فن وثقافة
عودة إلى مراكش... سينمائيا
14/12/2025 - 17:45
محمد باكريم
حققت الدورة 22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش نجاحا متوازنا بالحفاظ على ما يميز هذه التظاهرة العالمية من عناصر تجمع ما بين البعد الإشعاعي والمهني والسينيفيلي.
هذا التوازن كرسته لجنة التحكيم بإعلانها لنتائج منسجمة مع الخط الرفيع الذي نسج تركيبة المسابقة الرسمية لهذه السنة. وقد كنت كتبت لحظات قبل الإعلان عن النتائج بأن غالبية الأفلام المتسابقة (باستثناء فيلمين أو ثلاثة) تستحق موقعا في سبورة التتويجات وذلك لتقارب المستوى العام مع سيادة نوع من "السميگ الجمالي"-Une sorte de SMIG esthétique- الناتج عن سيادة نمط الإنتاج والتمويل الموحد الذي يجمع ما بين هذه الأفلام...
نقطتان أثارتا نوعا من التحفظ اللبق من طرف بعض السينيفيليين حول البالماريس. النقطة الأولى تتعلق بفيلم "دائرة مستقيمة" للمخرج البريطاني أوسكار هدسون. والثانية حول الجدل الذي أثاره مستوى الفيلم الذي حضر في المسابقة الرسمية باسم المغرب.
بالنسبة لفيلم "دائرة مستقيمة"، فقد عرض صُدفة في الأيام الأخيرة وجاء كصدمة بصرية أيقظت المسابقة من سباتها وأعاد نوعا من الحماس لجيل معين من السينيفيليين والذين وجدوا فيه ضالتهم المنشودة لأنه ينقلهم الى الأجواء الحسية التي توسعت مع أفلام زمن الرقمنة.
وبمجرد مشاهدته اعتبرته نشازا -جماليا و"ثقافيا"- بالنسبة للخط العام الذي نظم اختيارات المسابقة الرسمية لهذه الدورة. وكأني بالمشرفين على الاختيارات الفنية للمهرجان يريدون تذكيرنا بالسينما التي يعشقونها والتي بصمت مثلا عروض السنة الماضية.
ولقد كُنت متأكدا بأنه لن يفوز بأي شيء. وربما أثار نقاشا ساخنا داخل اللجنة أسفر عن حل وسط بمنحه تنويها بالأداء الرائع للتوأم الذي يحمل الفيلم من البداية إلى النهاية وجائزة الإخراج معبرين بذلك على نوع من الاعجاب بالإنجاز ومتسائلين، كما عبر حكيم بلعباس عن ذلك، حول كيف سيكون الفيلم الثاني للمخرج بعد هذا.
وبالفعل فالفيلم يحمل خصال وميزات وحماس الفيلم الأول، وكذلك نقط ضعفه. وفي مجمل القول هو عبارة عن تمرين ترفيهي -un exercice ludique- حول مواضيع جادة (الحدود، الانتماء، الهوية..).
تمرين سينيفيلي يقع بين الأمريكي ترانتينو مع تقسيم الشاشة -split screen- حيث نشاهد مشهدين في نفس اللقطة (إحالة الى موضوع الحدود المصطنعة) والبوسني امير كوستريتشا وعالمه الذي ينتقل ما بين العبثية وما فوق/ دون الواقعية.
ومن مكر التاريخ أن يصوغ سينمائي شاب بيانا كله سخرية عن الحدود والانتماء وهو القادم من بلد امبريالي- بريطانيا- الإمبراطورية التي مزقت بلدانا وقارات ورسمت حدودا مصطنعة شكلت قنابل موقوتة مازالت تغذي بؤر الصراع في العالم. ومن غريب الصدف أيضا أن يتم التصفيق للفيلم لأنه يلغي مفهوم الحدود في زمن تسعى فيه أمم لصيانة كيانها أو استعادة هويتها المبادة. بل إن الفيلم يقدم ثمنا غاليا لإلغاء الحدود والعودة إلى الهوية، إذ تقوم احدى شخصيات الفيلم بإلغاء الآخر جسدا (يتم اغتياله غدرا) وهوية (يتقمص شخصيته)...
النقطة الثانية التي أثارت نقاشا -هادئا ورصينا – تتعلق بفيلم "خلف أشجار النخيل" لمريم بنمبارك الذي تم تسجيله في المسابقة الرسمية باسم المغرب. وأود هنا التذكير بسرعة بأن الأفلام لا تمثل بلدانها. الفيلم الفائز مثلا بالنجمة الذهبية يمكن أن يحضر باسم الدول الثمانية المشاركة في إنتاجه، بل إن قطر لها حظ الأسد في الحضور في كل المسابقات الرسمية.
مهرجانات السينما ليست هي الألعاب الأولمبية ولا يتم عزف (لحد الآن، لا أدري ماذا يخبئ لنا المستقبل) النشيد الوطني للبلد الفائز... أريد أن أقول إن مقاربة فيلم بنمبارك يجب أن تتم من زاوية سينمائية وليس من حافز "الغيرة الوطنية"... بل إن الوطن يكبر بانفتاحه على مختلف العطاءات، بعيدا عن الهويات المنغلقة "القاتلة". وفي خضم هذا النقاش، هناك من لاحظ بأنه في أفلام بانوراما السينما المغربية كان يمكن أن تحضر أفلام في المسابقة الرسمية، ومنها فيلم "موفيطا" (لا أحب هذا العنوان) للسينمائي الغزواني مدان.
فعلا نحن أمام مخرج شاب ذي مسيرة واعدة، متشبع بحب السينما؛ فيلمه الروائي الطويل الأول يؤكد وجود نظرة، وسعي نحو لمسة شخصية. يبدو الفيلم إذن كأنه مشروع في طور التطور، مع بعض الاكتشافات الجميلة هنا وهناك، على سبيل المثال، كل الدراما حول فكرة الباب: الفيلم في الأساس -فضاء مغلق، جسديًا ونفسيًا. نحن مدعوون لقراءة خطاب مجازي عن الانحباس الاجتماعي الذي ينتظر انفراجا (صورة الطفل وانتظار فقس البيضة).
عموما وجدت الجزء الأول أكثر تماسكًا من الجزء الثاني: التحول هو اللقطة الذاتية من داخل سيارة نقل الأموات (وجهة نظر من؟ من الميت الذي يودع الأحياء؟) مشهد يتسلل بشكل غير متوقع إلى نهج جمالي كان متماسكًا حتى الآن (جمالية أسميها "آسيوية"، قريبة جدًا من سينما حكيم بلعباس)...
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة