مجتمع
بين شغف التكنولوجيا وحيرة التوجيه.. كيف يرسم تلاميذ البكالوريا طريقهم نحو مهن الذكاء الاصطناعي؟
21/06/2026 - 09:13
شهرزاد عيوش
بعد الكشف عن نتائج امتحانات البكالوريا، يجد التلاميذ وأسرهم أنفسهم أمام مرحلة مفصلية من التوجيه الأكاديمي، في وقت يشهد فيه سوق الشغل العالمي تحولات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية.
إذ برزت تخصصات حديثة باتت تصنع واجهة المشهد المهني، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وهي مجالات تثير الكثير من الشغف بقدر ما تثير من التساؤلات حول طبيعة التكوين والآفاق المستقبلية.
وفي هذا السياق، أكدت المستشارة في التوجيه المدرسي والمهني، مونية بوقاع، أن هذا التحول المتسارع يمثل هاجسا كبيرا يؤرق العائلات والشباب على حد سواء. وأوضحت أن المخاوف تنقسم إلى شقين: غموض المسارات الدراسية المؤدية لهذه المهن الجديدة، والقلق المتزايد من اختفاء وظائف تقليدية وتعويضها بالآلات الذكية، مشددة على أن المفتاح الحقيقي للنجاح يكمن في حسن التعامل مع هذه الطفرة التكنولوجية وليس في تجنبها.
التكنولوجيا وإعادة تعريف المهن
أوضحت بوقاع، في تصريح لـSNRTnews، أن القلق المحيط باختفاء بعض المهن بسبب الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه، مشيرة إلى أن المهن في حد ذاتها لن تختفي، بل ستشهد عملية إعادة تكييف وتطوير. واعتبرت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مدى قدرة التكنولوجيا على تعويض الإنسان، بل في مدى استعداد المهنيين لتطوير مهاراتهم الرقمية لمواكبة العصر.
وضربت المستشارة في التوجيه مثالا بمهنة المحاماة، مستندة إلى نقاشات دولية أكدت أن المحامي لن تختفي وظيفته، بل إن "المحامي الذي لا يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي هو من سيختفي". فالأدوات الرقمية الحديثة أصبحت توفر وقتا هائلا وتتيح للمهنيين مضاعفة كفاءتهم وتوسيع قاعدة عملائهم بذكاء وسرعة.
وأضافت بوقاع، استنادا إلى مشاركتها في مؤتمر عالمي ببرشلونة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مهن المستقبل، أن المهن الجديدة مثل الأمن السيبراني ليست سوى امتدادا متطورا لتخصصات قديمة، لكنها اليوم تكتسي حلة جديدة ومسميات جاذبة تستهوي جيل الشباب وتتماشى مع بيئة الإنترنت.
الهندسة المعلوماتية.. القاعدة الأساسية قبل التخصص
وفي معرض حديثها عن الكفايات المطلوبة، شددت بوقاع على أن المهارة التكنولوجية والمعلوماتية هي الحجر الأساس لأي مسار ناجح في هذا الصدد. ودعت التلاميذ الشغوفين بالمعلوميات إلى التركيز على التخصصات العلمية والتقنية خلال مسارهم الدراسي، سواء في التعليم العام أو التجريبي، وخاصة التخصصات القائمة على الرياضيات، والفيزياء، وعلوم الحياة والأرض.
وأشارت الخبيرة إلى أهمية التخصصات الحديثة في المدارس الثنائية اللغة أو الدولية، مثل تخصص "الرقمية والعلوم المعلوماتية"، والتي توفر دفعة قوية للتلاميذ نحو فهم أعمق للمجال. وأكدت أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل سوى جزءا صغيرا من بحر المعلوميات الواسع، مما يستوجب بناء قاعدة صلبة أولا.
وحذرت بوقاع من الاندفاع نحو تكوينات ومسارات تقتصر حصرا على "الذكاء الاصطناعي" بشكل منفصل أو سطحي، معتبرة أن الاستراتيجية الأصح هي توجيه الطلاب نحو دراسة "الهندسة المعلوماتية" أو "علوم البيانات" كقاعدة عامة وشاملة، ثم التخصص بعد ذلك في تقنيات الذكاء الاصطناعي لضمان تكوين متكامل ومستدام.
التخصصات المزدوجة.. مفتاح ريادة سوق الشغل
وفي نظرتها لآفاق السنوات المقبلة، أكدت بوقاع أن التوجه العالمي الأبرز والأكثر نجاحا يتجلى في "الشهادات المزدوجة". وترى أن المزج بين الكفاءة التقنية والحس التدبيري هو ما يصنع الفارق الحقيقي في مسار الخريجين الجدد عند ولوجهم سوق العمل.
وأوضحت المستشارة أن الكثير من المهندسين يواجهون صعوبات عند الاندماج في الشركات، ليس لضعف كفاياتهم التقنية، بل لافتقارهم لمهارات التدبير والتواصل وإدارة فرق العمل. ومن هنا تبرز أهمية التخصصات المزدوجة التي تجمع بين الهندسة المعلوماتية والتدبير، أو بين الذكاء الاصطناعي وإدارة الأعمال.
وخلصت مونية بوقاع إلى أن الجمع بين التميز في مجالات مثل التمويل والاقتصاد من جهة، والتحكم في الآليات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، يمنح الشباب المغاربة فرصة ذهبية لتبوؤ مناصب قيادية عليا.
علاوة على ذلك، دعت المستشارة في التوجيه المدرسي والمهني التلاميذ إلى التسلح بالصبر ومواصلة التكوين، مستفيدين من تنوع العرض الأكاديمي في المغرب بين المدارس والمعاهد العمومية والخصوصية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع