مجتمع
خيمة الصوفي .. ساعة الكشف عن كوفيد
20/06/2022 - 09:17
يونس الخراشي
حارس السيارات في الزقاق الذي يفضي إلى خيمة "كشف كوفيد"، بجانب مستشفى مولاي يوسف (الصوفي)، بمدينة الدار البيضاء، ما يزال مشغولا بنتيجة الديربي، فيما يتوافد شباب وكبار على الخيمة البيضاء الكبيرة، ليعرفوا ما إن كانوا يحملون الفيروس أم لا.
ولأن درجة الحرارة مرتفعة للغاية، فإن تلك الخيمة البيضاء الكبيرة، والتي تشبه "زاوية" يحج إليها الناس من زمن بعيد، شكلت ملاذا ضروريا بحثا عن الظل، ولاسيما أن أرجاءها لم تكن كلها مملوءة، فضلا عن أن فتحاتها الكثيرة، من الباب إلى الفجوات الجانبية والفوقية، صنعت مجالا لتيار بارد مريح.
هناك نظام واضح من البداية. فالحواجز الحديدية تحيلك على المكان الذي يتعين أن تمضي إليه. وفي حال لم تستنتج ذلك بنفسك، فهناك شاب مكلف بالأمن، يتلقى أسئلة كثيرة جدا، من قبيل "منين نمشي؟"، أو "وفين نمشي دابا؟"، أو "واش باقي خصني ندير؟". ويجيب على قدر الاحتمال، أو يقطع الطريق بنداء قوي على أحد المطلوبين للفحص، ينفس به غضبه المتعاظم في صدره.
الأغلبية الساحقة ممن كانوا داخل الخيمة الكبيرة كانوا يضعون الكمامات بإحكام. الوضع يفرض ذلك. فلعلهم جميعا كانوا يقولون مع أنفسهم:"لئن كنت لا أحمل الفيروس، فبخطأ بسيط قد أصير له من الحاملين". غير أن الكمامة سرعان ما تسقط بالخارج، مخبرة عن التراخي الذي صرنا نتعاطى به، أو لنقل معظمنا، مع الجائحة، في وقت ما تزال موجودة بيننا بالدليل والأرقام.
"أخي الكريم"، قالت سيدة في الخمسينات من عمرها، فتنبه أحدهم، لتضيف:"ما لم تضع بطاقتك الوطنية رهن إشارة المكلفين، فستبقى تنتظر دون جدوى". ثم ابتعدت، وهي ترفع صوتها، ربما ليسمعها أحد ما:"جئت قبل هؤلاء جميعا، ولكن سبقوني كلهم. لا أفهم هذا". واتضح، لاحقا، أن بطاقتها سقطت سهوا على الأرض، ولم يتجن عليها أحد.
كانت الحركة انسيابية بوضوح. فالبداية بوضع البطاقة الوطنية رهن إشارة المكلفين بترتيب الأمور. تتلوها أسئلة بسيطة، لمعرفة الوضع الصحي، والغاية من الإقبال على الكشف. ثم تسمع:"تسنى شوية، وغادي نعيطوا عليك". ثم تنتظر، لبعض الوقت، إلى أن يأتي الدور عليك، فتسمع اسمك بصوت مرتفع لمرة أو لمرات. ثم تنطلق لتحصل على كيس صغير، يتضمن ورقة بها معطياتك الشخصية، وأداة الفحص الخاصة بك، وقارورة المحلول، وتسمع:"حيد لاكارط ديالك، وسير تدير التيست".
عملية الكشف سريعة للغاية، وبلا ألم أو آثار واضحة. يطلب منك أن ترجع رأسك قليلا إلى الخلف. ثم يستخرج المطلوب من أنفك بسيخ صغير مغلف الرأس بالقطن، ليوضع في القارورة الصغيرة. وتخبر بالموعد الذي ستحصل فيه على نتيجة الكشف. وهناك من يحصلون عليها في وقت قصير، على اعتبار أنهم يختارون الكشف السريع. وسمعت أحدهم يقول لمن يسأله أيهما الأفضل:"كلاهما ناجع. لا عليك. أنت سلبي. سير بالسلامة".
في الطريق نحو بوابة الخيمة الكبيرة، بدت الجهة حيث الكراسي البلاستيكية البيضاء تستقبل منتظرين جددا، يرغبون في الكشف. بعضهم تبدو عليه، بالفعل، علامات المرض، وآخرون بلا أية علامات أو أعراض. ولكن الكلمات التي تتناثر هنا وهناك تنبئ عن إحساس متنام بأن التعاطي مع الجائحة يحتاج إلى الانتباه؛ مهما يكن الفيروس أخف، وأعراضه سريعة الذوبان.
في الخارج لم يخف الحر. بل زاد. والسماء فوق مئذنة مسجد الحسن الثاني كانت صافية جدا، تصل منها أشعة الشمس بلا حائل. تضرب الأسفلت، فيعلو، غير بعيد، سراب صغير. وتصل نشرة إنذارية في خبر عاجل على الهاتف. تنبئ عن المزيد من الحرارة في اليومين المقبلين، وعن صيف جاء قبل أوانه المعتاد. حاضرا بقوة بيننا.
قال حارس السيارات وهو يستعد ليوجهني كي أغادر:"شخصيا كنت أعرف أن الوداد سينهزم". سألته:"من أين لك ذلك؟". قال، وقد ثبت سيجارة على أذنه اليمنى، وراح يدقق الكلمات ويضغط على المخارج، كأي بيضاوي:"حيت زادوا فيه. الاحتفال. والتحكيم مكانش مزيان"، ثم استدرك:"الحقيقة، الوداد مجاوش للتيران".
تذكرت تلك الكلمات التي نُسبت، يوما، إلى الأب جيكو، رحمه الله. وعرفت بأن هواء الدار البيضاء قد قُسِمَ، بالفعل، بين عشاق الوداد وعشاق الرجاء. ثم مضيت وفكري يخرج صوتا:"الأهم أن يتنفس المرء دون حاجة إلى أوكسجين صناعي. وليكن هواؤه أحمر أو أخضر. لا يهم".
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع