اقتصاد
الأسمدة الفوسفاتية المغربية في صلب تحولات الأمن الغذائي العالمي
01/07/2026 - 21:17
مراد كراخي
يعزز القرار الأمريكي القاضي بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات الأسمدة الفوسفاتية القادمة من المغرب تسليط الضوء على الدور المتنامي الذي باتت تلعبه الأسمدة في ضمان الأمن الغذائي العالمي، في سياق دولي يتسم بتقلب سلاسل التوريد الفلاحية وتزايد الطلب على المدخلات الزراعية الأساسية.
وفي هذا الإطار، أصبحت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط OCP تتوفر اليوم على قدرات إنتاجية ولوجستية متقدمة تتيح لها مواكبة شركائها الدوليين بشكل مستدام، والمساهمة في تعزيز استقرار الأسواق الفلاحية العالمية، عبر منظومة صناعية أكثر مرونة وتكيفا مع التحولات الجيو-اقتصادية.
تحول استراتيجي وآفاق واعدة
يؤكد هذا القرار وجاهة الاستراتيجية طويلة المدى التي تنهجها مجموعة OCP، القائمة على استثمارات صناعية كبرى، وتطوير حلول موجهة لتغذية التربة وفق حاجيات الفلاحين، إلى جانب تعزيز القدرات الإنتاجية ورفع مستويات النجاعة التشغيلية والمرونة الصناعية.
كما يعكس القرار الأمريكي اتجاها متزايدا لدى عدد من الشركاء الاستراتيجيين نحو المغرب، عبر مجموعة OCP، لتأمين تزويدهم بالأسمدة وتعزيز صمود أنظمتهم الفلاحية، من خلال حلول قائمة على التخصيص والدقة في الاستجابة لاحتياجات التربة والمحاصيل.
ويمتلك المغرب نحو 70% من الاحتياطيات العالمية للفوسفات، غير أن عنصر التميز لا يكمن فقط في الوفرة الطبيعية، بل في التحول البنيوي الذي قادته مجموعة OCP من تصدير المادة الخام إلى تثمينها عبر تنويع المنتجات.
وفي هذا السياق، يشير الباحث في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد هنري لويس فيدي إلى أن هذا التحول الاستراتيجي مكن المجموعة من تعزيز تموقعها الدولي، خاصة في ظل اعتماد نموذج صناعي ومالي متطور وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.
كما يبرز أن هذه الدينامية شملت التوجه المتزايد نحو الأسواق الإفريقية، في ظل النمو الديمغرافي المتسارع بالقارة وارتفاع الطلب على الغذاء، مقابل محدودية استخدام الأسمدة مقارنة بالمعدل العالمي.
ففي حين يبلغ متوسط استهلاك الأسمدة الفوسفاتية عالميا حوالي 98 كيلوغراما للهكتار، لا يتجاوز هذا المعدل 12 كيلوغراما للهكتار في إفريقيا جنوب الصحراء، ما يعكس فجوة كبيرة وإمكانات نمو واعدة في هذا السوق.
وتعزز OCP حضورها في عدد من الدول الإفريقية من خلال تطوير أسمدة مخصصة ومصممة وفق خصائص التربة المحلية واحتياجات الإنتاج الزراعي، في إطار مقاربة تعتمد الابتكار الزراعي والدقة في التخصيص.
وكانت المجموعة قد أطلقت سنة 2022 برنامجها الاستثماري الأخضر للفترة 2023–2027 بغلاف مالي يناهز 130 مليار درهم، بهدف رفع القدرات الإنتاجية للأسمدة، مع الالتزام بالحياد الكربوني في أفق 2040، بالاعتماد على الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية.
ويستهدف هذا البرنامج رفع القدرة الإنتاجية من 12 مليون طن إلى 20 مليون طن بحلول سنة 2027، من خلال تطوير مشاريع منجمية وصناعية جديدة، تشمل توسيع قدرات الاستخراج والمعالجة، وإحداث مركبات كيميائية متقدمة لتحويل الصخور الفوسفاطية إلى أسمدة عالية القيمة المضافة.
وسجلت صادرات المغرب من الفوسفاط ومشتقاته سنة 2025 حوالي 99,8 مليار درهم، منها 73,1 مليار درهم من الأسمدة الفوسفاتية، بارتفاع قدره 14% مقارنة بسنة 2024، وفق معطيات مكتب الصرف.
وترى مؤسسة Oxford Analytica أن مجموعة OCP مرشحة لتعزيز موقعها في السوق العالمية للأسمدة على المدى الطويل، بفضل استراتيجية تقوم على التكامل الصناعي وتطوير حلول مبتكرة، من بينها التوسع في إنتاج الأمونياك الأخضر.
كما تشير المؤسسة إلى تصاعد أهمية الفوسفات الثلاثي (TSP)، باعتباره سمادا أقل استهلاكا للكبريت ولا يعتمد على الأمونياك، فضلا عن كونه أقل تأثرا بالآليات التنظيمية المرتبطة بالبصمة الكربونية، ما قد يرفع حصته ضمن إنتاج OCP من حوالي 30% سنة 2025 إلى قرابة 50% خلال السنوات المقبلة.
الأسمدة في قلب معادلة الأمن الغذائي العالمي
أكد محمد الطاهر السرايري، الأستاذ الباحث في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، أن الأسمدة أصبحت عنصرا محوريا في معادلة الأمن الغذائي العالمي، نظرا لدورها الحاسم في رفع الإنتاجية الفلاحية وضمان استقرار سلاسل الإمداد الغذائي.
ويضيف السرايري، في تصريح لـSNRTnews، أن العالم يشهد ارتفاعا متواصلا في الطلب على الغذاء، في مقابل محدودية الموارد الطبيعية، ما يجعل الاعتماد على المدخلات الزراعية، وفي مقدمتها الأسمدة، ضرورة هيكلية لا يمكن الاستغناء عنها.
كما أشار إلى أن عددا من الدول ذات الإمكانات الفلاحية الكبيرة، مثل البرازيل، تعتمد بشكل مكثف على الأسمدة لضمان استقرار إنتاجها الزراعي، في ظل تزايد الضغط على الأنظمة الغذائية العالمية.
وتابع أن هذا الواقع يفسر تنامي الشراكات الاستراتيجية بين المغرب وعدد من الدول مثل البرازيل والهند واليابان، في إطار تأمين التزود بالأسمدة، باعتبار المغرب شريكا موثوقا في سلاسل الإمداد الفلاحي العالمية.
وأبرز أيضا أن الأسمدة التي تحتوي على العناصر الأساسية مثل الآزوت والفوسفور والبوتاسيوم تشكل ركيزة أساسية للتوازن الإنتاجي الفلاحي العالمي، رغم التحديات المرتبطة بتقلبات الأسعار وتعقيد سلاسل التوريد.
وأشار في المقابل إلى أن النظام الفلاحي العالمي يقوم اليوم على قدر كبير من "الاعتماد المتبادل"، حيث تعتمد العديد من الدول على استيراد المدخلات الزراعية لضمان استمرارية الإنتاج الغذائي.
وأكد في هذا السياق أن النقاش حول "السيادة الغذائية" لم يعد يقتصر على الإنتاج الزراعي فقط، بل يشمل أيضا التحكم في سلاسل التوريد والمدخلات الأساسية، بما في ذلك الأسمدة والبذور والموارد الجينية.
ويرى أن المغرب، رغم امتلاكه احتياطيات مهمة من الفوسفاط، يظل مرتبطا بالأسواق الدولية لتأمين بعض المدخلات الأساسية في صناعة الأسمدة، مثل الأمونياك وحمض الكبريتيك، وهما عنصران ضروريان في العمليات الصناعية للتحويل الكيميائي. ويجعل هذا الترابط في سلاسل التوريد من إدارة المخاطر وتنوع مصادر التزويد عاملا أساسيا لضمان استقرار الكلفة الإنتاجية وتفادي تقلبات الأسواق العالمية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
عالم
اقتصاد
اقتصاد