رياضة
بين المهاجم الوهمي ورأس الحربة الصريح.. أي خيار لوهبي في المونديال؟
05/06/2026 - 10:17
رضى زروق
شهدت المباراة الودية الأخيرة للمنتخب الوطني المغربي أمام مدغشقر، اعتماد الناخب الوطني محمد وهبي على إسماعيل الصيباري في مركز "المهاجم الوهمي"، قبل التحول لاحقا إلى اللعب برأس حربة صريح، عبر الدفع بكل من أيوب الكعبي وسفيان رحيمي في الشوط الثاني.
ولم يمر هذا الاختيار مرور الكرام، خاصة أن الصيباري نجح في تسجيل هدفين خلال الشوط الأول، كما سبق له أن شغل نفس الدور خلال المباراة الودية أمام الإكوادور في شهر مارس الماضي، ما يعكس اقتناعا متزايدا لدى وهبي بإمكانية بناء خطه الهجومي بطريقة مختلفة عن الشكل التقليدي الذي اعتاد عليه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة.
ولعل السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة قبل أيام قليلة من انطلاق كأس العالم 2026، هو ما إذا كان وهبي سيتجه فعلا إلى خوض المونديال بدون مهاجم صريح، خصوصا في المباراة الافتتاحية المرتقبة أمام منتخب البرازيل يوم 13 يونيو الجاري.
الصيباري.. مهاجم وهمي أم صانع ألعاب متقدم؟
من الناحية التكتيكية، لا يتعلق دور "المهاجم الوهمي" فقط بغياب رأس الحربة الكلاسيكي، بل يقوم أساسا على تحركات لاعب وسط هجومي يمتلك القدرة على النزول بين الخطوط، وسحب المدافعين من أماكنهم، وخلق المساحات للأجنحة ولاعبي الوسط المتقدمين.
وهو الدور الذي بدا إسماعيل الصيباري قادرا على تنفيذه بشكل جيد، بحكم خصائصه التقنية والبدنية، وقدرته على اللعب في المساحات الضيقة، والربط بين الخطوط، إضافة إلى امتلاكه نزعة هجومية واضحة وحسا تهديفيا متطورا، كما أظهر ذلك مع ناديه أيندهوفن الهولندي هذا الموسم.
وخلال الشوط الأول أمام مدغشقر، ظهر المنتخب المغربي أكثر تحررا في الثلث الأخير من الملعب، مع كثرة التحركات العرضية والاختراقات القادمة من العمق، وهو ما منح الفريق تنوعا هجوميا أكبر مقارنة بفترات اللعب بمهاجم صريح ثابت داخل منطقة الجزاء.
فلسفة وهبي.. امتداد للمدرسة البلجيكية
لا يبدو هذا التوجه معزولا عن الخلفية التكتيكية لمحمد وهبي، الذي يعتبر أحد خريجي المدرسة البلجيكية الحديثة، على عكس سلفه وليد الركراكي المتشبع أكثر بالفكر الكروي الفرنسي الكلاسيكي القائم على الواقعية والانضباط الدفاعي والتحولات السريعة.
وتدرج وهبي داخل نادي أندرلخت البلجيكي، حيث اشتغل لسنوات طويلة مع مختلف الفئات السنية، في مدرسة تؤمن بالاستحواذ الإيجابي وبناء اللعب من الخلف والمرونة التكتيكية والضغط العالي، والقدرة على اللعب في المساحات الضيقة.
كما أن أندرلخت يعتمد كثيرا في تكوين لاعبيه الصغار على الرسم التكتيكي 3-4-3، وهو أسلوب يفرض على اللاعبين اتخاذ قرارات سريعة تحت الضغط، ويشجع على التحرك المستمر وتبادل المراكز.
ويبدو أن وهبي يحاول تدريجيا نقل هذه الأفكار إلى المنتخب الوطني الأول، عبر خلق منظومة هجومية أكثر مرونة، لا تعتمد بالضرورة على وجود مهاجم كلاسيكي داخل مربع العمليات.
خصائص ومميزات "رأس الحربة الوهمي"
في هذا السياق، أبدى المدرب عزيز العامري دعمه الواضح لهذا التوجه التكتيكي. وأكد في تصريح لـSNRTnews، أنه يؤيد اعتماد وهبي على مهاجم وهمي، مبرزا أنها كانت دوما طريقته المفضلة عندما أشرف على تدريب مجموعة من الأندية، وعلى رأسها المغرب التطواني الذي توج معه بلقبين للبطولة الاحترافية دون الاعتماد على قلب هجوم تقليدي.
وأوضح العامري أن الكرة تصل بشكل أكبر إلى مناطق الخصم عندما يتم الاعتماد على لاعبي الوسط الهجومي كمهاجمين وهميين، لأن ذلك يسمح بخلق كثافة عددية في العمق، ويفتح المساحات أمام الأجنحة واللاعبين القادمين من الخلف.
وأضاف أن إشراك رأس حربة كلاسيكي خلال الشوط الثاني قد يكون مفيدا أكثر في بعض المباريات، لأنه يساعد على إنهاء العمليات الهجومية، خاصة عندما يجد الفريق صعوبة في اختراق دفاع الخصم أو يحتاج إلى لاعب قادر على استغلال العرضيات والكرات الثانية داخل منطقة الجزاء.
أكثر من سيناريو هجومي في نفس المباراة
في المقابل، أظهر دخول أيوب الكعبي وسفيان رحيمي في الشوط الثاني من مباراة مدغشقر أن وهبي لا يفكر في إلغاء دور رأس الحربة التقليدي بشكل نهائي، بقدر ما يبحث عن حلول متنوعة بحسب مجريات المباراة وطبيعة الخصم.
فالكعبي يمثل نموذجا مختلفا تماما مقارنة بالصيباري، بحكم تمركزه داخل منطقة الجزاء وقدرته على استغلال أنصاف الفرص والتحرك بين المدافعين، وهو ما ظهر في الكرة التي جاء منها الهدف الرابع في الودية الأخيرة، بينما يمنح رحيمي حلولا إضافية بفضل سرعته وقدرته على الهجوم في العمق والتحول السريع.
ويبدو أن وهبي يريد امتلاك أكثر من سيناريو هجومي داخل المباراة الواحدة، وهو أمر أصبح أساسيا في كرة القدم الحديثة، خاصة في البطولات الكبرى التي تتطلب مرونة تكتيكية كبيرة.
هل يناسب أسلوب "المهاجم الوهمي" مباريات المونديال؟
يبقى السؤال الأهم مرتبطا بمدى ملاءمة هذا الأسلوب لمباريات كأس العالم، خصوصا أمام منتخبات قوية من الناحية الفردية والتكتيكية.
أمام منتخب البرازيل مثلا، قد يمنح اللعب بدون مهاجم صريح المنتخب المغربي أفضلية نسبية في وسط الميدان، ويسمح له بالاحتفاظ بالكرة لفترات أطول، مع جر المدافعين البرازيليين إلى مناطق غير مريحة.
لكن هذا الخيار قد يحمل أيضا بعض المخاطر، خاصة إذا افتقد المغرب للنجاعة أمام المرمى أو وجد صعوبة في استغلال أنصاف الفرص.
أما أمام منتخبي اسكتلندا وهايتي، فقد يكون اللعب بالمهاجم الوهمي أكثر فاعلية، لأن المنتخبين معا يميلان إلى التكتل الدفاعي النسبي، ما يجعل التحركات بين الخطوط عاملا حاسما لفك التنظيم الدفاعي.
كما أن اللعب بمهاجم وهمي قد يسمح باستغلال المهارات التقنية للاعبي المنتخب المغربي في المساحات الضيقة، خاصة في ظل توفر عناصر مثل الصيباري وبلال الخنوس وإبراهيم دياز وعبد الصمد الزلزولي وسفيان رحيمي.
بين الجرأة التكتيكية والواقعية
ما يثير الانتباه في اختيارات محمد وهبي، هو رغبته الواضحة في منح المنتخب المغربي شخصية هجومية أكثر جرأة، بعيدا عن الأسلوب المحافظ الذي ميز بعض فترات المنتخب في السنوات الأخيرة.
غير أن النجاح في هذا الرهان سيظل مرتبطا بقدرة اللاعبين على استيعاب التفاصيل التكتيكية الدقيقة لهذا الأسلوب، لأن اللعب بدون رأس حربة صريح يتطلب تحركات جماعية منسقة، وسرعة كبيرة في تدوير الكرة، وقدرة على الضغط العكسي واسترجاع الكرة بسرعة.
ويبدو أن الأيام القليلة المقبلة ستكشف بشكل أوضح عن ملامح المنتخب المغربي الذي يريده وهبي في كأس العالم، بداية بالمباراة الودية أمام النرويج، يوم الأحد 7 يونيو، وهل سيذهب فعلا نحو ثورة تكتيكية تعتمد على "المهاجم الوهمي"، أم أنه سيكتفي باستعمال هذا الخيار كسلاح إضافي داخل المباريات، دون التخلي نهائيا عن رأس الحربة التقليدي.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة