مجتمع
من الحدود إلى الأسواق الشعبية.. لماذا تستمر المفرقعات في الانتشار رغم الحظر؟
20/06/2026 - 17:37
وئام فراج
تتجدد مع كل موسم عاشوراء مظاهر انتشار المفرقعات والشهب الاصطناعية المحظورة، رغم الترسانة القانونية التي أقرها المغرب لتنظيم تداول المواد المتفجرة والحد من مخاطرها. وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطات الأمنية حجز كميات مهمة من هذه المواد، ما تزال تجد طريقها إلى الأسواق والأحياء الشعبية، مخلفة إصابات خطيرة.
كشفت عمليات الحجز المتواصلة التي تعلن عنها المصالح الأمنية أن جزءً مهما من المفرقعات والشهب الاصطناعية المتداولة في الأسواق الوطنية يصل عبر شبكات تهريب منظمة تنشط خارج القنوات القانونية، مستغلة مختلف المنافذ الحدودية ووسائل التمويه لإخفاء طبيعة البضائع المهربة.
تدخلات أمنية
وتؤكد التدخلات الأمنية الأخيرة استمرار نشاط هذه الشبكات، حيث تمكنت عناصر الشرطة بولاية أمن أكادير، بتنسيق مع نظيرتها بتارودانت وبناء على معلومات وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، يوم الخميس 18 يونيو، من حجز 40 ألفا و20 وحدة من المفرقعات والشهب النارية وتوقيف ثلاثة أشخاص يشتبه في تورطهم في ترويج هذه المواد القابلة للاشتعال.
كما أسفرت عمليات منفصلة نفذتها عناصر الشرطة القضائية بكل من الدار البيضاء وسلا يوم 16 يونيو عن حجز 86 ألفا و711 وحدة من المفرقعات والشهب النارية وتوقيف خمسة أشخاص يشتبه في تورطهم في حيازة وترويج هذه المواد المهربة.
وتعكس هذه المعطيات حجم الرواج الذي تعرفه هذه التجارة غير المشروعة، رغم التشريعات الزجرية والجهود الأمنية الرامية إلى تجفيف منابعها وحماية المواطنين من مخاطرها.
"ثغرات قانونية"
في هذا الإطار، أكد المحامي بهيئة الدار البيضاء، ياسين عسيلة، أن المغرب خطا خطوة مهمة سنة 2018 من خلال المصادقة على القانون رقم 22.16 المتعلق بالمواد المتفجرة والشهب الاصطناعية، والذي جاء لتعويض نصوص تعود إلى سنة 1914، ووضع عقوبات مشددة قد تصل إلى خمس سنوات حبسا وغرامات مالية تصل إلى 500 ألف درهم في حق كل من يحوز أو يصنع أو يتاجر في هذه المواد دون ترخيص.
وأوضح عسيلة، في تصريح لـSNRTnews، أن القانون وضع كذلك شروطا صارمة للاستيراد والتخزين والبيع، غير أن هذه المقتضيات، يقول مستدركا، لم تنجح في القضاء على الظاهرة بشكل نهائي، معتبرا أن أحد الأسباب يعود إلى تأخر صدور المراسيم التطبيقية إلى غاية سنة 2022، ما أتاح استمرار تداول المفرقعات المهربة في الدواوير والأحياء الشعبية، خاصة خلال مناسبة عاشوراء.
تشديد العقوبات
ويرى المحامي بهيئة الدار البيضاء أن مواجهة الظاهرة تقتضي التفعيل الصارم للقانون وتشديد العقوبات على كل من يبيع هذه المواد للقاصرين، مقترحا إدخال تعديلات على المادة 54 من القانون عبر إقرار عقوبات أشد في حالة بيع المفرقعات للأطفال والمراهقين، قد تصل إلى السجن من ثلاث إلى سبع سنوات وغرامات تتراوح بين 100 ألف ومليون درهم.
كما دعا إلى إلزام المحكوم عليهم بنشر الأحكام القضائية الصادرة في حقهم على نفقتهم الخاصة حتى تكون رادعة لغيرهم.
وأكد عسيلة أن هذه الآفة ترتبط أيضا بنشاط شبكات تهريب تستغل المنافذ الحدودية لإدخال هذه المواد إلى السوق السوداء، داعيا إلى تشديد المراقبة على المعابر الحدودية والمداخل الرئيسية وتجفيف منابع التهريب.
كما شدد على أهمية دور الأسر في مراقبة أبنائها وتوعيتهم بخطورة هذه المواد، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية داخل المدارس والمساجد ووسائل الإعلام والملاعب الرياضية، خصوصا في ظل تسجيل حالات فقدان البصر وعاهات مستديمة نتيجة استعمال الشهب الاصطناعية خلال أعمال الشغب أو الاحتفالات غير المؤطرة.
الحق في الصحة
من جهته، حذر رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، علي لطفي، من استمرار تداول وتهريب المفرقعات والشهب النارية المحظورة، معتبرا أنها ليست مجرد وسائل للترفيه، بل "مقذوفات حرارية متفجرة" تشكل تهديدا مباشرا للسلامة الجسدية والصحة العامة وتمس بالحق في الحياة.
وثمن العمليات الاستباقية التي تنفذها مصالح الأمن الوطني لإحباط محاولات ترويج كميات كبيرة من هذه المواد، مشيرا إلى أن شبكات التهريب تستغل ضعف وعي الأطفال والمراهقين بمخاطرها.
كما شدد لطفي، في تصريح لـSNRTnews، على أن الأضرار الناتجة عنها تتجاوز الإزعاج والضوضاء لتتحول إلى كوارث صحية حقيقية، تمس حق الأشخاص في صحتهم وحياتهم، خصوصا بالنسبة للنساء الحوامل والمسنين والفئات الهشة.
وطالب رئيس الشبكة بالتطبيق الصارم لمقتضيات القانون 22.16، وخاصة المادة 54 التي تعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات كل من يحوز مواد متفجرة أو شهبا اصطناعية دون ترخيص، إلى جانب تفعيل المادة 24 المتعلقة بمراقبة استيراد هذه المواد وتتبع مسار شحناتها، وتشديد التنسيق بين مصالح الأمن والجمارك لضبط الحدود والمستودعات السرية.
كما دعا إلى تحميل المسؤولية القانونية للمتاجرين بالتقسيط وللوسطاء الذين يروجون هذه المواد عبر المنصات الإلكترونية للأطفال، انسجاما مع مقتضيات المادة 38 التي تمنع بيعها خارج القنوات المرخصة، مطالبا، في الوقت ذاته، بإطلاق استراتيجية وطنية مشتركة تضم قطاعات الداخلية والصحة والتعليم والإعلام من أجل تعزيز الوقاية والتوعية.
عواقب صحية وخيمة
وعلى المستوى الصحي، أكد الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، أن المفرقعات والشهب الاصطناعية ليست ألعابا كما يعتقد البعض، وإنما مواد متفجرة يجب التعامل معها على هذا الأساس، محذرا من أن تركها في متناول الأطفال والمراهقين يشكل خطرا حقيقيا قد يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة.
وأوضح حمضي، في تصريح لـSNRTnews، أن هذه المواد تتسبب في حروق متفاوتة الخطورة على مستوى الجلد، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى بتر الأصابع أو أجزاء من الأطراف، فيما تبقى إصابات العينين من أخطر المضاعفات، إذ يمكن أن تنتهي بفقدان البصر بشكل جزئي أو كلي أو التسبب في عاهات مستديمة.
كما أشار إلى أن الانفجارات القوية قد تلحق أضرارا بالأذنين وتؤدي إلى ضعف أو فقدان السمع، فضلا عن حالة الهلع والخوف التي تتسبب فيها لدى العديد من الأشخاص، وخاصة المسنين والمصابين بأمراض مزمنة.
ويجمع المتدخلون على أن الحد من انتشار هذه المواد لا يقتصر على الجانب الزجري فقط، بل يتطلب أيضا جهدا وقائيا وتوعويا متواصلا يشارك فيه الجميع، من مؤسسات الدولة إلى الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، من أجل حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر مواد قد تحول لحظات الاحتفال إلى مآس إنسانية دائمة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع