رياضة
تكريم الأمهات والأسرة .. وجه آخر لانتصارات أسود الأطلس
30/06/2026 - 17:23
خولة ازنيزني
على أرضية ملعب مونتيري، لم تكن صافرة النهاية إيذانا بانتهاء مباراة المغرب وهولندا في نهائيات كأس العالم 2026، إذ لم يكتف لاعبو المنتخب الوطني المغربي بتوقيع انتصار جديد، بل قدموا أيضا عربون وفاء لمن رافقنهم منذ البدايات. دقائق قليلة كانت كافية ليترك لاعبو "أسود الأطلس" المستطيل الأخضر ويتجهوا نحو المدرجات، حيث كانت الأمهات ينتظرن أبناءهن بعناق اختزل سنوات من التضحية والكفاح.
مشاهد أعادت إلى الواجهة واحدة من أبرز صور المنتخب المغربي منذ مونديال قطر سنة 2022، ورسخت أمام عدسات العالم أن وراء كل إنجاز رياضي حكاية أسرة، وأن الأم تظل أول من يحتفل بالنجاح، لأنها كانت أول من آمن به.

وبينما احتفى المغاربة بالتأهل والانتصار، كانت عدسات المصورين تلتقط صورا سرعان ما اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، أبرزها العناق المؤثر الذي جمع إسماعيل صيباري بوالدته، إلى جانب لقاء ياسين جسيم بوالدته، وشمس الدين الطالبي رفقة والده، إلى جانب لقاء الناخب الوطني محمد وهبي وزوجته، في لقطات أعادت إلى الأذهان المشاهد التي صنعت جزءا من ذاكرة المنتخب المغربي خلال مونديال قطر، حين احتفل أشرف حكيمي وسفيان بوفال وغيرهم بإنجازاتهم رفقة أمهاتهم، بينما احتضن يوسف النصيري والده في المدرجات.
ولم يكن عناق صيباري بوالدته مجرد احتفال عابر بعد مباراة حاسمة، بل حمل في طياته قصة كفاح مؤثرة. فاللاعب الذي ولد بتشوه خلقي وتقوس حاد في ساقيه، وأبلغ الأطباء أسرته في طفولته بأن مستقبله الكروي يبدو مستبعدا، أصبح اليوم أحد الأسماء التي ساهمت في قيادة المنتخب المغربي إلى تجاوز المنتخب الهولندي.
وتفاعل مع هذه الصور الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عبر حساباته الرسمية بعبارة: "دموع أم.. حلم ابن".
الأسرة.. رأسمال عاطفي
ويرى الباحث في علم الاجتماع الرياضي عبد الرحيم بورقية أن هذه المشاهد لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد لحظات عاطفية فرضتها نشوة الانتصار، بل تعكس منظومة ثقافية واجتماعية متجذرة في المجتمع المغربي، تجعل الأسرة إحدى أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
وأوضح بورقية، في حديثه لـSNRTnews، أن الرياضي، مهما بلغ من الاحتراف والنجومية، يظل نتاج بيئة أسرية غرست فيه قيما ومعاني تشكل جزءا من هويته الشخصية، وهو ما يفسر حرص عدد من اللاعبين على تقاسم لحظات نجاحهم مع أسرهم، وفي مقدمتها الأم، باعتبارها شريكة في رحلة طويلة من التضحية والدعم.
وأضاف أن الأسرة، والأم على وجه الخصوص، تؤدي دورا محوريا في بناء التوازن النفسي للاعب منذ بداياته، إذ تكون في كثير من الأحيان مصدر التشجيع الأول، وتتحمل أعباء التنقل إلى التداريب والمباريات، كما توفر الدعم المعنوي خلال فترات الإخفاق أو الإصابة أو الضغوط النفسية التي ترافق المسار الرياضي.
ومن منظور علم الاجتماع الرياضي، يشير المتحدث إلى أن هذا "الرأسمال العاطفي" يمنح اللاعب قدرا أكبر من الثقة بالنفس والقدرة على الصمود أمام الضغوط التنافسية، مؤكدا في المقابل أن النجاح الرياضي لا يمكن اختزاله في العامل الأسري وحده، بل هو حصيلة تفاعل بين جودة التكوين، والكفاءة التقنية، والاستقرار الإداري، والإعداد البدني والذهني، إلى جانب الدعم الذي توفره الأسرة.
ويعتبر الباحث أن تكرار ظهور الأمهات في احتفالات المنتخب المغربي تجاوز كونه سلوكا فرديا ليصبح رمزا جماعيا يعكس قيما راسخة في الثقافة المغربية، مثل بر الوالدين، والوفاء للأسرة، والاعتزاز بالانتماء العائلي، موضحا أن اللاعب المغربي لا يظهر في هذه المشاهد باعتباره نجما حقق النجاح بجهده الشخصي فقط، وإنما كابن لعائلة رافقته في رحلة الكفاح وتقاسمت معه ثمارها.
رسالة هوية
ولا يقتصر حضور المنتخب المغربي، بحسب بورقية، على تحقيق النتائج داخل المستطيل الأخضر، بل أصبح يحمل بعدا ثقافيا ورمزيا يتجاوز المنافسة الرياضية، إذ يقدم نموذجا يجمع بين الاحتراف والتمسك بالهوية، وهو ما يفسر الصدى الواسع الذي تحظى به هذه المشاهد داخل المغرب وخارجه.
وأشار إلى أن الجمهور لم يعد يحتفي فقط بالأهداف والانتصارات، بل أيضا بالرسائل الإنسانية التي تنقلها هذه الصور، والتي تؤكد أن النجاح لا يتعارض مع التواضع واحترام الأسرة والاعتزاز بالقيم الاجتماعية، وهي عناصر ساهمت في تكوين صورة مميزة للمنتخب المغربي على الساحة الدولية.
وفي الوقت نفسه، شدد الباحث على ضرورة تجنب التعميم، موضحا أن احتفال بعض اللاعبين مع أمهاتهم لا يعني أن جميع اللاعبين يعيشون التجربة الأسرية نفسها، ولا أن هذا النموذج هو الطريق الوحيد نحو النجاح، لكنه يبقى مؤشرا قويا على المكانة التي تحتلها الأسرة في المخيال الاجتماعي المغربي، وعلى قدرة الرياضة على تحويل القيم الثقافية إلى رسائل إنسانية تلقى صدى لدى جمهور عالمي.
هوية مغربية صمدت رغم الاغتراب
من جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع حسن قرنفل أن اللافت في هذه المشاهد هو أن عددا كبيرا من لاعبي المنتخب المغربي نشأوا وتكونوا في بلدان أوروبية تختلف ثقافيا عن المغرب، ومع ذلك حافظوا على ارتباط وثيق بهويتهم وقيمهم الأسرية، وهو ما يظهر بوضوح من خلال حضور أمهاتهم في المدرجات خلال المباريات الحاسمة، وحرصهم على الاحتفال معهن عقب كل إنجاز.
وأوضح قرنفل، في تصريح لـSNRTnews، أن هذه المشاهد تعكس خصوصية الثقافة المغربية التي تقوم على علاقة متميزة بين الآباء والأبناء، وتمنح الأم مكانة خاصة داخل الأسرة والمجتمع، حيث ترتبط في الوعي الجماعي بقيم الاحترام والتقدير والاعتراف بالجميل.
وأضاف أن المنتخب المغربي يكاد يكون الحالة الأكثر حضورا في كرة القدم العالمية من حيث إبراز دور الأمهات في مسيرة اللاعبين، لافتا إلى أن قصص نجاح عدد من نجوم أسود الأطلس ارتبطت بكفاح أمهات مغربيات هاجرن إلى أوروبا، وواصلن دعم أبنائهم يوميا حتى أصبحت كرة القدم بوابة لتحقيق أحلامهم.
وأشار إلى أن هذه الصور تكتسب دلالات أكبر في مجتمعات تعرف تراجعا في الروابط الأسرية أو برودة في العلاقات بين الآباء والأبناء، إذ يقدم اللاعب المغربي نموذجا مختلفا يقوم على الوفاء للأسرة والاعتزاز بالجذور، رغم نشأته في بيئات ثقافية مغايرة، وهو ما يظهر أيضا في اختيار كثير من اللاعبين تمثيل المغرب دوليا، باعتباره تعبيرا عن ارتباط يتجاوز الجانب الرياضي إلى الانتماء الثقافي والوجداني.
وختم قرنفل بالتأكيد على أن هذه المشاهد لا تعزز فقط صورة المغرب في الخارج، بل تحمل أيضا أثرا إيجابيا داخل المجتمع، خاصة لدى فئة الشباب، باعتبار لاعبي المنتخب قدوة للكثيرين، وهو ما يجعل احتفاءهم بآبائهم وأمهاتهم رسالة غير مباشرة تدعو إلى التمسك بقيم الأسرة، وربط النجاح بالاجتهاد والوفاء لمن كانوا شركاء في صناعة هذا النجاح، لتتحول لحظات الاحتفال بعد كل انتصار إلى رسالة إنسانية بقدر ما هي رياضية، وإلى أحد أبرز ملامح الهوية التي باتت تميز المنتخب المغربي في أعين العالم.

مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة