فن وثقافة
سينما التحريك بالمغرب .. كيف فتحت لها طلبات عروض الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة آفاقا جديدة؟
01/07/2026 - 18:21
خولة ازنيزني
لم تعد الرسوم المتحركة المغربية تقتصر على أعمال قصيرة أو إنتاجات موجهة للإشهار، بل باتت خلال السنوات الأخيرة تشق طريقها نحو إنتاج مسلسلات متكاملة تستلهم الهوية والثقافة المغربية، وتجد لها مكانا ضمن البرمجة التلفزية، بل وتستقطب اهتمام شركاء دوليين.
ويجمع مهنيون على أن هذا التحول ارتبط بإطلاق الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، منذ سنة 2019، طلبات عروض خاصة بإنتاج أعمال التحريك، ما وفر لأول مرة سوقا حقيقية لهذا المجال، وأسهم في تطوير الاستوديوهات الوطنية، وخلق فرص للشغل، وتشجيع الإبداع.
وشهدت البرمجة التلفزية خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا لأعمال الرسوم المتحركة المغربية، من بينها "أبطال الأولى"، و"المفتش سعدان"، و"حكايات حموصة الشجاع"، و"شنيولة وبوبريص"، و"مغاربة في السماء"، في خطوة اعتبرها مهنيون مؤشرا على تنامي مكانة هذا النوع الفني، وتعزيزا لمحتوى موجه للأطفال يعكس البيئة والثقافة المغربيتين.
التجربة الفرنسية
وفي هذا السياق، أكد الفاعل في مجال سينما التحريك والمدير الفني السابق للمهرجان الدولي لسينما التحريك بمكناس "فيكام"، محمد بيوض، أن انخراط القطب الإعلامي العمومي في إنتاج الرسوم المتحركة شكل محطة أساسية في تطور القطاع، مبرزا أن إدراج أعمال التحريك ضمن طلبات العروض للقنوات العمومية شجع الاستوديوهات الوطنية على الاستثمار في هذا المجال، وساهم في خلق دينامية جديدة داخل المهنة.
واستحضر بيوض، في تصريح لـSNRTnews، التجربة الفرنسية، التي بدأت مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما انخرط القطب الإعلامي العمومي في تمويل وإنتاج أعمال التحريك، إلى جانب إحداث مدارس واستوديوهات متخصصة، وهو ما مكن فرنسا من التحول إلى واحدة من أبرز الدول في هذا المجال.
ويرى أن المغرب يسير في الاتجاه نفسه، مع بروز طاقات شابة واعدة، تحتاج إلى مواصلة التكوين والتأطير، واستمرار الاستثمار في الإنتاج، من أجل الانتقال إلى صناعة متكاملة تشمل أيضا الأفلام الطويلة.
وأوضح بيوض هذا التوجه لم يقتصر على توفير فضاء لعرض الإنتاجات المغربية، بل أسهم أيضا في خلق فرص للشغل لفائدة عدد من المهنيين، بالنظر إلى أن إنتاج عمل واحد في سينما التحريك يتطلب تدخل تخصصات متعددة، من كتابة السيناريو والرسم والتصميم والتحريك، إلى المؤثرات البصرية والصوتية، على غرار ما تعرفه صناعة السينما التقليدية.
وأضاف أن هذه الدينامية ساهمت كذلك في تقديم محتوى موجه للطفل المغربي يستلهم هويته الثقافية وقصصه المحلية، مشيرا إلى أن الجمهور، رغم انفتاحه على الإنتاجات العالمية، يظل في حاجة إلى شخصيات وحكايات تعكس محيطه وثقافته.
وشدد على أن التجربة التي تقودها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تعد من التجارب الرائدة على مستوى إفريقيا والعالم العربي في مجال دعم إنتاج الرسوم المتحركة.

ثمار انخراط القطب العمومي
من جهته، اعتبر ياسين الحريشي، مؤسس ومدير استوديو Neverseen Productions، أن سنة 2019 شكلت نقطة تحول حقيقية بالنسبة إلى قطاع الرسوم المتحركة بالمغرب، موضحا أن الفترة الممتدة بين 2008 و2019 عرفت ركودا كبيرا، إذ كانت أغلب الاستوديوهات تشتغل في إنجاز الإعلانات التجارية أو الأعمال المؤسساتية القصيرة، دون وجود سوق حقيقية للإنتاج التلفزي.
وأكد الحريشي، في تصريح لـSNRTnews، أن إطلاق الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة طلبات عروض سنوية خاصة بأعمال التحريك وفر لأول مرة استقرارا للإنتاج، وأتاح تمويل مشاريع كانت في السابق تفتقر إلى الموارد الكافية، مضيفا أن هذا التحول مكن الاستوديوهات من الانتقال من إنتاج أعمال قصيرة ذات هامش ربح محدود إلى إنجاز مسلسلات تمتد إلى ثلاثين حلقة، بل وإنتاج مواسم متعددة.
وأشار إلى أن هذه الدينامية لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل فتحت المجال أيضا أمام تشغيل عدد من الشباب المغاربة المتخصصين في تقنيات التحريك، بعدما كان كثير منهم يضطرون إلى البحث عن فرص خارج المغرب، مبرزا أن تطور القطاع ساعد كذلك على تطوير الخبرات المحلية في مجالات الإخراج والكتابة والنمذجة ثلاثية الأبعاد والمؤثرات البصرية.
واستعرض الحريشي تجربة استوديو Neverseen Productions مع القنوات العمومية، والتي انطلقت بإنتاج سلسلة "أبطال الأولى"، قبل إنجاز سلسلة "شنيولة وبوبريص"، التي تعد أول عمل مغربي للرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد يعرض خلال فترة الإفطار في شهر رمضان، وهي الفترة التي تعرف أعلى نسب المشاهدة.
واعتبر أن برمجة هذا العمل على القناة الأولى في وقت الذروة لم تكن مجرد اختيار برامجي، بل مثلت رسالة ثقة في جودة الإنتاج الوطني، وأسهمت في تقريب الجمهور من الرسوم المتحركة المغربية، وإبراز قدرة الاستوديوهات الوطنية على إنتاج أعمال تنافس من حيث الجودة والتقنيات.
كما واصل الاستوديو إنتاج أعمال أخرى، من بينها سلسلة "ليليا وريان" لفائدة القناة الثانية.
ويرى الحريشي أن النتائج بدأت تتجاوز حدود السوق الوطنية، إذ باتت الاستوديوهات المغربية تحظى باهتمام شركاء دوليين، مشيرا إلى أن توفر إنتاجات وطنية قوية أصبح عاملا أساسيا في بناء شراكات خارجية.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة