اقتصاد
كيف يشكل العمل الرقمي الحر بالمغرب فرصة واعدة للشباب؟
20/06/2026 - 11:42
وئام فراج
لم تعد المهن الرقمية الحرة في المغرب مجرد خيار مهني هامشي أو نشاط موازٍ للدخل، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة متزايدة لآلاف الشباب الباحثين عن فرص عمل خارج المسارات التقليدية.
هناك شباب اختار هذا المجال عن قناعة ورغبة في الاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي العالمي، فيما امتهنه آخرون بالنظر لصعوبات الولوج إلى سوق الشغل، فهل أصبح العمل الرقمي الحر ملاذا حقيقيا للشباب المغربي؟
محدودية فرص التوظيف
يرى الخبير في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات والشبكات الاجتماعية، مروان حرماش، أن الواقع أكثر تعقيدا مما يبدو للوهلة الأولى، موضحا أن هناك فئة من الشباب المغربي اختارت العمل الرقمي الحر بشكل استراتيجي، بعدما استثمرت في تطوير مهاراتها وبناء علاقات مهنية مع عملاء دوليين، ما مكنها من تحقيق مداخيل تفوق في أحيان كثيرة ما توفره الوظائف التقليدية.
في المقابل، أكد حرماش، في تصريح لـSNRTnews، أن شريحة أخرى وجدت نفسها مضطرة إلى التوجه نحو هذا المسار بسبب محدودية فرص التوظيف وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات.
واعتبر أن العمل الرقمي الحر أصبح اليوم نمطا اقتصاديا قائما بذاته، غير أن النجاح فيه لا يرتبط فقط بإتقان المهارات التقنية، بل يتطلب أيضا عقلية المقاول القادر على إدارة وقته وتسويق خدماته وبناء شبكة مهنية تضمن الاستمرارية.
مهن جديدة
من جهته، يرى المكون الاستشاري والخبير في قضايا التشغيل والتكوين المهني محمد الزهو أن المهن الرقمية الحرة أصبحت بالفعل ملاذا حقيقيا ونوعيا للعديد من الشباب المغربي، بالنظر إلى محدودية قدرة سوق الشغل التقليدي على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.
وأشار الزهو، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن الاقتصاد الرقمي فتح أمام الشباب نافذة عالمية تتيح لهم إثبات كفاءاتهم بناء على المهارات والخبرات أكثر من الاعتماد على الشهادات فقط.
وتتعدد المجالات التي تستقطب العاملين المستقلين في المغرب، حيث يبرز تطوير البرمجيات والتطبيقات، والتسويق الرقمي، وصناعة المحتوى، والتصميم الرقمي، وتطوير تجربة المستخدم، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني ضمن أكثر التخصصات طلبا في السوق الدولية.
وفي السياق ذاته، لفت حرماش إلى أن الذكاء الاصطناعي التطبيقي أصبح من أكثر المهارات المطلوبة على منصات العمل الحر العالمية، خصوصا في مجالات أتمتة العمليات وإنتاج المحتوى وتحليل البيانات، إلى جانب التسويق الرقمي وتحسين محركات البحث والإعلانات المدفوعة وإدارة السمعة الرقمية "التي تشهد نموا ملحوظا مع توسع الحضور الرقمي للمؤسسات والأفراد".
كما اعتبر أن "التعدد اللغوي الذي يتميز به الشباب المغربي يشكل إحدى أهم نقاط القوة التنافسية، إذ يتيح لهم الولوج إلى أسواق متنوعة والتعامل مع عملاء من مناطق مختلفة حول العالم".
الإطار القانوني والضريبي
رغم هذه الفرص، يتفق الخبيران على أن العمل الرقمي الحر لا يزال يواجه مجموعة من التحديات البنيوية. ففي مقدمتها الإطار القانوني والضريبي الذي يعتبره حرماش غير واضح بما يكفي بالنسبة للعاملين المستقلين، ما يدفع عددا منهم إلى العمل خارج الأطر الرسمية ويحد من استفادتهم من الحماية الاجتماعية.
كما تبرز، بحسبه، صعوبات مرتبطة بوسائل الدفع الدولية واستقبال التحويلات المالية من الخارج، وهي إشكالات يعتبرها المهنيون عائقا أمام انفتاح أكبر على الأسواق العالمية.
ويضاف إلى ذلك غياب أنظمة حماية اجتماعية ملائمة للعاملين المستقلين خصوصا على مستوى التقاعد، وفق الزهو، فضلا عن المنافسة الشديدة التي تفرض على المشتغلين بهذا القطاع تحديث مهاراتهم بشكل مستمر للحفاظ على قدرتهم التنافسية.
نظام مرن للمقاول الذاتي الرقمي
في ما يتعلق بالحلول الكفيلة بتحسين وضعية ممتهني العمل الحر الرقمي، دعا حرماش إلى تسريع إرساء نظام مرن للمقاول الذاتي الرقمي وتسهيل الولوج إلى وسائل الدفع الدولية، إلى جانب إدماج ريادة الأعمال الرقمية بشكل عملي داخل المنظومة التعليمية.
كما شدد على أهمية بناء مجتمعات مهنية وتشجيع التكوين المستمر لمواكبة التحولات السريعة التي يعرفها القطاع، لافتا إلى أن الشباب يتحملون أيضا مسؤولية بناء مجتمعات مهنية، والاستثمار في التكوين المستمر، وعدم الاكتفاء بمهارة واحدة في سوق يتغير بسرعة.
وأكد أن المغرب يملك كل المقومات ليكون وجهة رئيسية للعمل الرقمي الحر على المستوى الإفريقي والمتوسطي، "لكن هذا الهدف يحتاج إرادة سياسية واضحة وبيئة تحفيزية حقيقية".
ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق الرقمية
أما الزهو، فيقترح اعتماد مقاربة تقوم على ثلاثة محاور أساسية؛ تتمثل في ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق الرقمية عبر مراجعة المناهج الجامعية وبرامج التكوين المهني، وتوفير تحفيزات تشريعية ومالية للعاملين المستقلين، فضلا عن نشر ثقافة المبادرة والعمل الحر لدى الشباب.
واعتبر الخبيران أن العمل الرقمي الحر بات يشكل أحد أبرز التحولات التي يعرفها سوق الشغل المغربي، غير أن تحويله إلى رافعة حقيقية للتشغيل وتقليص البطالة يظل رهينا بقدرة مختلف الفاعلين على توفير بيئة قانونية ومالية وتكوينية تواكب هذا التحول وتضمن استدامته.
مقالات ذات صلة
مجتمع
اقتصاد
مجتمع
اقتصاد