مجتمع
تجارة .. هل يحمي القانون المستهلك الرقمي بالمغرب؟
05/06/2025 - 20:18
خولة ازنيزني
مع تزايد استخدام التجارة الإلكترونية، بلغت قيمة معاملات هذا القطاع أكثر من 22 مليار درهم خلال سنة 2023، مع تسجيل أكثر من 25 مليون عملية أداء مالي عبر الإنترنت، ونمو سنوي يقارب 30% خلال السنوات الأخيرة.
يمثل قطاع التجارة الإلكترونية نحو 8% من إجمالي النشاط التجاري الوطني، ويواصل نموه بمعدل سنوي يبلغ 25%، ويضم اليوم أكثر من 100 شركة ناشئة محلية، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 1000 شركة تستهدف الأسواق الدولية.
في ظل هذا الزخم، برزت الحاجة الملحة لتكريس حماية حقيقية للمستهلك، تواكب هذا التحول الرقمي الذي أصبح يفرض نفسه على أنماط الاستهلاك اليومية، إذ يجد المستهلك نفسه في قلب معادلة غير متوازنة، حيث تتسارع وتيرة الابتكار والبيع الرقمي، مقابل تسجيل حالات متكررة من النصب والاحتيال. فهل يمكن مواكبة هذا التحول بحماية قانونية وتنظيمية كافية؟ وكيف يضمن القانون للمستهلك الإلكتروني حقوقه؟
تشريعات قائمة... لكن هل هي كافية؟
يشكل كل من القانون رقم 08-31 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك، و05-53 الخاص بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، و08-09 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، الإطار القانوني المنظم للتجارة الإلكترونية في المغرب.
وتشمل حماية المستهلك مرحلتين أساسيتين: قبل وأثناء التعاقد، وأثناء تنفيذ العقد. ففي المرحلة الأولى، يُلزم البائع بالإفصاح الكامل والشفاف عن المنتج أو الخدمة، ويُمنح المستهلك الحق في التراجع عن العقد. أما في مرحلة التنفيذ، فتوفر القوانين ضمانات تحمي المستهلك من التعسف وتكفل حقوقه في حال وجود خلل أو مخالفة.
ورغم توفر ترسانة قانونية، إلا أنها لا تواكب سرعة التحول الرقمي، خاصة مع الانتشار الواسع للبيع عبر منصات التواصل الاجتماعي،وفقا لـبوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، الذي يقول في تصريحه لـSNRTnews: " قد حان الوقت لتحيين شامل للقانون 31.08، الذي يعود إلى سنة 2010، مع ضرورة وضع آليات قانونية جديدة تواكب تطورات العالم الرقمي، وسن المدونة الرقمية الموجودة حاليا لدى الأمانة العامة للحكومة."
وأضاف أن أغلب الشكايات الواردة على شبابيك المستهلك اليوم تتعلق بحالات نصب واحتيال مرتبطة بالتجارة الإلكترونية، خصوصا تلك التي تتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح الخراطي أن التجارة عن بُعد تشمل الهاتف، والإنترنت، وحتى الزيارات المباشرة، وقد خُصص لها قسم في قانون حماية المستهلك، غير أن أغلب الصفحات الناشطة لا تُعتبر مواقع تجارية مرخصة من طرف الوكالة المغربية للتنمية الرقمية (ADD)، وبالتالي فهي خارج رقابة وزارة الصناعة والتجارة، ما يعرّض المستهلك لمخاطر فعلية.
وشدد الخراطي على ضرورة التعامل فقط مع المواقع التي تتضمن بيانات واضحة مثل العنوان ورقم هاتف فعّال، داعيا المستهلكين إلى التواصل مع جمعيات حماية المستهلك أو الجهات المختصة في حال وجود شك، موضحا: "الزبون يُستدرج أحيانا إلى عمليات بيع زائفة، ليكتشف لاحقا أن المنتج مختلف كليا أو غير موجود أصلا، وهذا الوضع يتطلب حماية قانونية استباقية تفرض الشفافية على البائع الإلكتروني وتُلزمه بالكشف عن هويته ومسؤوليته."
كما أشار إلى أن استعمال المعطيات الشخصية للمستهلك يثير قلقا متزايدا، خصوصا مع تزايد الإشهارات الرقمية الموجهة، مؤكدا على وجوب إعلام المستهلك مسبقا بأي عملية تجميع أو معالجة لمعطياته، ومنحه حق الرفض أو التعديل، كما ينص على ذلك القانون 08-09 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية.
واختتم الخراطي بالقول :"نوصي بعدم اقتناء أي منتج من مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها تشكل نموذجا للتجارة غير المهيكلة، وهي أشبه بما يسمى 'الجوطيات'. وعلى المستهلك أن يتحمل مسؤوليته كاملة إذا قرر التعامل معها."مؤكدا أن ضعف تدخل الجامعة راجع بالأساس إلى تأخر تحيين القوانين، مما يجعل تدخلها يقتصر غالبا على الوساطة فقط.
المستهلك الإلكتروني... الحلقة الأضعف
من جانبه، يرى وديع مديح، رئيس الجامعة المغربية لجمعيات المستهلك، أن المستهلك الإلكتروني هو الطرف الأضعف في التعاقد الرقمي، إذ غالبا ما يشتري منتجا لم يره مباشرة، بناء على إعلانات قد تكون مضللة.
ويشدد مديح في تصريحه لـSNRTnews، على أن هناك حاجة ماسة إلى تنظيم الفضاء الرقمي، ليس فقط لحماية المستهلك، بل كذلك لضمان التنافسية المشروعة في سوق تطغى عليه الفوضى في بعض الأحيان، وتنتشر فيه ممارسات "فراشة التجارة الإلكترونية".
ويضيف: "التقنين ينبغي أن يقدم حلولا شاملة قادرة على تجاوز الثغرات الحالية، لأن بعض الشركات المقننة لا تحترم القوانين، مما يستدعي الصرامة في تطبيق النصوص."
كما أبرز أن من أهم الثغرات التي يستغلها المحتالون هي العلاقة بين البائع والمستهلك التي تكون غالبا محصورة في رقم هاتف فقط، ما يجعل التهرب سهلا عند وقوع مشكل:"تُغلق الأرقام فجأة، وتختفي الصفحات، ويصعب على الضحية تحديد هوية البائع أو تتبع المعاملة."
حق التراجع... ضمان محدود التطبيق
كما يشير وديع مديح إلى حق التراجع عن العقد الذي يعد من أبرز الحقوق التي يمنحها القانون المغربي للمستهلك الإلكتروني، حسب المادة 36 من القانون 31.08، والتي تتيح للمستهلك فرصة التراجع خلال أجل 7 إلى 30 يوما، بحسب نوع الخدمة أو المنتج.إلا أن هذا الحق، رغم أهميته، يظل نظريا في كثير من الحالات، خاصة عند التعامل مع بائعين غير معروفين أو يفتقدون لعنوان أو رقم هاتف واضح.
وفي هذا السياق يؤكد على ضرورة حماية قانونية استباقية تُمكّن المستهلك من جميع المعلومات اللازمة قبل التعاقد، لضمان الشفافية واتخاذ قرار واع، مشددا على ضرورة التصدي للإشهارات الكاذبة والمضللة، والتي تؤثر على قرار الشراء في غياب تفاعل مباشر مع المنتج أو الخدمة.
توصيات... إلى حين صدور قوانين أكثر صرامة
يدعو المدافعون عن حقوق المستهلك إلى الحماية الذاتية إلى حين صدور قوانين مواكبة وأكثر صرامة، عبر: التعامل فقط مع مواقع ومنصات معروفة ومسجلة قانونيا، والتأكد من وجود عنوان فعلي ورقم هاتف ثابت، وتجنب الأداء المسبق قدر الإمكان، أو اختيار الأداء عند التسليم، وقراءة شروط البيع والاسترجاع بعناية، خاصة ما يتعلق بـ"حق التراجع"، والتبليغ عن أي موقع أو صفحة مشبوهة لدى الجهات المختصة أو جمعيات حماية المستهلك.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد