اقتصاد
"البلاك فرايداي".. كيف يعكس تغير سلوك المستهلك المغربي؟
23/11/2025 - 10:44
خولة ازنيزني
تتجه الأنظار نحو المحلات التجارية والمنصات الإلكترونية بحثا عن أفضل التخفيضات؛ إنه "الجمعة السوداء" أو "البلاك فرايداي"، اليوم التجاري الأشهر عالميا، والذي لم يعد يقتصر على الجمعة الأخيرة من نونبر، بل امتد إلى أسابيع كاملة من العروض عبر العالم.
وفي المغرب، أصبح هذا الحدث موعدا سنويا ينتظره كثيرون، بالنظر إلى ما يوفره من تخفيضات كبيرة تشمل الملابس والأجهزة الإلكترونية والمنتجات المنزلية والمطاعم أيضا.
ورغم الجاذبية الكبيرة لهذه العروض، يظل هذا الموسم محفوفا بآليات تسويق قوية قد تدفع المستهلك إلى اتخاذ قرارات شراء سريعة وغير مدروسة، نتيجة تأثير الاستراتيجيات العاطفية والترويجية التي تعتمدها العلامات التجارية.
التسويق العاطفي والترويجي.. أدوات مؤثرة في توجيه القرار الشرائي
توضح بشرى بالموفق، خبيرة التسويق وأستاذة التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني، أن الشركات في المغرب، كما في دول أخرى، تعتمد خلال هذه الفترة استراتيجيات متعددة لزيادة الإقبال، من بينها العروض المحدودة زمنيا، والتسويق الرقمي المكثف، واستغلال عامل الندرة، وهي عناصر تُفعل ما يسمى بـ"الرغبة في الهمزة" لدى المستهلك الذي يفضل غالبا انتظار هذه الفترة لاقتناء المنتجات.
وتشير بالموفق، في تصريحها لـSNRTnews، إلى أن المستهلك المغربي أصبح جزءا من منظومة استهلاكية عالمية؛ إذ يظهر انخراطه في العولمة الاستهلاكية من خلال تأثره بالتخفيضات العالمية، وتزايد السفر الموجه للتسوق خلال هذه المواسم، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على تقييمات المستخدمين وتجارب الآخرين قبل الشراء.
وتلخص الخبيرة آليات التأثير في نوعين: التسويق العاطفي، الذي يخلق رابطا نفسيا بين المستهلك والعلامة التجارية عبر رسائل مرتبطة بقيم إيجابية، والتسويق الترويجي، الذي يعتمد على خصومات وعروض مصممة وفق عادات الاستهلاك.
وتؤكد أن المزج بين العاطفة والإلحاح التجاري يجعل "البلاك فرايداي" ظرفا مثاليا لدفع المستهلك إلى اتخاذ قرارات تبدو فرصا لا تعوض.
تجاوزات تستغل الاندفاع
وترى بالموفق أن هذا الموسم، رغم ما قد يقدمه من فرص حقيقية، لا يخلو من ممارسات تجارية مضللة، أبرزها التضخيم الوهمي للتخفيضات، حيث تلجأ بعض المتاجر إلى رفع السعر الأصلي قبل العروض لإظهار خصومات أكبر. وتشير دراسات إلى أن المستهلك غالبا لا يتحقق من السعر قبل وبعد التخفيض، مما يجعله عرضة للشراء العاطفي.
إلى جانب ذلك، تعرض منتجات بجودة أقل أو ذات متانة ضعيفة، بعضها يصنع خصيصا لـ"البلاك فرايداي"، وتزيد العروض المجمعة من فخ الإيهام بالصفقات المربحة، بينما يعزز العد التنازلي وتأثير الإلحاح الزمني الخوف من فوات الفرصة، ما يدفع إلى قرارات غير مبنية على الحاجة الفعلية.
2025.. توقعات بارتفاع في الإنفاق العالمي
تتجه التوقعات الدولية نحو موسم قياسي جديد في 2025؛ إذ يُرتقب أن تصل مبيعات "البلاك فرايداي" في الولايات المتحدة إلى 11,7 مليار دولار، فيما سيبلغ الإنفاق الإلكتروني خلال موسم العطلات (من 1 نونبر إلى 31 دجنبر) حوالي 253,4 مليار دولار.
كما تشير المعطيات إلى أن 56,1% من عمليات الشراء عبر الإنترنت ستتم عبر الهواتف المحمولة، وأن خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقا" ستعرف نموا إضافيا بنسبة 11% لتصل إلى 20,2 مليار دولار.
وفي 2024، بلغ الإنفاق العالمي خلال 24 ساعة فقط 74,4 مليار دولار، وسجلت الولايات المتحدة 10,8 مليارات دولار من المبيعات الإلكترونية، بينما تجاوز عدد المتسوقين 169 مليون شخص، سواء في المتاجر أو عبر الإنترنت.
سلوك المستهلك.. بين الاندفاع والبحث عن الفرصة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي إدريس العيساوي أن "البلاك فرايداي" يعكس علاقة المستهلك المغربي باستراتيجيات السوق الحديثة، مؤكدا، في تصريحه لـSNRTnews، أن هذه الفترة أصبحت جزءا من الثقافة الشرائية الجديدة.
ويشير المحلل لاستراتيجيات التسويق إلى أن العروض خلال هذه المناسبة تمنح فرصة حقيقية لاقتناء منتجات عالية الجودة بأسعار مناسبة، خاصة الملابس والأجهزة الإلكترونية، مضيفا أن المؤسسات التجارية تبنت نموذج "البلاك فرايداي" بشكل متزايد، مستهدفة فئات محددة مثل الشباب والنساء، وعرض منتجات تلامس نمط حياتهم الاستهلاكي.
ويؤكد أن هذه الاستراتيجيات، المستوحاة من التجارب الأمريكية والبريطانية، نجحت في جذب المستهلك المغربي رغم محدودية القدرة الشرائية.
لكن العيساوي يحذر من أن نسبة كبيرة من قرارات الشراء خلال هذه الفترة تقوم على الاندفاع دون تقييم الحاجة، ما يجعل العديد من القرارات الشرائية غير مدروسة،
وهو ما يعتبر أقرب إلى ثقافة استهلاكية جديدة تقوم على الاستهلاك اللحظي، أكثر من كونه مؤشرا اقتصاديا حقيقيا، مؤكدا أن الوعي الاستهلاكي يظل العامل الحاسم الذي يسمح للمستهلك بالاستفادة دون أن يقع في فخ العروض المضللة.
بين الإطار القانوني والتطبيق
من جهته، يرى بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن "البلاك فرايداي" هو ثقافة أجنبية دخلت السوق المغربي دون إطار قانوني خاص، لكنها تخضع لمقتضيات القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك.
وينص القانون على ضرورة إعلان السعر القديم فوق المنتج قبل التشطيب عليه، وتحديد مدة التخفيض بدقة، وضمان الحق في المعلومة المتعلقة بمصدر المنتج وجودته وتاريخ صلاحيته.
غير أن الخراطي يشير، في تصريحه لـSNRTnews، إلى وجود فجوة واضحة بين القانون والممارسة؛ إذ تقوم بعض المتاجر برفع السعر الأصلي قبل التخفيض أو بيع منتجات منخفضة الجودة، بينما تنتشر على مواقع التواصل عروض غير قانونية لا تخضع لأي مراقبة، مشددا على أهمية صياغة إطار قانوني ينظم هذه التعاملات.
ويؤكد أن المستهلك يصبح خلال هذه الفترة "أكثر عرضة للاحتيال"، خصوصا في ظل اعتماد التجارة الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يقع المستهلك ضحية النصب من خلال الترويج لعروض غير حقيقية.
نصائح للتسوق الذكي
يتفق الخبراء على مجموعة من الإرشادات التي تساعد المستهلك على اتخاذ قرار واعٍ خلال موسم التخفيضات:
مقارنة الأسعار قبل التخفيض وبعده، وإعداد قائمة شراء واضحة والالتزام بها، والتركيز على قيمة المنتج وليس نسبة الخصم، والتحقق من الجودة عبر تقييمات موثوقة، وتجنب تأثير العد التنازلي والإلحاح الزمني، وشراء الاحتياجات الفعلية فقط، مع الالتزام بميزانية محددة، والاحتفاظ بالفواتير وكل الوثائق، وأيضا تجنب استعمال بطاقات الائتمان لتفادي الشراء الاندفاعي.
مقالات ذات صلة
عالم
اقتصاد
فن و ثقافة
اقتصاد