سائد بأنه يمنحها خصائص صحية ويحافظ على جودتها. غير أن هذه المعتقدات بدأت تتراجع أمام نتائج دراسات وتحاليل علمية كشفت عن مخاطر صحية قد تنجم عن استعمال هذه المادة في المنتجات المخصصة للتلامس مع الأغذية.
وفي هذا السياق، قررت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني منع استعمال مادة القطران في صناعة الأواني الفخارية المخصصة للاستعمال الغذائي، بعدما أظهرت تحاليل مخبرية احتواء عدد من العينات على نسب مرتفعة من مواد كيميائية ومعادن ثقيلة تتجاوز الحدود المسموح بها وفق معايير السلامة الصحية وقد تنتقل إلى الأغذية والمشروبات، بما يشكل خطرا على صحة المستهلكين.
وكشفت نتائج التحاليل عن وجود معادن ثقيلة، من بينها الألمنيوم والكوبالت والزئبق والزرنيخ، إضافة إلى مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات ومركبات رصاصية.
وتشير إلى أن هذه المواد تتراكم تدريجيا داخل الجسم، وقد ترتبط، مع التعرض المستمر لها، بمضاعفات صحية تصيب الجهاز العصبي والكبد والكلى، فضلا عن اضطرابات هضمية، فيما تصنف بعض هذه المركبات ضمن المواد المسرطنة.
هل يسحب من الأسواق؟
وفي هذا السياق، أوضح موحى الريش، مدير المحافظة على التراث والابتكار والإنعاش لدى كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن القرار يندرج في إطار سياسة تروم حماية صحة المستهلك والرفع من جودة منتوجات الصناعة التقليدية، مشيرا إلى أن كتابة الدولة باشرت حملات تحسيسية لفائدة المنتجين والمستهلكين بشأن مخاطر استعمال القطران في الأواني الفخارية المخصصة للاستعمال الغذائي، في انتظار استكمال الإطار القانوني المنظم لهذه العملية.
وأضاف الريش، في تصريح لـSNRTnews، أن كتابة الدولة تشتغل على إعداد مواصفة إجبارية التطبيق خاصة بهذا النوع من المنتجات، ستكون المرجعية القانونية التي تتيح للمراقبين التدخل لحجز ومنع المنتجات المخالفة.
وأبرز أن القطاع يعتمد حاليا 440 مواصفة خاصة بمنتجات الصناعة التقليدية، من بينها 13 مواصفة إجبارية التطبيق، يشرف على تتبع احترامها مراقبون محلفون من خلال حملات دورية تشمل وحدات الإنتاج ونقط البيع والأسواق، حيث تؤخذ عينات من المنتجات وتخضع لتحاليل مخبرية للتأكد من مطابقتها للمعايير المعتمدة، قبل اتخاذ إجراءات السحب أو المنع عند الاقتضاء.
وأكد أن المواصفة الجديدة ستحدد بدقة الخصائص التقنية الواجب احترامها، ومعايير المطابقة، ومنهجية أخذ العينات وتحليلها داخل مختبرات مختصة، بما يضمن مراقبة تستند إلى أسس علمية وقانونية واضحة.
كما شدد على أن الهدف من هذا المسار لا يقتصر على حماية صحة المستهلك، بل يشمل أيضا الحفاظ على جودة الفخار المغربي وصون سمعته وتعزيز قدرته على المنافسة داخل الأسواق الوطنية والدولية.
وفي هذا الإطار، دعت كتابة الدولة مختلف المتدخلين إلى تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية لفائدة الصناع والحرفيين العاملين في قطاع الفخار والخزف، خاصة المنتجين للأواني المخصصة للاستعمال الغذائي، مع مواكبتهم خلال مرحلة الانتقال نحو بدائل أكثر أمانا، بما يحافظ على الطابع الجمالي والتراثي للفخار المغربي دون المساس بسلامة المستهلك.
مخاطر صحية طويلة الأمد
من جهتها، أكدت أخصائية التغذية أسماء زريول أن القطران لا يقدم أي قيمة غذائية أو صحية، سواء كان طبيعيا أو مغشوشا، مشيرة إلى أن الاعتقاد بفوائد شرب الماء من الأواني المطلية به مجرد عادة متوارثة لا تستند إلى أساس علمي.
وأضافت، في تصريح لـSNRTnews، أن القطران المتداول حاليا غالبا ما يكون مغشوشا ومخلوطا بمواد أخرى تزيد من خطورته، موضحة أن الاستعمال المتكرر لهذه المادة قد يؤدي إلى تراكم معادن ثقيلة داخل الجسم، وهي مواد يمكن أن تتسرب إلى الأغذية والمشروبات، خصوصا عند استعمال الأواني مع الأطعمة الساخنة أو ذات الطبيعة الحمضية.
وأكدت أخصائية التغذية أنه استهلاك هذه المواد قد يسبب أمراضا تظهر على المدى البعيد دون أن يربطها الأشخاص مباشرة باستهلاك القطران.
وأبرزت زريول أن الأطفال ومرضى الأمراض المزمنة يعدون من أكثر الفئات عرضة للمضاعفات، إذ تؤثر المعادن الثقيلة في امتصاص العناصر المعدنية الأساسية التي يحتاجها الجسم، كما قد تنعكس سلبا على الجهاز العصبي والقدرات الذهنية لدى الأطفال، فضلا عن تأثيرها على الكبد والكلى والجهاز الهضمي.
ولم تقتصر تحذيرات خبيرة التغذية على استعمال القطران في الأواني الفخارية، بل شملت أيضا استعمالاته التقليدية الأخرى لأغراض تجميلية أو علاجية، سواء على الشعر أو البشرة أو في بعض الوصفات الشعبية، مؤكدة أن الاستخدام المتكرر، خاصة عند مزجه بمواد أخرى، قد يسبب تهيجات جلدية وحساسية، وتزداد خطورته إذا كانت المادة مغشوشة.
ثقافة استهلاك متوارثة
من جهته، اعتبر الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية الطيب حمضي أن تزيين الفخار بالقطران يعد ممارسة تقليدية قديمة، إلا أن نتائج الدراسات الطبية الحديثة أثبتت أن استعمال هذه المادة في المنتجات المرتبطة بالغذاء يشكل خطرا حقيقيا على صحة الإنسان.
وأوضح حمضي، في تصريح لـSNRTnews، أن المعادن الثقيلة الموجودة في القطران، مثل الزرنيخ والألمنيوم، قد تؤثر على الجهاز العصبي والدماغ، كما قد تتسبب، مع التعرض المستمر لها، في أمراض تصيب الكبد والكليتين وقد تصل في بعض الحالات إلى الفشل الكلوي، فضلا عن ارتباط بعض مكوناتها بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان.
وأشار إلى أن قرار المنع لا يهدف فقط إلى حماية المستهلك، بل يشمل أيضا حماية الصناع التقليديين الذين يتعاملون بشكل مباشر مع هذه المادة أثناء عملية الإنتاج، إلى جانب الحفاظ على سمعة الفخار المغربي وتعزيز تنافسيته داخل الأسواق الوطنية والخارجية.
يرى أن تغيير بعض العادات المرتبطة باستعمال القطران لن يكون سهلا، بالنظر إلى ارتباطها بالموروث الشعبي، إذ أن سحب هذه المنتجات من الأسواق وتعزيز التوعية العلمية بمخاطرها يشكلان خطوة أساسية للحد من التعرض لهذه المواد السامة، وترسيخ ثقافة استهلاك قائمة على السلامة الصحية، دون التفريط في قيمة الصناعة التقليدية المغربية أو هويتها.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
اقتصاد
مجتمع