مجتمع
حقول تُنبت دواء.. مسار "الكيف" من الحصاد إلى التصنيع
24/03/2025 - 12:03
يونس أباعلي | حمزة باموفي جماعة "الزريزر" بإقليم تاونات، سلّم فؤاد، رفقة 80 فلاحا، قبل أيام، محصولهم إلى أكبر مصنع لتحويل نبتة "القنب الهندي" في الإقليم، مقابل مقدار من المال اتفق عليه الطرفان مسبقا. وهم الآن يستعدون للموسم الثالث للتقنين، بآمال أكبر، ففي نهاية مارس يبدأ الإعداد والحرث وتسلم البذور.
من المصنع الذي انغمس SNRTnews في تفاصيل عمله العلمي الدقيق، ستُنقل المواد الأولية المستخرجة من النبتة صوبَ شركة متخصصة في الصناعات الدوائية ضواحي مدينة المحمدية، انتقل إليها الفريق ليرى كيف تُصنع من هذه المواد الأولية مكملاتٌ غذائية ومستحضرات للتجميل.
من بين أيدي المزارعين إلى مختبرات شركات صناعة الأدوية، قطع SNRTnews في هذا الربورتاج، الذي جرى تصويره بين الدار البيضاء وإقليم تاونات والحسيمة، المسارَ الطويل الذي يُحول نبتة القنب الهندي إلى علاجات طبية، بشكل يجعلها تحقق تنمية شاملة؛ فلاحية واقتصادية واجتماعية، بأبعاد إنسانية عديدة.
أمل يكبر موسما بعد آخر
الفلاحون متيقنون بأن المحصول المقبل سيكون أفضل من الذي قبله، مالاً ووفرةَ، لأنهم أصبحوا الآن يشتغلون بشكل قانوني وطوَّروا عملهم، ووسعوا رقعة الزرع وزاد عدد المرخصين لهم، خصوصا منذ غشت الماضي الذي يُعد بالنسبة لهم وبالنسبة لمسار ورش التقنين منعطفا حاسما وحافزا كبيرا جدا، حين تفضل جلالة الملك محمد السادس وأصدر عفوه المولوي السامي على 4831 شخصا الذين كانوا مدانين أو متابعين أو مبحوث عنهم في قضايا متعلقة بزراعة القنب الهندي، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب.
ولم يخف رئيس التعاونية كونَ البعض يغفلون عن بعض التفاصيل في طريقة الاشتغال؛ إذ لا يضبطون الوقت المناسب للجني وكيف سينقلون المحصول وما الطريقة المثلى للتجفيف، فقد ألفوا طريقة معينة طيلة سنوات مضت. لكنه أكد أن الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي تواكبُ العملية من ألفها إلى يائها، بحيث تؤطر عملهم وتلتقي بهم طول السنة لإحاطتهم بطريقة الاشتغال.
ورغم الجفاف، فنبتة "البلدية" صبورة؛ إذ لا تحتاج ماء كثيرا حيث يكفي سقيها مرة في الأسبوع، إلى مرة واحدة كل خمسة عشر يوما، وهو ما يعتبرونه "حسن حظ"، عكس المستوردة (الرومية) العطشانة دائما. غير أن هذه الميزة لا تمنع من دعوة الفلاحين إلى ترشيد استعمال الماء، حيث أكد محسن، الفلاح المنخرط في تعاونية فؤاد، أن التقنين حلٌّ لا بديل له، لذلك طالب الفلاحين بمزيد من الجهد والانخراط المستمر، مادام الفلاح يعمل دون خوف ووجد بديلا لماضٍ يريدون نسيانه.
الأسعار تختلف.. لكن الجميع يربحون
لقد ربط التقنينُ علاقةً واضحة بين الشركة المُحولة والتعاونيات، لتوفير البذور والمواكبة وجمع المحصول وما السعر الذي سيُباع به. في الوقت نفسه، ربطَ أيضا علاقة بين التعاونية ومنخرطيها، حيث يحددون السعر بشكل يرضي الجميع وأن تكون لديهم رخص إن أرادوا الاشتغال بشكل قانوني.
وشروطُ حصول الفلاح على الرخصة، طبقا للقانون 13.21 المتعلق بالاستخدام القانوني لهذه النبتة، هي أن يكون مغربيا يبلغ سن الرشد القانوني، ويسكن بأحد الدواوير التابعة للأقاليم الثلاثة المعنية بهذه الزراعة (شفشاون وتاونات والحسيمة)، وأن ينخرط في تعاونية مخصصة لهذا الغرض، وأن يكون مالكا للقطعة الأرضية اللازمة للغرض أو حاصلا على إذن من المالك لزراعة القنب الهندي بتلك القطعة، أو على شهادة إدارية تُثبت استغلاله للقطعة.
ويتوجب، أيضا، على المزارعين والمنتجين المرخص لهم التقيد، وفق القانون نفسه، باحترام بنود دفتر التحملات المعد من لدن الوكالة بالتنسيق مع السلطات الحكومية المعنية، واستعمال البذور والشتائل المعتمدة من لدن الوكالة وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي. وأن يُسلم المحصول بأكمله إلى التعاونيات مقابل الثمن المحدد.
وبحسب تأكيدات فلاحين، يختلف الثمن من منطقة إلى أخرى حسب جودة النبتة، وهذه الجودة تختلف بحسب التربة والمناخ. فثمن كيلوغرام من نبتة "الرومية" (المستوردة) لا يقل عن 150 درهما في "بني بوفراح" بإقليم الحسيمة، لكن سعر الكيلوغرام الواحد من "البلدية" فبين 50 درهما إلى 100 درهم.
أغلب التعاونيات تتفق مسبقا مع الفلاحين على نسبة معينة من ربحٍ يُغطي مصاريف التجميع والحفظ والنقل، تتراوح بين 6 في المائة إلى 10 في المائة، وعندما تسلم التعاونية المحصول للشركة وتتسلم المبلغ المتفق عليه تخصم تلك النسبة من المقابل المادي الذي تمنحه للفلاح، كما شرح بضع رؤساء تعاونيات.
أما في منطقة "إيساكن"، معقل "البلدية"، فالسعر يختلف أيضا بين المناطق، لكن على العموم يتراوح ما بين 50 درهما و100 درهم للكيلوغرام بالنسبة لـ"البلدية"، ويبدأ من 70 درهما للكيلوغرام بالنسبة للنوع المستورد الذي "يشرب" الماء كثيرا وبالتالي، تكلفة الزرع تكون مرتفعة، ناهيك عن ضرورة التقيد بشروط مخالفة لزرع "البلدية" (التباعد، عمق الحفرة) كما شرح لنا فلاحون.
لا يوجد سعر محدد، إذن، بل إن تلك العقود بين التعاونية والشركات والفلاحين هي التي تحدده بشكل يرضى عنه الجميع قبل أية عملية.
وعند بداية مشروع التقنين، كان الفلاحون يُسلمون النبتة للمُجمّع وهي خضراء؛ أي من الحقل مباشرة، على أن يتكلف المُجمع بتجفيفها. لكن يتم تسليمها الآن وهي جافة وبالتالي، تم رفع سعر الكيلوغرام كمقابلٍ لجهود الفلاح في التجفيف وما يرافق ذلك.
ورغم الاختلاف في الأسعار، إلا أن الذين تحدثوا مع SNRTnews أكدوا على ارتياحهم الكبير بعد التقنين. والجميع يعملون على الرفع من إنتاجيتهم طالما أصبحوا يشتغلون بشكل قانوني، خصوصا أن كثيرا منهم كانوا متابعين قبل العفو الملكي الذي حفزهم على العمل أكثر لأن ما يقومون به هو مصدر عيشهم الوحيد.
مجهودات في 2024 وخُطط لـ2025
في دجنبر 2024، أكدت الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي أن جميع الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي، التي يقوم بها المزارعون والفاعلون، مطابقة للمقتضيات التنظيمية.
والتزمت الوكالة بمضاعفة الجهود في 2025 من أجل تعزيز العمليات المنجزة والنهوض بالمبادرات المطلوبة بما يمكّن من هيكلة تطوير قطاع القنب الهندي في إطار قانوني يتيح للمزارعين ممارسة آمنة وذات مردودية لأنشطتهم ويضمن للفاعلين ظروفا مواتية لولوج الأسواق الدولية بهدف المساهمة في التنمية السوسيو – اقتصادية للمناطق المعنية بالتقنين.
وعرفت سنة 2024 دراسة ومعالجة 4158 طلب ترخيص، منحت الوكالة على إثرها 3371 رخصة تتعلق بـ3056 رخصة لفائدة 2907 فلاحين في نشاط زراعة وإنتاج القنب الهندي مقابل 430 رخصة ممنوحة سنة 2023.
كما منحت الوكالة 315 رخصة لفائدة 158 فاعلا، وتهم 77 رخصة لنشاط التحويل، و83 رخصة لنشاط التسويق، و67 رخصة لنشاط التصدير، و35 رخصة لنشاط استيراد البذور، و50 رخصة لنشاط النقل،؛ ورخصة واحدة لنشاط تصدير البذور ورخصتين لنشاط إنشاء واستغلال المشاتل.
ويتوزع الفاعلون الـ158 على 35 تعاونية، و87 شركة، و36 من الأشخاص الذاتيين.
وفي موسم 2024، اعتمدت الوكالة 7,6 مليون من بذور القنب الهندي المستوردة، على أساس 30 رخصة استيراد منحها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية لـ21 مستوردا.
كما منحت الوكالة ترخيصا باستخدام 1717 قنطارا من بذور البلدية على أساس 112 ترخيصا لاستخدام هذه البذور الممنوحة من قبل المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية لـ112 تعاونية.
وسجلت سنة 2024 أيضا زراعة 2169 هكتارا من القنب الهندي المشروع من قبل 2647 فلاحا مجمعين في 189 تعاونية موزعة على 1701 هكتارا مزروعا بالصنف المحلي (بلدية) من قبل 1767 فلاحا مجمعين في 109 تعاونيات، و468 هكتارا مزروعا بأصناف مستوردة من قبل 880 فلاحا مجمعين في 80 تعاونية.
وارتفع إنتاج القنب الهندي المشروع في سنة 2024 إلى 4082,4 طن، بمتوسط مردودية يبلغ 20 قنطارا في الهكتار. ويتوزع هذا الإنتاج على 2786,7 طن من صنف "بلدية" بمتوسط مردودية يصل إلى 17 قنطارا في الهكتار، و1295,7 طن من الأصناف المستوردة بمتوسط مردودية يبلغ 28 قنطارا في الهكتار.
مراقبة صارمة كي لا يخسر الجميع
توفيرُ البذور وتكثيرها والمشاركة في تأطير عملية الزرع والجمع والنقل من اختصاصِ المُجمع، لذلك انتقل SNRTnews إلى أكبر مصنع في إقليم تاونات، الموجود فوق تراب جماعة "كلاز" التي تحيط بها الحقول من كل جانب. هناك تتجسد المرحلة الأولى في مسار تحويل النبتة.
لقد أبرم المصنع عقودا تجارية وتقنية مع التعاونيات التي يتعامل معها، والتي بلغ عددها نحوَ 22. هذه العقود تجعل كل طرف يعي جيدا ما له وما عليه، وكل إخلال يعني وقف عملية الزرع أو إحراق المحصول عندما تُثبت التحاليل المخبرية ضرورة ذلك.
ولكي تكون الانطلاقة جيدة، لا يبدأ الموسم بدون تأطيرِ ومواكبة الفلاحين، ليكونوا على علم بما يتوجب القيام به. هذه شروحات مصطفى الشنتوف، رئيس القسم التقني بالمصنع؛ إذ قال إن تجربة سنتين من التقنين جعلت التعاونيات راضية على العمل، ويشتغل الفلاحون باطمئنان ودون متابعات.
كل هذه الدينامية تكون تحت إشراف الوكالة (ANRAC)؛ إذ قال رئيس القسم التقني في مصنع "صوماكان" لـSNRTnews: "إذا استمرينا هكذا ستكون النتائج جد إيجابية، خصوصا بعد العفو الملكي عن المتابعين، حيث انخرطوا سريعا في التعاونيات ويعملون بكل حرية واطمئنان ويستفيدون من التأطير الواجب، ومتأكدون بأن ما ينتجونه سيُباع بأسعار راضون عنها".
ويتجلى التطور الحاصل في سلسة الإنتاج في إضافة شروطٍ صارمة في العقود مع التعاونيات هذا العام، تتعلق بالجودة، كما أشار إلى ذلك، لأن الأمر يتعلق بمواد تتوجه حصرا لأغراض طبية لذلك لا يمكن للفلاح أن يستعمل المبيدات ولا مياهً ملوثة وأن تكون الأرض المزروعة خالية من معادن ثقيلة لأنها ستظهر في ما سيُستخلص من النبتة.
ويؤكد الشنتوف أن الفلاحين يحترمون كل المعايير الواجب اتباعها، إلا في بعض الاستثناءات التي قد تؤدي إلى رفض تسلّم المنتوج؛ إذ مازال البعض يجهلون تفاصيل في عملية التجفيف حيث يقومون بذلك داخل فضاءات غير صالحة.
وحدث ذات مرة أن لجأ رئيس تعاونية إلى إضافة الماء على المحصول، لكي يزيد في الوزن، لكن بعد المراقبة تم إحراق المحصول بحضور السلطات المعنية وحُرر محضر، كما قال الشنتوف، وهي حالة من بعض حالات نادرة لا تُحترم فيها الضوابط اللازمة.
ويرفض ذلك الاعتقاد الذي لدى البعض، والذي يعتبر أن "الكيف" كان يُباع في الظل والآن خرج للعلن، قائلا "الآن يتحول إلى مواد طبية ولا علاقة له بالممارسات والاستعمالات السابقة، وهي الآن نبتة مصنفة من النباتات الطبية ونستخلص منها تركيبات كيماوية تصلح لصناعة الأدوية". وأبرز أن التقنين خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، تنضاف إليها أنشطة أخرى متعددة، من نقل وتسويق وتصنيع وغيرها، بما يجعل النفع يعمّ.
نمو جنين!
المراقبة والعناية الصارمتان تنطلقان قبل وبعد إدخال المحصول إلى المصنع. يقول نبيل السبتي، المسؤول عن الجودة، في هذا الصدد لـSNRTnews، إنه يتوجب مراقبة التربة قبل الزرع لمعرفة هل هي صالحة لذلك؛ إذ قد يحدث احتواؤها على أدوية فلاحية مُستعملة من قبل، وبالتالي، إن تم غرس النبتة فلن تكون بالتأكيد صالحة للتحول إلى مواد طبية.
هنا يبرز دورُ طرف آخر من بين الأطراف التي تعمل في التقنين، إذ قبل الزرع يتدخل أيضا تقنيو المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، لإخضاع "الزريعة" لتحاليل لمعرفة هل هي صالحة لذلك.
وعندما يحينُ وقت حصادها، لن يكون ذلك إلا بعد التحديد الدقيق للتوقيت الصالح، حيث إن أي تأخير قد يؤثر سلبا على نسبة الجزئية التي يبحث عنها المتخصصون في التحويل، وهي جزئية "CBD" في نبتة "الرومية" وجزئية "THC" في "البلدية"، وتختلف نسبة وجود هذه الجزئية حسب نُضج النبتة؛ أي أن توقيت الجني مرحلة مهمة جدا وحاسمة. و"CBD" تُوجه إلى كل ما له علاقة بالمكملات الغذائية ومواد التجميل، فيما تصلح "THC" لصناعة الأدوية.
عندما يُحددُ الوقت المناسب يبدأ الحصاد تحت المراقبة المستمرة؛ إذ قال السبتي إن النبتة "تشرب" كل المواد المحيطة بها، حيث إن تركها مثلا بجانب الدواب سيظهر ذلك في محتوياتها بعد تجفيفها.
بعد الجني، تتعرض النبتة للتجفيف أياما، ويحرص تقنيو المصنع على أن تكون المعايير الصحية حاضرة. وهنا يفرض الأمر أن تُجفف "ربطة الكيف" في فضاءات مظلمة، وألا تكون الرطوبة عالية، وألا تلمس "الربطة" تلك التي في جانبها؛ إذ إن أفضل طريقة هي أن يتم ربطها وأن تبقى متدلية.
عند نهاية هذه المرحلة من عمر النبتة ويحين وقت نقلها إلى المصنع، يتفق المسؤولون في الشركة مع التعاونيات على برنامج لتحديد الكمية التي ستُسلم، ونوعية النبتة، وما الوسائل المستعملة للنقل، وكل ذلك يُوثق في محاضر. وعند وزنِ المحصول داخل المصنع، يحضر رئيس التعاونية وأحد منخرطيها ليتسلما وصلا يشير إلى كل تفاصيل العملية (الوزن، ومسار النبتة، ورخصة النقل...).
هل الفلاحون واعون بكل ذلك؟
يؤكد السبتي أن الوكالة تواظب على تحسيس الفلاحين وتوعيتهم، وكذلك يفعل المصنع، لكي يستفيد الجميع، مشددا على وجود فرق إيجابي في المحاصيل وفي طريقة عمل الفلاحين بفضل هذا العمل الجماعي.
وكما جاء في شروحات مسؤولي المصنع، يجب أن تكون نسبة رطوبة المحصول عند الوصول بين 8 إلى 12 في المائة، كي لا يتعرض للتلف، وهذه النسبة مرتبطة بظروف الجمع والتجفيف والنقل. وحتى لو مرّ كل شيء بسلام، فإن المحصول يخضع للمراقبة من جديد، بإرسال عينات إلى المختبرات.
عمل علمي دقيق
مسارُ التحويل يستمر بعد الانتهاء من المرحلة التي يشرف عليها السبتي؛ إذ شرح المهندس الشاب يحيى عبيدي، رئيس قسم الإنتاج، أن الوحدة التي يُشرف عليها متخصصة في استخلاص مادة "الكانابيديول" من النبتة.
التحويل هنا عبارة عن عمل عِلمي مترابط دقيق، باستعمال آلات حديثة ومتطورة، تُشغلها كفاءات شابة، يتحركون بشكل جماعي ببذلاتهم البيضاء داخل الوحدة التي تتشدد فيها شروط السلامة والصحة، بتخصصاتهم المتنوعة التي تفرضها حساسية المرحلة. هناك يتم "تشريح" النبتة وتتحول إلى مساحيق وسوائل مختلفة الألوان، هي التي تُستعمل في ما بعد في المكملات الغذائية ومواد التجميل بعد مزجها بمواد أخرى.
وردّ يحيى على تلك التخوفات والشائعات التي تروج بخصوص هذه المستخلصات ومدى خُلوها من المادة المخدرة، قائلا "لا علاقة لها أبدا بالجانب المظلم للقنب الهندي، كما يعتقد البعض، لأن المواد التي تخرج من هنا تحتوي على نسبة أقل من 1 في المائة من THC المخدرة بما لا يخلق أي مشكل على المستهلك".
آخر المراحل قبل ولوج السوق
تنتهي مهمة المصنع الذي انغمس SNRTnews في عملياته عند مرحلة يحيى عبيدي، لكن مسار التقنين مُمتد إلى ضواحي المحمدية؛ إذ انتقل الفريق إلى المنطقة الصناعية "الشلالات"، حيث توجد شركة CMC PHARMA، وهي من ضمن الشركات العشر المُرخص لها والتي تلتزم بتقديم منتجات مبتكرة تجمع بين الفوائد المعترف بها للمكملات الغذائية التقليدية والخصائص الفريدة لـ"CBD" أو الكانابيديول.
وكما شرحت إيمان عصمان، مسؤولة وحدة التحويل بالشركة، يتم نقل هذه المواد الأولية القادمة من تاونات في ظروف وشروط خاصة، ويتم التأكد من أنها وصلت وفق كل المعايير الواجب اتباعها، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من مسار التحويل وبعدها تُعرض للبيع في السوق ولفائدة زبناء الشركة.
ولفتت مديرة الشركة الدكتورة الصيدلانية مونا شاباش إلى أن هذه المواد تُحسن النوم والاسترخاء وتقلل التوتر والقلق وتقلل التهاب وألم العضلات بعد التمرين المكثف، وتدعم جهاز المناعة حيث تحتوي على مضادات للالتهابات والأكسدة.
وتنادي شاباش، الرئيسة والمُؤسسة للشركة، إلى وضع اليد في اليد لأن التقنين مشروع يستوجب الانخراط الجماعي، من فلاحين وأطباء وصيادلة لولوج السوق العالمية.
أول دواء جنيس وخطط للمستقبل
إلى جانب كل ما سبق ذكره، يتجلى التقدم الذي وصل إليه التقنين من خلال استعداد مختبرات فارما 5، أحد الفاعلين في مجال تطوير وتصنيع الأدوية الجنيسة، لطرح أول دواء جنيس مغربي 100 بالمائة اعتمادا على مكونات القنب الهندي لعلاج مرض الصرع.
وتم تسجيل هذا الدواء تحت اسم "CANNABIDIOL PHARMAS"، وهو الدواء الجنيس للدواء الأصلي "EPIDYOLEX" الذي تنتجه شركة GW البريطانية، والمستخدم لعلاج الصرع المقاوم، ويُعدّ هذا العلاج الجنيس بديلا فعالا وأقل تكلفة بكثير مقارنة بالدواء الأصلي، الذي يتراوح سعره بين 1100 و1400 أورو.
ميا لحلو الفيلالي، المديرة العامة لمختبرات "فارما 5"، قالت لـSNRTnews إن هذا الابتكار يعد جزءا من الاستراتيجية الوطنية التي تهدف إلى تعزيز الاستقلالية الصيدلانية وتقليص الاعتماد على استيراد الأدوية المكلفة.
وأكدت الفيلالي أنه بفضل الشراكة المثالية بين "فارما 5" والوكالة الوطنية لتنظيم الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، ووزارة الصحة، ومديرية الأدوية والصيدلة، تم ضمان وصول هذا العلاج المبتكر إلى المرضى في المغرب وإفريقيا والعالم.
وفي درب البحث العلمي الذي سيُعزز نجاح التقنين، تم مؤخرا عقد شراكة استراتيجية بين جامعة عبد المالك السعدي، والوكالة نفسها وكلية الطب والصيدلة، والمركز الاستشفائي الجامعي بطنجة.
تهدف الاتفاقية إلى تنفيذ مشروع حول فعالية وسلامة الاستخدام العلاجي لمادة الكانابيديول (CBD)، المستخرجة من القنب الهندي المغربي، في علاج حالات الصرع المستعصي لدى الأطفال، وهي حالات صرع مقاومة للأدوية التقليدية، لا سيما حالات الاعتلال الدماغي الصرعي عند الأطفال. وسيتم تنفيذ هذا المشروع من قبل فريق من الخبراء المغاربة.
ويُجمع الكل على أن المغرب شهد تحولا تاريخيا بتقنينه زراعة القنب الهندي، التي لا بديل لها في تلك المناطق؛ إذ تتحول الآن إلى مواد طبية تُعرض في السوق الوطنية وأيضا يتم تصديرها. لأن هذه الشركات المرخص لها ومئات التعاونيات وآلاف الفلاحين الذي يشتغلون بحرية واطمئنان خلقت ديناميكية اقتصادية جديدة، فالآن أصبح هناك قطاع جديد منظم عبارة عن سلسلة طويلة مترابطة تخلق رواجا تجاريا ولها وقعٌ اجتماعي، لأن النبتة أصبحت موردا اقتصاديا وأملا لآلاف الفلاحين في مستقبل تعمّ فائدته الجميع.

مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع