تكنولوجيا
"GAFAM".. شركات أمريكية بنفوذ يقتحم السياسة!
13/01/2021 - 16:09
مهدي حبشي
أعاد حظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الشبكات الاجتماعية فتح ملف الشركات الخمس المهيمنة على العالم الرقمي، التي تعرف اختزالاً بمسمى "GAFAM"، إذ بات الحجم الاقتصادي الضخم لتلك الشركات يخول لها النزول بكامل ثقلها في المجال السياسي أيضاً، ذلك على الأقل ما يخشاه المراقبون.
السادس من يناير 2021؛ تاريخ مزلزل في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، إذ شهد اقتحام مجموعة من أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمبنى "كابيتول"، الذي يشتغل فيه أعضاء الكونغرس. وفي أول رد فعل مباشر، قامت مجموعة من الشبكات الاجتماعية الكبرى، في طليعتها "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تويتر"، بحظر حساب الرئيس، مُعتبرة مسؤوليته قائمة عن الحادث عبر ما ينشره على منصاتها من تحريض لأتباعه على العنف.
السلوك لم يمر دون تخليف ردود أفعال متباينة، إذ اعتبر مراقبون أن تلك الشبكات قامت بواجبها في تنزيه منصاتها عن التحول إلى وسائط للتحريض ونشر خطابات الكراهية، في حين اعتبر آخرون أن الحادث يعبر عن تغول "عمالقة الأنترنت" (GAFAM)، إلى درجة تنصيب أنفسهم أوصياء على حرية التعبير الرقمية.
من هم عمالقة الأنترنت GAFAM؟
عبارة "GAFAM" هي اختزال يتضمن الحرف الأول من أسماء 5 شركات أمريكية عملاقة في المجال الرقمي، توالياً هي: "غوغل"، "أمازون"، "فيسبوك"، "آبل"، و"مايكروسوفت".
وتوصف الشركات الخمس بأنها "عمالقة الويب"، بالنظر لهيمنتها على السوق الرقمي، ولنفوذها الاقتصادي والسياسي المتنامي في السنوات الأخيرة. فكل شركة تستأثر بحصة الأسد من سوق اشتغالها، الذي قد يتقاطع مع الأخريات ويتباين معهن في جوانب كثيرة.
ولفهم السر خلف اللغط الذي أثاره حظر حساب دونالد ترامب، لابد من سرد مؤشرات النفوذ التي باتت في حوزة "عمالقة الإنترنت"، إذ تهيمن أمازون ومايكروسوفت وغوغل لوحدها على 57 في المئة من سوق الحوسبة السحابية "cloud computing"، وتتشارك "مايكروسوفت" و"أبل" 95 في المائة من سوق أنظمة التشغيل (systèmes d'exploitation) للحواسيب المكتبية.
وفي ما يتعلق بالهواتف الذكية، فإن "غوغل" و"أبل" تتشاركان سوق أنظمة تشغيلها بالكامل، في حين تستحوذ "غوغل" و"مايكروسفت" على 80 في المائة من سوق متصفحات الأنترنت، وذلك بفضل "غوغل كروم" و"مايكروسوفت إيدج".
في عام 2019، سجل "فيسبوك" نحو مليارين ونصف المليار مستخدم نشيط، فيما ينشط على شبكة "لينكدإن"، التابعة لـ"مايكروسوفت"، نحو 600 مليون شخص عبر العالم. في وقتٍ سجلت "غوغل"، عبر شبكتها "يوتيوب"، ملياري مستخدم شهرياً، بحيث تتشارك مع "فيسبوك" الهيمنة على سوق الفيديو عبر الإنترنت.
"أمازون"، من جهتها، تهيمن بمعية "غوغل" و"أبل" على 80 في المائة من سوق تحميل الموسيقى عبر الإنترنت، فيما تحتكر الشركة ثلاثة أرباع سوق مبيعات الكتب الإلكترونية.
ويبقى الشاهد الأبرز على نفوذ هذه الشركات، قيمة كل واحدة منها في البورصة، فباستثناء "فيسبوك"، تتجاوز قيمة الأربع الأخريات ألف مليار دولار أمريكي، ما يعادل الناتج الداخلي الخام لهولندا التي تصنف في المرتبة 17 كأغنى دولة العالم!
ترامب.. محرض على العنف أم "شهيد" حرية التعبير؟
منذ سنوات وهذه الشركات العملاقة تعمل على تقنين محتويات منصاتها الاجتماعية، والضرب بيد من حديد على المخالفين، فبعدما غدت تلك المنصات ذائعة الانتشار، لم يعد مسموحاً بأن تمر عبرها بعض الخطابات والمحتويات "المسمومة".
تلكأت الشركات في تنزيل تلك القوانين، بل طبقتها على نحو انتقائي وغير مضبوط في كثير من المرات، وذلك قبل الأحداث المزلزلة التي شهدها مبنى الكونغرس الأمريكي، ما دفعها للتحرك بصرامة غير معهودة ضد شخصية غير اعتيادية. ففي السابع من يناير قرر "فيسبوك" والمنصة التابعة له "إنستغرام" استبعاد حساب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بعدما سبقها "تويتر" إلى ذلك بيومين.
لكن هذا السلوك، وإن بدا في ظاهره إيجابياً، بحيث حرم "الرئيس المُحرّض" من منصات مهمة لتمرير خطاباته إلى المتعصبين من أتباعه، إلا أن له جانباً مظلماً لم يفت الخبراء. فقد اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إغلاق حساب لرئيس دولة "إشكالياً"، وقال المتحدث باسمها إنه "من الممكن التدخل في حرية التعبير، لكن وفق الحدود التي يحددها المشرع، وليس بقرار من إدارة شركة"، في انتقاد مباشر لتنصيب تلك المنصات نفسها مراقباً لما ينبغي أن يقوله الناس أو لا يقولونه عبرها.
نفس الموقف عبر عنه وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، برونو لومير، الذي قال إنه صدم لكون قرار الحظر اتخذ من قبل إدارة "تويتر" نفسها؛ "من غير المعقول أن تكون قوانين عمالقة العالم الرقمي منها وإليها، التقنين ضروري، لكن ينبغي أن يتم عبر المؤسسات السيادية للدولة وعبر العدالة".
ولم يفت بعض الخبراء أن سلوك هذه الشركات تجاه الرئيس ترامب لا يخلو من طابع سياسي، إذ سبق لنائبة رئيس الفريق الديمقراطي بمجلس الشيوخ الأمريكي، إلزابيث وارن، أن أعربت عن أن "الوقت حان لتفكيك غوغل، أمازون وفيسبوك"، باعتبار أن حجم هذه الشركات ونفوذها بات يفوق المعقول، لدرجة منع ظهور فاعلين جدد في القطاع. معطى يدفع المراقبين للتساؤل عما إذا كان التحرش بترامب "رشوة" من عمالقة النت للحزب الديمقراطي، الذي سيسوس الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأعوام المقبلة، مقابل تليين موقفه تجاهها؟
دلائل الاتهام
ومما يكرس تهمة "التسييس" ضد عمالقة النت، أنها ليست المرة الأولى التي "يُحرض" فيها ترامب أتباعه على أعمال عنف. فقبل أقل من عام كان هؤلاء قد هاجموا مؤتمر مدينة "لانسينغ" بولاية ميشيغان الأمريكية، حيث كان يتواجد منتخبو وحاكم الولاية الديمقراطي. وحدث ذلك بعد دعوة من ترامب عبر الشبكات الاجتماعية إلى "تحرير ميشيغان من الحواجز الصحية المفروضة من الحاكم الديمقراطي".
هذه الأحداث لم تكن أقل خطورة من اقتحام مبنى "كابيتول"، إذ إن مئات من أتباع ترامب اقتحموا المبنى في لانسينغ وسط دعاوى بالاعتداء على المنتخبين المرابطين داخله... إلا أن عمالقة النت لم يتخذوا أي إجراء في حق ترامب آنذاك.
ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ متغير سياسي. ففي زمن الحادث الأول لم يكن ترامب رئيساً "مهزوماً" يقضي أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، وينتظر أن يعوضه على كرسي الرئاسة سياسي ديمقراطي، بل إن ترامب في تلك الآونة كان يوصف برجل الولايات المتحدة القوي، الماضي إلى ولاية ثانية دون منافسة.
ويشدد الخبراء على أن سلوك عمالقة "النت" تجاه ترامب يروم تليين الموقف الديمقراطي إزاءها، بحيث كانت تقارير، في شهر نونبر الماضي، قد كشفت عن أن تلك الشركات تترقب الانتخابات الأمريكية بكثير من القلق، إذ لا يرتقب أن تحظى بمعاملة لينة من طرف الديمقراطيين ورئيسهم المنتخب، جو بايدن، الذي ينوي مثلاً تشجيع هيئة المنافسة الأمريكية وقطاع العدالة على المضي قدماً في شكاواهم ضد فيسبوك، والتي تهدف إلى فصل الفروع "واتساب" و"إنستغرام" عن الشركة الأم.
وترى تلك الشركات أن التوجه الديمقراطي إلى فصل الفروع عن الشركات الأم، في حال تجاوز رقم معاملاتها 25 مليار دولار أمريكي، كما اقترحته إلزابيث وارن، من شأنه أن يضر بموقعها ويحرمها من احتكار الأسواق التي تنشط فيها.
مقالات ذات صلة
عالم
عالم
عالم