فن وثقافة
"المفتش سعدان" و"مغاربة في السماء".. قصص مغربية تروى بالتحريك
08/03/2026 - 14:39
خولة ازنيزنيتشهد سينما التحريك الوطنية خلال السنوات الأخيرة دينامية متصاعدة، جعلتها تحظى باهتمام أكبر داخل المشهد السمعي البصري، سواء من حيث الاستثمار في التقنيات الحديثة أو توظيفها لنقل قيم وثقافة الوطن إلى الأجيال الناشئة.
خلال شهر رمضان، عززت التلفزة المغربية هذا الحضور، إذ تعرض القناة الأولى سلسلة المفتش سعدان، فيما تقدم القناة الثانية سلسلة مغاربة في السماء، في خطوة تعكس تنامي مكانة هذا النوع الفني ضمن البرمجة التلفزية.
ويعد المفتش سعدان سلسلة كرتونية مغربية ثلاثية الأبعاد، بطلها محقق يتمتع بموهبة فطرية في فك ألغاز القضايا البوليسية، غير أن سذاجته المفرطة، ورغم حدسه الحاد والتزامه بالقانون والنظام، تقوده إلى مواقف غير متوقعة تخلق لحظات كوميدية متجددة.

وأكد المدير التقني والفني للسلسلة، خالد النعيم، أن شخصية “المفتش سعدان” مستوحاة من الكوميديا المغربية، وتشبه العديد من الشخصيات الموجودة في المجتمع بطابعها العفوي والكوميدي.
وأضاف قائلا: "استغرق العمل على المشروع سنة كاملة، وحرص فريق يضم أزيد من 30 كفاءة مغربية على إنجازه من حيث الفكرة والقصة وطاقم التنفيذ، في أول تجربة لهم في عمل كرتوني كوميدي بعد اشتغالهم على أفلام قصيرة وإعلانات داخل المغرب وخارجه".
وأوضح النعيم، في تصريح لـSNRTnews، أن الاشتغال بتقنية التحريك ثلاثي الأبعاد في عمل طويل يشكل خطوة مهمة، بعدما كان استخدامها يقتصر على الإعلانات والمشاريع القصيرة، مشيرا إلى أن اختيار هذه التقنية كان قرارا صائبا لإبراز المواهب المغربية، رغم ما تتطلبه من وقت وجهد وتكلفة إنتاجية أكبر.
وأضاف: “اليوم نعمل، كما يعمل عدد من المبدعين وشركات الإنتاج، على إدراج هذه التقنية في أعمال طويلة مثل سلسلة المفتش سعدان”.
ويتكون "المفتش سعدان"من 30 حلقة، مدة كل واحدة 7 دقائق، موجهة للجمهور الناشئ وأيضا للكبار، في قالب بصري فني، إذ تبنى كل حلقة على موقف طريف جديد، ويعرض على القناة الأولى عند الساعة الخامسة وأربعين دقيقة مساء، وهو من تأليف عصام الدين محري وعادل أومليل، ومن إخراج عادل أومليل. وبالتوازي، يعمل الفريق على تطوير مشاريع طموحة أخرى، في خطوة يعتبرها انطلاقة واعدة.
مغاربة في السماء
من جهتها، تعرض القناة الثانية مغاربة في السماء، وهو عمل يتناول قصص نجاح شخصيات مغربية بارزة عبر التاريخ. ويقدم الموسم الأول سيرة ثريا الشاوي، أول ربانة طائرة مغربية وعربية، في عمل أخرجه محمد لزعر ومحمد وزيف، وكتب سيناريوه رضى بن عزوزة.
أكد منتج السلسلة، علي الركيك، أن المشروع يعكس قناعة قوية بأن سينما التحريك المغربية اليوم تتوفر على المواهب والمهارات اللازمة لإنتاج أعمال تراثية قادرة على التفاعل مع المعايير الدولية، مضيفا أن طموح الفريق هو إعادة الشخصيات الرئيسية في التاريخ المغربي إلى الحياة باستخدام لغة سينما التحريك العالمية.
وأوضح الركيك أن فكرة العمل انطلقت من حاجة ثقافية تتمثل في تعريف الأجيال الجديدة بشخصيات من تاريخ المغرب، وتقديم تجربة مشاهدة قريبة مما عاشه الجيل السابق مع أعمال مثل كابتن ماجد والمحقق كونان.
وأكد أن الفريق حرص على الربط بين الثقافة والتراث، المادي واللامادي، والتقنيات الحديثة، مضيفا:“لطالما استوردنا روايات تاريخية، وحان الوقت لابتكار رواياتنا الخاصة”.
بعد تجارب ناجحة تناولت تاريخ وتراث المغرب، اختار الفريق هذه المرة صيغة المسلسلات القصيرة، باعتبار سينما التحريك خيارا أمثل لجعل التاريخ سهل الفهم وجذابا، وتحويل القصة الوثائقية الأكاديمية إلى تجربة بصرية وعاطفية تترك أثرا في المخيلة.
وقد انطلق العمل بشخصية ثريا الشاوي، مع تسليط الضوء على المخترع عباس بن فرناس، حيث تحمل قصة الشاوي رمزية قوية تتعلق بالشباب والشجاعة وتحرر المرأة، خاصة في مجال الطيران الذي كان صعبا على النساء في فترات سابقة.
يعود "مغاربة في السماء" بالزمن إلى الوراء من أجل الوقوف على المحطات الرئيسية والكبرى التي شكلت مسار قائدة الطائرات المغربية، حيث يرصد مسارها التعليمي في مجال الطيران، ثم قبولها في مدرسة طيران كانت مخصصة في السابق للرجال الأجانب، كل ذلك في بيئة صعبة، تتسم بالمقاومة الثقافية والمؤسسية، لكن الطيارة المغربية الشابة أثبتت بكل قوة وعزيمة أنها ستحقق حلمها.
أما شخصية عباس بن فرناس، فتم تقديمها كمصدر إلهام، من قبل أب ثريا الشاوي، مع إبراز محاولاته في الطيران والصعوبات التي واجهها، بما يعزز قيمة الاجتهاد والابتكار في المخيال الجماعي.
وأوضح الركيك أن الاشتغال على العمل استغرق سنة ونصف من العمل المكثف، مؤكدا أن التحدي الأكبر تمثل في تحقيق التوازن بين الدقة التاريخية والحرية السردية، من خلال بحث معمق في الأرشيفات والمصادر الموثوقة قبل تكييفها لتناسب الجمهور الناشئ.
وبخصوص اختيار تقنية التحريك ثنائي الأبعاد، أوضح الركيك أنها تتميز بجمالية خاصة وبعد إنساني يتلاءم مع سرديات التراث، مشيرا إلى أن التحريك ثلاثي الأبعاد يتطلب كلفة ومدة إنتاج أكبر، معتبرا أن الأمر اختيار فني وليس تراجعا تقنيا.
كما أشار إلى أن العمل من المرتقب إعادة عرضه على TV5Monde، ما سيتيح للشخصيات التاريخية المغربية بلوغ جمهور دولي واسع بحوالي 430 مليون منزل في أكثر من 180 دولة ويعزز مصداقية الصناعة الوطنية.
وفي ما يتعلق بالكفاءات الوطنية، اعتبر الركيك أن المغرب يزخر بمواهب مهمة، مشيدا بدور Flow Motion School، من المدارس المتخصصة في مهن سينما التحريك، والتي ساهم خريجوها في "مغاربة في السماء" وأثبتوا جاهزيتهم.
وأكد أن الاهتمام بصناعة سينما التحريك تعزز خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تحظى بمكانة أوضح ضمن برمجة التلفزة المغربية، مشيرا إلى مساهمة المركز السينمائي المغربي في هيكلة القطاع، عبر دعم كتابة السيناريو ودراسة آليات تمويل ملائمة لطبيعة هذا المجال، معتبرا أن المنظومة في طور الترسخ التدريجي.
وختم الركيك بالتأكيد على أن الرهان يتمثل في بناء هوية مغربية قوية ومعاصرة في مجال سينما التحريك، قادرة على تحقيق التوازن بين الجذور الثقافية والطموح العالمي، مشيرا إلى أن هذه الصناعة تمثل رافعة اقتصادية وأداة فعالة للتعريف بالثقافة والتاريخ المغربيين، وكشف عن وجود أفكار لتناول شخصيات تاريخية أخرى في مواسم مقبلة من “مغاربة في السماء”، إلى جانب مشاريع جديدة قيد التطوير.
دينامية متواصلة
من جهته، أشاد متابع سينما التحريك والمدير الفني السابق لمهرجان مكناس الدولي لسينما التحريك "فيكام"، محمد بيوض، بالدينامية التي يعرفها المجال في المغرب، منوها بأهمية عرض أعمال التحريك على القنوات العمومية، خاصة القناتين الأولى والثانية.
وأبرز بيوض، في تصريحه لـSNRTnews، أن إشراك القطب العمومي عبر إدراج سلاسل التحريك ضمن طلبات العروض يشجع الاستوديوهات الوطنية ويدعم فرص الشغل، مشيرا إلى أن عرض عملين خلال رمضان يشكل خطوة إيجابية قابلة للتوسع مستقبلا.
وأشار إلى التجربة الفرنسية، التي تعد من أبرز التجارب عالميا إلى جانب اليابان والولايات المتحدة، حيث حظيت سينما التحريك بدعم قوي من القطب العمومي، مع توفر مدارس ومعاهد متخصصة واستوديوهات إنتاج، وإنتاج أفلام ومسلسلات طويلة بتقنيات متنوعة، ما ساهم في ترسيخ صناعة متكاملة.
واعتبر أن القطاع يعرف حركية ملحوظة، في السنوات الأخيرة مع بروز طاقات شابة واعدة، لكنه شدد على ضرورة صقل هذه المواهب عبر التكوين والتدريب التطبيقي وفتح مدارس متخصصة، للانتقال إلى مرحلة صناعة حقيقية، تشمل إنتاج أفلام طويلة في التحريك، مع تطوير أعمال تعكس الهوية والقيم المغربية، خاصة للجمهور الناشئ.
كما نوه بدور المهرجان الدولي لسينما التحريك، الذي ينظم منذ أكثر من عشرين سنة ويلعب دورا محوريا في تطوير القطاع، باعتباره ملتقى دولي يتيح للمواهب المغربية الاحتكاك بمحترفين ويساهم في تشجيع الإنتاج المشترك.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن المركز السينمائي المغربي ينظم حاليا، بشراكة مع المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما والمعهد الفرنسي بالمغرب، برامج لكتابة سيناريوهات الأفلام الروائية وأفلام التحريك القصيرة، لدعم الشباب وتمكينهم من تطوير مشاريعهم في إطار مهني محفز.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة