مجتمع
المهن الإبداعية.. بين طموحات الشغف الفني ورهانات التوجيه وبناء المستقبل
18/06/2026 - 12:25
شهرزاد عيوش
تشهد الساحة التعليمية والمهنية تحولا لافتا في طبيعة الخيارات الدراسية للشباب؛ إذ لم يعد التوجه نحو المعاهد الفنية والإبداعية مجرد خطوة هامشية أو هواية مؤجلة، بل أضحى خيارا استراتيجيا يحظى بإقبال متزايد من لدن التلاميذ والطلاب.
هذا التحول يأتي مدفوعا بالطفرة الرقمية الهائلة وانفتاح سوق الشغل على صناعات ثقافية جديدة تطلب الابتكار، والقطع مع الصور النمطية التي حصرت النجاح المهني لسنوات طويلة داخل أسوار التخصصات العلمية والتقنية التقليدية.
ومع هذا الإقبال المتنامي، تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة رؤية متكاملة تجمع بين عقلانية التوجيه التربوي ودينامية الممارسة الميدانية. فالانتقال من عوالم الشغف الطفولي بالفن إلى مرحلة الاحتراف والاستقرار المادي يتطلب مواكبة دقيقة تشترك فيها المؤسسات التعليمية والأسر، لتمكين جيل جديد من الفاعلين من تحويل طاقاتهم الإبداعية إلى مشاريع مهنية مهيكلة وقادرة على العطاء، وهو ما يشكل جوهر النقاش الراهن حول مستقبل المهن الإبداعية ببلادنا.
التوجيه التربوي ودعم الاختيارات الإبداعية
في قراءته لواقع الحال، أكد المستشار في التوجيه الجامعي، بدر بولاك، لـ "SNRTnews"، أن الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي ساهمت بقوة في تغيير تمثلات التلاميذ، من خلال إبراز نماذج ناجحة لمهنيين في مجالات التصميم، والإنتاج السمعي البصري، وصناعة المحتوى، والفنون الرقمية.
هذا التطور واكبه تراجع ملحوظ في الضغط الاجتماعي والأسري الذي كان يفرض في السابق تخصصات علمية بعينها، مما منح الطلاب حرية أكبر في اختيار مساراتهم بناء على ميولاتهم الشخصية وسوق الشغل الذي أضحى يبحث عن كفاءات إبداعية مبتكرة تفوق الأطر التقنية الجافة.
بيد أن هذا الاختيار، وحسب بولاك، لا يجب أن يكون عشوائيا أو مبنيا على مجرد التأثر العابر بمؤثري "تيك توك" أو "إنستغرام"؛ بل ينبغي أن يستند إلى تقييم موضوعي ومبكر لقدرات التلميذ ومهاراته، ومدى جاهزيته لمتطلبات التكوين الفني (سواء في المسرح، الصحافة، أو السينما)، مع دراسة حقيقية لآفاق الشغل محليا ودوليا.
وهنا يبرز الدور المحوري للتوجيه التربوي الذي يجب أن يتجاوز عتبة الإرشاد الصفي نحو مواكبة الأسر أولا لتغيير نظرتها، ومساعدة التلاميذ ثانيا على اكتشاف ذواتهم، خاصة في ظل نقص المواد الفنية كالموسيقى والمسرح بالتعليم العمومي. ودعا المستشار إلى ضرورة تنظيم لقاءات مباشرة داخل المؤسسات التعليمية مع خبراء وممارسين ميدانيين (تشكيليين، مخرجين، وصناع محتوى) لنقل تجاربهم وتفاصيل عملهم اليومي للتلاميذ، بهدف مساعدتهم على بناء "مشروع شخصي مستقبلي" متكامل، يتجاوز منطق "الدراسة لأجل الدراسة" إلى صناعة مسار مهني واضح المعالم.
من الشغف إلى الميدان
من جانبه، وفي شهادة حية تعكس عمق الممارسة، صرح خريج المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، إبراهيم موخافي لـ "SNRTnews"، أن ارتباطه بالمجال الفني لم يكن وليد الصدفة بل نبع من شغف طفولي، حيث وجد نفسه فنانا بالفطرة ينجذب للموسيقى، والمسرح، والرقص، وكل أشكال التعبير.
هذا الشغف قاده لصقل موهبته أكاديميا بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC)، ليعمل حاليا أستاذا للتربية الموسيقية، معتبرا الفن فضاء حرا للتعبير عن المواقف والأحاسيس، وأداة علمية لفهم المجتمع، والتفاعل مع التراث والممارسات الثقافية.
موخافي نقل تجربته من المدرجات إلى الفضاء العمومي عبر ممارسة "موسيقى الشارع" بعدة مدن مغربية، كانت انطلاقتها من مدينة إفران؛ حيث عاين تفاعلا جماهيريا وإقبالا إيجابيا كبيرا أكد له أن الشارع يمكنه أن ينبض بالحياة الفنية، حسب ما جاء في تصريحه.
هذه التجربة الميدانية شكلت نواة بحثه الأكاديمي الحالي حول "فنون موسيقى الشارع في المغرب كأداة للتنشيط الثقافي والتعبير الاجتماعي"، وهو التوجه الذي سمح له بالدمج بين البعدين الجمالي والاجتماعي، ممتدا من بحثه السابق في "الجغرافيا الثقافية" إلى دراسة حركية الفن في الفضاء العام.
وأوضح المتحدث أنه لا يرى أي تعارض بين الشغف الشخصي والقناعة بالآفاق المهنية، فإذا كان الشغف هو المحرك الأول لبناء الهوية الفنية، فإن الواقع يؤكد أن التحولات الثقافية التي يشهدها المغرب باتت تفتح آفاقا واعدة في التنشيط الثقافي، والصناعات الإبداعية، والمشاريع المبتكرة.
وشدد موخافي على أن الفنان اليوم يجب أن يتحول إلى "صانع لمشاريعه ومبادراته"، وألا يربط نجاحه بالوظيفة العمومية فقط، بل يمكنه عبر التفكير المهني المهيكل والمبادرات الموازية أن يخلق مهنته ويضمن مصدر رزقه المستقل.
صناعة الثقافة: رهانات الهيكلة والاستقرار
وفي قراءته للمستقبل، كشف إبراهيم موخافي عن طموحاته التي تتجاوز الأداء الفردي نحو الإدارة الفنية للمهرجانات والتظاهرات، وذلك رغبة منه في المساهمة في بناء تصور جديد للفن يرتكز على القرب والتفاعل ومنح الفنان دورا فاعلا في الدينامية الثقافية. وأكد أن المهن الفنية أصبحت توفر فرصا حقيقية للاستقرار والنجاح، شريطة اقتران الموهبة بالابتكار والاجتهاد والقدرة على تسويق الشغف كمشروع اقتصادي وثقافي واضح.
وخلص المتحدث إلى أن الرهان الحقيقي لتحويل القطاع الفني إلى مشتل لمهن مستقرة ومدرة للدخل، يتطلب صياغة خارطة طريق وطنية تتكامل فيها رغبة وإبداع الفاعلين الثقافيين مع إرادة الدولة والسياسات العمومية، بتعاون وثيق مع مختلف المتدخلين في شؤون الثقافة والفن، لجعل الصناعة الإبداعية رافعة أساسية من روافع التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع