فن وثقافة
أحمد المعنوني بين الحال وناس الغيوان وسكورسيزي.. محطات من الذاكرة
19/10/2025 - 15:54
محمد شافعي | خولة ازنيزنيفي لحظة غامرة بالحنين والاعتراف، استقبلت الدورة الخامسة والعشرون للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة المخرج أحمد المعنوني بتكريم يليق بمسار له بصمته في المشهد السينمائي المغربي. على هامش هذا التكريم، تحدث صاحب «الحال» في حوار مع SNRTnews عن علاقته الوثيقة بالفيلم الوثائقي، وخياراته الجمالية، ولقائه مع مجموعة "ناس الغيوان"، كما استعاد الأثر العميق الذي تركته شهادة المخرج العالمي مارتن سكورسيزي في مسيرته الفنية، والتي أسهمت في إيصال صدى أفلامه إلى العالمية.
يعد أحمد المعنوني من أبرز المخرجين الذين أسسوا لمرحلة جديدة في السينما المغربية منذ سبعينيات القرن الماضي، بأعمال حملت رؤية إنسانية وشعرية مختلفة. فقد جاء فيلمه "أليام أليام (1978)" كتعبير شعري يلتقط نبض الحياة اليومية للمغاربة، ويؤسس لأسلوب مختلف في التعبير السينمائي المحلي، ثم جاء "الحال" (1981) ليخلد تجربة "ناس الغيوان"، ويحولها إلى أيقونة ثقافية تجاوز صداها حدود المغرب.
لم يكن "الحال" مجرد وثائقي عن فرقة موسيقية، بل تجربة بصرية وموسيقية متكاملة امتدت لـ88 دقيقة، رصدت عروض المجموعة في المغرب وتونس وفرنسا، كما جالت بكاميراه بين المسارح وشوارع الدار البيضاء لتقدم صورة عن مجتمع يبحث عن ذاته، ليزاوج المعنوني بأسلوبه التجريبي، بين الواقعي والتجريبي، وبين التوثيق والتأمل، ليخلق عملا ظل حيا في الذاكرة الجماعية، لا يخضع لزمن ولا لحدود.
ازداد الاهتمام بالفيلم سنة 2007 حين قدمه مارتن سكورسيزي ضمن فقرة كلاسيكيات كان، بافتتاح مشروع "السينما العالمية" التابع لمؤسسة The Film Foundation، وهي خطوة منحت العمل حياة جديدة وجعلته جزءا من التراث السينمائي الإنساني، قبل أن يعلن عن إصدار نسخته المرممة على منصة "كرايتيريون" المرموقة.
يصف النقاد "الحال" بأنه لحظة من الحظات الفارقة في الزمن السينمائي المغربي، لأنه تجاوز حدود الحكي التقليدي ليصبح وثيقة فنية وإنسانية تسبر عمق الموروث الغيواني، وتتقاطع فيها الموسيقى والتصوف والسياسة والمجتمع، شاهدة على لقاء بين موسيقى "ناس الغيوان" ورؤية مخرج آمن بأن السينما يمكن أن تكون طقسا فنيا يجمع الناس حول الحلم بالحياة والحرية.
وفي حديثه عن اختياراته الفنية، أكد المعنوني أن الحرية أساس أي إبداع، مشددا على أهمية التحرر من القواعد والقوالب المعتادة، لأن الموضوع هو الذي يتحكم في الاختيارات الجمالية، قائلا: " لا أؤمن بالحدود بين الفيلم الروائي أو الوثائقي أو الموسيقي أو الكوميدي، فكلها أدوات للتعبير عن إحساس يسكن المخرج ويجب أن يصل المتلقي كما هو.
وعن علاقته بالموسيقى، أشار إلى أنه يجد فيها مساحة طبيعية للتعبير، وهي بالنسبة له ليست مكملا، بل روحا للفيلم مضيفا: "أنا مولع بالموسيقى، أستعملها بحرية متى شعرت أنها جزء من البناء الفني للفيلم، حتى في الوثائقي لا أتردد في اللجوء إلى التمثيل أو الأداء حين يخدم الفكرة."
أما لقاؤه مع مجموعة "ناس الغيوان" فكان خلال عمله على فيلم «أليام أليام». حينها اختار أغنية فين غادي بيا خويا لافتتاح الفيلم، لأنها اختزلت ما أراد التعبير عنه: بحث الإنسان المغربي عن ذاته وكرامته، من تلك اللحظة بدأت علاقة فنية وإنسانية عميقة ستتوج لاحقا بفيلم «الحال».
وفي حديثه عن شهادة سكورسيزي، قال المعنوني:" تأثر سكورسيزي بفيلم «الحال» كان بالنسبة لي بمثابة ولادة جديدة للعمل، وأوسكار حقيقي للفيلم وللثقافة المغربية، لذا كان محظوظا بهذه الصدفة، لأن شهادة مخرج عالمي بهذا الحجم فتحت أمام الفيلم أبواب العالم، وجعلته يعرض في القارات الخمس، كجسر بين الثقافة المغربية ونظيرتها الأجنبية. بالنسبة بالمعنوني، هذا الاعتراف دعوة للتواضع، وتذكير بأن الفن حوار دائم بين الأحاسيس، يتجاوز الحدود ويؤكد أهمية التبادل والانفتاح بين الثقافات.
واعتبر المخرج في حديثه، أن الفيلم الوثائقي يظل مدرسة للتواضع، مضيفا: "أول خطوة في صناعة الوثائقي هي الاعتراف بالجهل، لأنه بداية المعرفة، ويعبر عن تفاؤله بمستقبل الوثائقي في المغرب، في ظل جيل جديد من المخرجين الشباب الذين يملكون طاقات حقيقية، ويحتاجون فقط إلى الثقة والدعم ليواصلوا المسار".
وفي ختام حديثه، كشف المعنوني عن مشروعه الجديد، وهو عمل يوثق لمسار الفنان التشكيلي عبد الكبير ربيع، من خلال رحلة تأملية تستكشف العلاقة بين الفن والطبيعة، وبين الالتزام والإبداع.
المعنوني هو أيضا ناقل للمعرفة، يدير ورشات تكوينية وإقامات فنية دولية، إذ يشارك تجربته مع الأجيال الجديدة من صناع الأفلام، بفضل إسهاماته الثقافية، حظي بتقدير من الجمهورية الفرنسية، التي منحته وسام الفنون والآداب.
لم يكتف أحمد المعنوني بتوثيق ما هو هامشي من التاريخ، فهو يمنح للجنود المنسيين صوتا في فيلم"الكوم المغاربة" (1992)، ويكشف عن الجوانب المظلمة لنظام الحماية في فيلم "المغرب وفرنسا، تاريخ مشترك" (2006)، ويستكشف أعمال كاتب مستقل ومثير للجدل في فيلم "حوارات مع إدريس الشرايبي".
اليوم، عن سن الثمانين، يواصل أحمد المعنوني إبداعاته من خلال "القشرة والصخرة"، و"إيطو، والحجر المتساقط من السماء"، و"ثريا الشاوي، أحلام وأجنحة"، وغيرها من المشاريع الإبداعية التي يراهن من خلالها على تعزيز مكانة السينما المغربية وطنيا ودوليا.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة